المثقف - قضايا وأراء

تعقيب على مقالي حول الحفر على الجماجم النحاسية

عقب نشري مقالي الذي حمل عنوان (ابن العلقمي والحفر على الجماجم النحاسية) في صحيفة المثقف، أرسل أحد القراء الذي وقَّع باسم: محمد إبراهيم التعقيب التالي: (لا أظن أن هناك من يستطيع تزييف التأريخ مثل الكاتب يوسف مطلقاً؛ فهو أغفل حقيقة لا تقبل النقد أن هولاكو عهد إلى ابن العلقمي بحكم بغداد، ولم يناقش ذلك بل ناقش روايات منتقاة). انتهى تعقيب هذا السيد الفاضل المدعو محمد إبراهيم.

أولاً: إن من قرأوا كتابي إعادة كتابة التأريخ يعرفون أنني لم أكن ممن ينتقي الروايات لسبب بسيط هو أنني لست بحاجة إلى ذلك لكوني استندت إلى المؤرخين البغداديين الذين كانوا في بغداد عند دخول المغول إليها وشاهدوا بأعينهم ما كتبوه.

ثانياً:إن ما ذكره هذا المعقِّب الفاضل من أن هولاكو قد عهد إلى الوزير العباسي ابن العلقمي بإدارة شؤون بغداد عقب احتلالها هو أمر يعرفه القاصي والداني. والحقيقة فإنني ذكرتُ ذلك بشكل مفصل في كتابي المطبوع إعادة كتابة التأريخ، إسقاط الخلافة العباسية أنموذجاً، فليُراجَع. ولماذا يفترض هذا الكاتب أنني أغفلتُ هذه الحقيقة مع أنه لا خشية منها على البحث حين تذكر ومعها بقية تفاصيلها؟

وأود هنا أن أفصِّل قليلاً: لقد دأب كثير ممن يذكرون هذه الحقيقة التأريخية على القول إن ابن العلقمي الشيعي الإمامي المذهب تعاون مع المغول وخان خليفته المستعصم وأمته الإسلامية، بل إن بعضهم يضيف أن هذا يثبت أن الشيعة خونة ناكرون للجميل (وقد ناقشنا جمعاً من هؤلاء الكتَّاب في كتابنا: إعادة كتابة التأريخ المذكور). ودأب هؤلاء على ذكر هذا الرجل (ابن العلقمي) فقط من الكادر الوظيفي للخليفة العباسي. بينما الحقائق التأريخية المستندة إلى الروايات البغدادية التي قالها شهود عيان تقول إن هولاكو عيَّن ابن العلقمي وعشرات غيره من بقية كبار موظفي بلاط الخليفة المستعصم الذين كان أغلبهم من أتباع المذاهب السنِّية ومع ذلك نادراً ما نجد كاتباً من كتابنا المعاصرين من يشير إليهم ويقول إنهم اشتغلوا عملاء للمغول أو إنهم خانوا أمتهم وخليفتهم.

ونحن مضطرون هنا إلى إعادة ما نقلناه من تحليل للأستاذ سعد بن محمد حذيفة الغامدي بشأن أهمية الدور الذي لعبه الحكام المسلمون الكثيرون القادمون من خارج العراق الذين تعاونوا مع المغول وجاؤوا على رأس جيوشهم إلى بغداد بجنودهم ومعداتهم وشاركوا مشاركة فعالة في ارتكاب المجازر بحق إخوانهم من المسلمين وكان أولئك الحكام المسلمون كثيرين ذكر الدكتور الغامدي بعضهم (مثل حاكم كرمان وحاكم وأتابك إقليم فارس وبدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل والسلاطين السلاجقة في آسيا الصغرى، وغيرهم)، وقد علَّق الدكتور سعد الغامدي على ذلك بالقول: ((إن الذنب الكبير والخيانة العظمى كانت قد ارتكبتها عناصر إسلامية ليس من داخل بغداد بل من خارجها وخارج أراضي الدولة العباسية (التي تشمل أقل من حدود العراق الحالية وإقليم خوزستان)، فقد قام المسلمون من هاتيك الربوع بالمشاركة الفعالة مع المغول في حملتهم هذه؛ فارتكبوا ــ مع المغول ــ أعمالاً شنيعة وشاركوا في مذبحة مسلمي بغداد أنفسهم، كما شاركوا في جرائم المغول ضد إخوانهم المسلمين من سكان أراضي العراق والجزيرة والشام، تلك الأعمال التي تهتز لها الإنسانية))([1]).

والحقيقة هي أن هولاكو وغيره من الحكام المغول كانوا عقب احتلالهم لأي بلد يبادرون إلى تشكيل ما سميته بـ ((حكومة الأمر الواقع))، وهي الحكومة التي يُعهد إليها بإدارة البلاد المفتوحة وجمع الضرائب لإرسالها إلى الخزانة العامة للدولة المغولية في منغوليا؛ وهم يستعينون بصورة مطلقة بموظفي البلد الذي احتلوه على أن ينصبوا حاكماً عسكرياً عاماً إما أن يكون مغولياً أو ممن يثقون به ثقة عالية.

ثم نقول إن هولاكو بعد احتلاله العراق  عيَّنَ حاكماً عاماً كان قد جاء معه هو علي بهادر، وكان علي بهادر هذا مسلماً سُنِّياً وُصِفَ بأنه ((حَسَنُ السياسة، مُظْهِرٌ للخير، يلازمُ الصًَّلَوَات في الجُمَعِ والتَّراويح وغيرها))([2])،  ويعد علي بهادر هذا أعلى سلطة مغولية في العراق؛ ثم عُيِّن معه جمعٌ كانوا بأسرهم من كبار موظفي الخليفة المغدور المستعصم بالله ومن أقرب المقربين إليه، فعين كلاً منهم في منصبه الذي كان يشغله عند الخليفة. ولم يكونوا جميعاً من دين واحد أو مذهب واحد، فقد عيَّن هولاكو لحكم العراق النصراني والمسلم الحنفي والمسلم الشيعي والمسلم المعتزلي والمسلم الشافعي والمسلم الحنبلي، فممن عهد إليهم بحكم العراق:

فخر الدين أحمد بن الحسين بن محمد الدامغاني الحنفي وكان قد شغل منصب صاحب ديوان لدى الخليفة المستعصم.

نجم الدين عبد الغني بن الدُّرنوس، وكان المستشار الخاص للخليفة المستعصم.

تاج الدين علي بن هبة الله بن الحسن ابن الدوامي الشافعي وكان يشغل منصب حاجب باب الخليفةِ المستعصم ووالدِه المستنصر. وقد عيَّنه هولاكو حاكماً للأعمال الفراتية([3]).

كما عُيِّن شرف الدين العلوي الطويل، وواضح أن الرجل علوي النسب.

بل إن بعض موظفي الخليفة المستعصم ذهب بنفسه بين يدي هولاكو وطلب إليه أن يعيِّنه بوظيفة وهو عبد المنعم بن كامل البندنيجي قاضي قضاة المذهب الشافعي لدى الخليفة المستعصم، فَأمَرَ[هولاكو] بأن يُقَرَّ بمنصب قاضي القضاة.

ومن المعيّنين أبو الفضل عمادَ الدين عمر بن محمد القزويني وهو من أحفاد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان الذي عينه في هذا المنصب هو الأمير المغولي قرابغا([4]). وقد عهد إليه إعمار ما تهدم من مساجد وأضرحة.

وقد بادر هؤلاء المعيَّنون إلى تعيين حشد من الموظفين في الدولة الجديدة: كان من بينهم فخر الدين المبارك بن يحيى ابن المخرِّمي الحنبلي([5]) الذي عيَّنوه والياً على الدُّجَيل والمستنصري. وكان قد شغل مناصب خطيرة في الدولة العباسية منها منصب صاحب الديوان.

وعينوا عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي وهو من كبار موظفي بلاط المستعصم، فلم تطل أيامه وتوفي، فعيِّن ابن الجمل النصراني محلّه.

على أنه ينبغي لنا أن نقول حقيقة تأريخية وهو وجود واقعة محددة كان فيها اثنان من كبار فقهاء بغداد قد خانا خيانة شنعاء بحق أمتهم ودينهم وهذان الاثنان هما قاضي قضاة المذهب الشافعي شهاب الدين الزنجاني والثاني هو الفقيه الطهراني الرازي أستاذ الفقه الحنفي في مدارس بغداد([6])، اللذان قاما بتنظيم مجزرة ذُبِحَ فيها جمعٌ من الفقهاء ممن يختلفون معهم في الرأي، حيث كانا يسلِّمانهم إلى المغول ليقتلوهم.

يقول المؤرخ البغدادي المعاصر لوقائع الغزو المغولي لبغداد ابن الفُوَطِيّ الحنبلي في ترجمة الرازي هذا: ((وكان شديد الوطأة على أهل العناد والفساد وتولَّى تدريس المدرسة البشيرية، وكان عالماًً بالفقه وأيام الناس؛ وهو ممن كان يُخْرِجُ الفقهاءَ إلى باب السُّور إلى مخيَّم السلطان هولاكو مع شهاب الدين الزنجاني ليُقْتَلوا))([7]).

لقد توفي شهاب الدين الزنجاني في العام نفسه الذي تعاون فيه مع المغول لذبح الفقهاء من أبناء دينه، وقد عيَّن المغول نجله الفقيه الشافعي عز الدين أحمد الزنجاني قاضياً للقضاة في دولتهم في العراق سنين طويلة ولم يُعزَل عن منصبه إلا سنة 694هـ حين كُفَّ بصره([8]).

ومن المفارقات أنَّ جلال الدين كشلوخان نجل القائد العام لقوات الخليفة المستعصم ونعني به الدويدار الصغير الذي غَدَرَ به هولاكو بعد استسلامه وقَتَلَه، أنَّ جلال الدين كشلوخان هذا عُيِّن بمنصبِ أميرٍ خطيرٍ في الحكومة التي شكَّلها المغولُ، حيث نشاهده سنة 662هـ، يدير مع عدد من الأمراء محكمةً مغوليةً خاصةً أصدرت حكماً بإعدام الباجسري رفيق والده في العمل عند المستعصم ((لأُمور نُسِبَت إليه))، فقُتِل، فبادر كشلوخان هذا إلى شق بطنه وانتزاع مرارتَه من أحشائه([9]).

ويقتضي الإنصاف القول بأن ظروف كبار موظفي المستعصم هؤلاء جميعاً كانت صعبة بين يدي هذا الجبار العاتي الظالم وهم يرون خليفتهم المستعصم يذبح مع ولديه وسائر أفراد الأسرة العباسية الأبرياء، وكذلك أهل بغداد وبقية المدن العراقية التي دخلها المغول ومن عاونهم من حكام المسلمين وارتكبوا فيها القتل والنهب وشتى الأعمال الإجرامية.

ونشير أخيراً إلى أن المغول احترموا هؤلاء الذين عيَّنوهم في هذه المناصب بحيث إن بيوتهم أصبحت ملجأً آمناً لمن دخلها من أهل بغداد فلم يتعرض له المغول بسوء، إضافة إلى تجار كانوا قد أخذوا مراسيم من المغول خلال احتكاكهم بهم في أسفارهم إلى البلدان التي تحت سيطرتهم في أوقات سابقة، يقول مؤلف كتاب الحوادث مصوِّراً هولَ ما جرى: ((وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب، واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب مدة 40 يوماً، فقتلوا الرجالَ والنساءَ والصبيانَ والأطفالَ، فلم يبق من أهل البلد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل، ما عدا النصارى فإنهم عُيِّنَ لهم شحاني حرسوا بيوتهم، والتجأ إليهم خلقٌ كثير من المسلمين فسلموا عندهم، وكان ببغداد جماعة من التجار الذين يسافرون إلى خراسان وغيرها قد تعلَّقوا من قبل على أمراء المغول وكتبت لهم فرامين، فلما فُتحت بغداد خرجوا إلى الأمراء وعادوا ومعهم من يحرس بيوتهم، والتجأ أيضاً إليهم جماعة من جيرانهم فسلموا.

وكذلك دار الوزير مؤيد الدين ابن العَلْقَمِيّ فإنه سَلِمَ بها خلقٌ كثير، ودار صاحب الديوان فخر الدين بن أحمد ابن الدامغاني، ودار حاجب الباب تاج الدين علي ابن الدوامي))([10]).

كما نجا المسيحيون الذين تدخلت زوجة هولاكو المسيحية لحمايتهم. ونجا المسلمون الذين لجأوا إلى بيوت هؤلاء المسيحيين([11]). ويضيف ابن كثير اليهودَ إليهم فيقول: ((ولم ينجُ منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومَن التجأ إليهم))([12]).

ويقول مؤرخ بغدادي آخر إن المغول ((ما زالوا في قتلٍ وسبيٍ وتعذيبٍ عظيمٍ لاستخراج الأموال مُدَّةَ أربعين يوماً، فقتلوا النساءَ والرجالَ والأطفالَ أهلَ البلد وأهلَ سائر القرى ما عدا النصارى، عُيِّن لهم شَحاني حرسوهم، وانضمَّ إليهم خلقٌ فسَلِموا))([13]).

هذا ما حضرني تعقيباً على كلام هذا المعترض الكريم الذي وصفني بـ ((تزييف التأريخ)).

 

 للاطلاع

ابن العلقمي والحفر على الجماجم النحاسية



([1]) الغامدي، سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والاتهام، 352.

([2]) مجهول، كتاب الحوادث، 381؛ الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/85.

([3]) مجهول، كتاب الحوادث، 361.   

([4]) مجهول، كتاب الحوادث، 362.   

([5]) هو المبارك بن يحيى بن المبارك المخرِّمي الحنبلي، توفي سنة 664هـ ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل.

([6]) تُرجم في كتاب الحوادث 396، وفيه: ((القاضي فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل الطهراني الرازي الحنفي، استنابه أقضى القضاة نظام الدين البندنيجي في القضاء، وفوَّض إليه أمر الحسبة ببغداد)).

([7]) ابن الفُوَطِيّ، تلخيص مجمع الآداب، 4(3)/195 (ط جواد)، وفي 3/38 (ط الكاظم).  

([8]) انظر: مجهول، كتاب الحوادث، 404، 421، 524.  

([9]) مجهول، كتاب الحوادث، 382. وهذا العمل دالٌّ على أهمية كشلوخان وسطوته في الدولة الجديدة.

([10]) كما يقول مؤلف كتاب الحوادث، 359.

([11]) مجهول، كتاب الحوادث، 359.

([12]) البداية والنهاية، 13/235. 

([13]) الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/39. ونسب الكلامَ المذكور إلى المؤرخ البغدادي المعاصر لوقائع الغزو ((ابن الكازروني وغيره)). 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2481 المصادف: 2013-06-21 02:45:46