المثقف - قضايا وأراء

نحو إستراتيجية ناجحة لتحقيق الأمن .. في العـراق وضمان الأمان للعراقيين (4-7)

akram alhakimحاضنات (بيئات) مكمّلة لدور الأجهزة:

المنهج العلمي وتجارب الدول والمجتمعات المستقرّة سياسياً وأمنياً والرشد او الوعي السياسي العالي،كل ذلك تؤكّد وجود بيئات أو حاضنات عديدة ’يفترض أن تمثــّل البنية التحتية لمنظومة الأجهزة الأمنية والجذور والأرضية الصالحة لفعالياتها ومنجزاتها والتي بدونها يصبح وجود الأجهزة الأمنية هشـّـاً ولا يعالج سوى القشور من المشكلات الأمنية، وتضيع الإمكانات الهائلة التي تخصّصها الحكومة للملف الأمني على ما يشبه المسكّنـات والعلاجات الآنية التي قد تعالج مؤقّـتا بعض أعراض المرض ولكن دون أن تقضي على مسبّباته وعلى العوامل المساعدة على نموّه وانتشاره ...ومن أمثلة تلك الحاضنات أو البيئات: البيئة القضائية المناسبة، والبيئة السياسية المناسبة، والبيئة الأجتماعية المناسبة، والبيئة الثقافيــــة المناسبة، و بضمنها منظومة الأفكار والعقائد والقيم السائدة في المجتمع، والبيئة الاقتصادية المناسبة وغيرها، وسوف نستعرض بإيجاز أهم مفردات كل واحدة من تلك البيئات:

 

أولاً: البيئة السياسية المناسبة:

وأهم مفرداتها استقلالية القرار الوطني عن التدخـّـلات و التأثيرات الخارجية وخاصة التأثيرات الخارجية المعادية، فلا يمكن إدارة الملف الأمني الوطني بكفاءة ونجاح، والنظام ومؤسّساته الدستورية غير قادرة على انتخاب من تراه مناسبا لإدارة مفاصل الأجهزة الأمنية كالدفاع والداخلية والمخابرات وغيرها إلا بعد ضمان عدم ممانعة أطراف خارجية...!  (على الأقل هذا ما كان الوضع عليه في الفترة من 2003 وحتى سنوات لاحقة، وحتى بعد تشكيل الحكومة الدستورية الأولى عام 2006)، ولا يمكن إدارة الملف الأمني مع وجود نفوذ أمني وعسكري أجنبي على أرض الوطن غير خاضع للإرادة والقرار الوطني، ولا يمكن إدارته والآلاف من المرتزقة الأجانب الذين لا يعرف الكثير من المسؤولين من هم و ما هي مهامهم بالضبط .. يدخلون ويخرجون من العراق دون علم وموافقة الجهات الرسمية ذات العلاقة. (يرجى مطالعة التقرير المنشور بتأريخ 13 أيلول 2011 في موقع صوت العراق عن قيام شركة black waters بتشكيل جهاز أمني خاص بها يتكون من الآلاف من العراقيين ومتغلغل في أغلب الأجهزة الأمنية العراقية  وفي منظومة الجوازات العراقية وفي مكاتب بعض المسؤولين  وقراءة رسالة ضابط المخابرات عبد الرزاق البغدادي في أحد المواقع الإليكترونية بتاريخ 28 تشرين الأول 2010، كما وندعو الى مراجعة البيانات الرسميه المنشورة في الموقع الرسمي لقوات التحالف في العراق للسنوات ( من 2004 الى 2008 ) والتعرّف على عدد الدورات التي أشرفت عليها قوات التحالف والخاصة بتخريج ضباط استخبارات عسكرية في الجيش العراقي، ونطلب من لجنة الأمن والدفاع البرلمانية الاستفسار عن هوية أولئك الضباط الخرّيجين وما هي معايير اختيارهم وما هي مهماتهم في الوقت الراهن؟). ولا يمكن إدارة الملف الأمني بنجاح والحكومة لا تستطيع طرد منظمات أرهابية أجنبية (تقوم بعمليات قتل وتفجير وفعاليات معادية في دول مجاورة) من أراضينا الوطنية، بالرغم من نص الدستور على عدم السماح بأن يكون العراق مقـرّاً أو ممـرّا لأفراد أو منظمات معادية لدول الجـوار. وبالرغم من وجود أدلة صحيحة وموثّقة تشير الى أن بعض تلك المنظمات قامت ولسنوات بالتعاون مع أجهزة القمع للنظام البعثي البائد في عمليات قمع العراقيين خاصة خلال فترة الانتفاضة الشعبية (آذار 1991)، وفي السنوات التي بعدها .. بل وتقوم الآن بدور الاسناد لمجموعات ونشاطات إرهابية محلية خاصة في بعض مناطق الوسط والجنوب.. وبالرغم من كل ذلك لا تتمكّن الحكومة العراقية الدستورية المنتخبة من إخراج تلك العناصر والمنظمات الإرهابية لتمتّـعها بحماية السفارة ... والقوات ....وحتى بدعم ممثلية الأمم المتحدة في بغداد ..!!؟ .                                                              

كيف يمكن ادارة الملف بنجاح، والقوات الأجنبية كانت تقوم بإطلاق سراح إرهابيين مسؤولين عن ارتكاب جرائم بشعة بحق المواطنين العراقيين؟

والمفردة الثانية المهمة ضمن عنوان البيئة السياسية المناسبة، هي ضرورة سيادة معادلة اجتماعية وسياسية متوازنة وواقعية معبّـرة بدقة وصدق عن الواقع العراقي الذي يتميز بتنوّعه القومي والديني والمذهبي والسياسي، ومعادلة تحترم الهويات الفرعية لتلك المكوّنات، ولعل واحدة من أكبر الجرائم التي أرتكبها الاستعمار الأوربي فـي العراق قبل أكثر من تسعين عاما وفي فترة ما سمّي بالاستقلال الوطني وتأسيس الدولة العراقية المعاصرة، هي بناء النظام السياسي والأمني والاقتصادي وحتى الثقافي للدولة (ومؤسّساتها) على أسس محكومة بمعادلة سياسية واجتماعية ظالمة وغير واقعية، حيث تم بناء نخبة الحكم و السلطة (في المجال العسكري والأمني والاقتصادي ومراكز الدولة المفصلية) بأبناء أقليات مناطقية وعشائرية انعزالية بعيدة عن مراكز مدن عريقة (مثل بغداد والموصل والبصرة والكوفة وأربيل والحلة وكربلاء) وغالبا ما تكون متخاصمة مع أبناء ها (وتتمترس أحيانا بأغطية مذهبية)، وقامت أغلب الحكومات المتعاقبة (ربما باستثناء حكومة المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم)، منذ ذلك التاريخ وحتى نيسان 2003 بالمحافظة على تلك المعادلة الظالمة التي تقوم بإبعاد الأغلبية الشعبية ومنعها من التأثير والمشاركة في صناعة القرار السياسي والأمني والاقتصادي في الوطن... وكما هو معلوم فإن هكذا معادلة سياسية اجتماعية غير معبـّرة عن الواقع الاجتماعي والسياسي العراقي، في حال هيمنتها على السلطة لعقود من الزمن، تؤدي الى تأجيج الصراعات الجانبية بين أبناء الشعب الواحد وبالتالي منع تكامل عناصر ومقومات الاستقلال الوطني وجنوح الاقليات المستفيدة من المعادلة إلى الاتّكاء على الخارج لموازنة ضعفها في الداخل وهذا ما تريده بالضبط القوى الاستعمارية، ولعل هذا الأمر هو الذي يفسّر حالة التوتــّـر والصراعات الدموية وعدم الاستقرار والانتهاكات الفظّة لحقوق الانسان(المزمنة) السائدة في العراق منذ ما يسمّى بالاستقلال وحتى يومنا الحالي، بالرغم من تغير الحكومات وتنوّع ألوانها... وسوف يستمر ذلك حتى تسود وتستقر المعادلة السياسية والاجتماعية الصحيحة والواقعية، ويجب أن تعرف الأقليات بأن ضمانة مستقبلها هي في استقرار المعادلة المعبّرة عن الواقع العراقي القائم، وبعيدا عن سياسات التعالي والاضطهاد العنصري والطائفي.

أما المفردة الثالثة في البيئة السياسية فهي أهمية المحافظة على آلية الانتخابات الحرّة النزيهـــة لضمان تمكين كل مواطن من المساهمة في صنع القرارات المؤثــّرة في واقعه ومستقبله ومستقبل وطنه وإدارة مؤسّساته الدستورية، وفي محاسبة حكّامه وتغييرهم إن أقتضى الأمر ... وكذلك المحافظة على الآليات الدستورية الضامنة  للتداول السلمي للسلطة (كما هو الحال في المجتمعات والدول المستقرة والمتحضّرة سياسيا) والمانعة  لنشأة الدكتاتوريات الفردية او الحزبية، إن تمكين القوى السياسية الوطنية (بما فيها القوى الفتيّـة الجديدة) المعبّرة عن شرائح شعبية حقيقية من الحصول على حقوقها السياسية في النظام السياسي ومنها المشاركة في السلطة ومؤسّساتها وقراراتها من خلال عدد الأصوات التي تحصل عليها في انتخابات حرّة ونزيهة (بشرط الوقوف بقوة وحزم أمام التدخـّلات الخارجية والفساد الداخلي لتزوير نتائج الانتخابات، وما حصل في انتخابات مجلس النواب فضيحة كبيرة للأموال الخليجية الهائلة ودور بعض السفارات الأجنبية، فضلا عن استخدام بعض المسؤولين لامكانات الدولة..)، وتمكين المواطنين وبغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية والاجتماعية والسياسية، من ممارسة حقهم السياسي من خلال صناديق الاقتراع وفق مبدأ (الكل مواطن صوت). هذا التمكين هو السبيل الوحيد لتجنـّب الاحتقانات السياسية وتطور مشاعر الكبت والغضب والتمرد داخل المجتمع، و التي تشكّل البيئة المساعدة لنشأة الأوساط المرشـّـحة للتعاون مع البؤر الأرهابية المعادية  للوطن. ويمكن أن تكون هناك مفردة رابعة ضمن عنوان البيئة السياسية المناسبة، ويمكن ان تمثـّل احدى مفردات الأمن الوقائي، وهي ألتزام الحكومة العراقية أي التزام كل القوى المشاركة في قرارها وإدارتها وبشكل صارم سياسة عدم التدخـّل في الشؤون الداخلية لأي بلد آخر مجاور أو غير مجاور وسياسة عدم التبعية لأي طرف إقليمي أودولي، وسياسة عدم إثارة مخاوف أي طرف إقليمي أو دولي. وعدم تهديد أية معادلات سياسية أو أمنية أو اجتماعية مستقرة في المنطقة وفي العالم. نعم، على الحكومة العراقية أن تتصدّى وبحزم لأية سياسات ونشاطات تستهدف استقلال وسيادة وثروات  العراق وحرية شعبه، ولكن دون العدوان على الآخرين .. إن إثارة مخاوف الآخرين وتهديدهم و التدخّل في شؤونهم تدفع الآخرين الى دعم وتعبئة القوى المضادة للنظام العراقي الجديد كما إن التبعية لحكومات إقليمية أو دولية تدخلنا في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. كما إن فتح ملفّات مشاكل قديمة مع دول مجاورة دون مراعاة أولويات السياسة الخارجية في هذه المرحلة أو فتحها بأدوات وقنوات غير مناسبة أوفي ظل ظروف غير مناسبة، تؤدّي الى قيام الآخرين بتأليب القوى و إثــارة المشكلات ضدنا، وهو ما يوفر للقوى الإرهابية أرضية مناسبة وحاضنات سياسية وأمنية إقليميــة ودولية تساعدها في تطوير نشاطاتها المعادية للوطن وللشعب (وربما تكون بعض الاستفزازات التي تقوم بها بعض تلك الدول هي بالضبط لدفع الحكومة العراقية الى ردود فعل لا تتناسب وأوليات، أو مع قدراتها في المرحله القائمة، وربما تكون قوى دولية وراء مثل تلك الاستفزازات لخلط الأوراق واظهار عجز الحكومة العراقية عن حل المشكلات ومواجهة التحدّيات، لأثبات ضرورة بقاء قواتها وأجهزتها..)، وبالطبع يجب أن لا نفهم العبارات السابقة بوصفها دعوة للّتخلّي عن حقوق العراق وحقوق شعبه...

 

اذن أهم عناصر البيئة السياسية المناسبة هي:

1ـ أستقلالية القرار السياسي والأمن الوطني عن التدخّلات والتأثيرات الخارجية السلبية.

2ـ اعتماد المعادلة السياسية الاجتماعية الصحيحة المعبّرة عن واقع مكوّنات المجتمع العراقي.  

3ـ المحافظة على حرية الانتخابات ونزاهتها، وعلى ضمان التداول السلمي للسلطة.

4 ـ احترام ورعاية المعادلات السياسية والأمنية وحتى الاجتماعية السائدة في المنطقة، على أن لا تهدد تلك المعادلات استقلال العراق وسيادته وحريته والمصالح العليا للشعب العراقي.

بالطبع يجب عدم السماح للدوائر السياسية والأمنية المعادية (الإقليمية والدولية) استغلال الحريات المتاحة في ظل النظام السياسي الجديد، لتفريخ الأحزاب والمنظمات المصطنعة وطرح الشخصيات الهزيلة والعميلة بوصفها قيادات للوطن، أو السماح لها بإنشاء وسائل إعلام تحمل أسماء العراق ولكن تعمل لتزوير تاريخه وتمزيق صفوف شعبه من خلال إثارة الصراعات الطائفية والعنصرية والحزبية، وتهين يوميا رموزه الوطنية والسياسية والاجتماعية وتمارس دور أدوات الحرب النفسية للأعداء (مدعومة بملايين الدولارات / وخاصة الأموال الخليجية / ووسائل الإسناد اللوجستية من قبل شبكاتها السرية)، كما يحصل وللأسف الشديد هذه الأيام في العراق، وهي ظاهرة مخرّبة للبيئة السياسية السليمة ومساعدة علــى ازدياد الإرهاب والإرهابيين واضطراب الأوضاع السياسية والأمنية، و مع علم أغلب القيادات السياسية بذلك، إلاّ إن بعضها يسعى لاستغلال التصدّي لهذه الظاهرة لاتهام الآخرين بمحاربة حرية الإعلام...

 

ثانيا: البيئة القضائية المناسبة، وأهم مفرداتها:

 أـ المؤسّسات القضائية المناسبة والعدد الكافي من المحاكم.

 ب ـ العدد الكافي من القضاة الأكفـّاء والنزيهين المخلصين للنظام السياسي القائم.

ج ـ القوانين والتشريعات والمقررات الحكومية والتعليمات اللازمة لكل مراحل التعامل مع المتهمين من المراقبة والملاحقة وإلقاء القبض وتفتيش الأماكن ومرورا بالتحقيق والمحاكمات ووصولا الى إصدار الأحكام وتنفيذها وما بعد التنفيذ ..

د ـ السجون وأماكن الحجز والتوقيف ومراكز التأهيل المناسبة، وبالشروط المقررة وبالكادر المؤهّل ..

يجب أن يعترف الجميع بأن النظام البعثي البائد وخلال فترة حكمه التي امتدّت لثلاثة عقود ونصف، قام بتدمير منظومة القيم والقواعد القانونية المتعارف عليها للجهاز القضائي بالكامل، وتكفّلت سياسته الأمنية والحزبية بمنع انبثاق جهاز قضائي عراقي مستقل، وتكفـّلت أيضا باستئصال القضاة الوطنيين والنزيهين وحوّلت المحاكم (خاصة المختصّة بالسـجناء السياسيين) الى دوائر تابعة لأجهزة الأمن والمخابرات، تصلها الأحكام جاهزة من الجهات الحكومية العليا، وأصبح المعيار الوحيد لإعداد القضاة وتعيينهم (كما هو الحال في المجالات الهامة الأخرى) هو درجة خدمته وتنفيذه لسياسات النظام البعثي وقراراته ورغبات الحاكم وحاشيته وأجهزته.. إن ما استلمه النظام السياسي الجديد من النظام البعثي البائد هو أنقاض جهاز قضائي وليس قضاءً يمكن الاعتماد عليه لسـدّ احتياجات النظام الجديد، ويجب أن نقبل حقيقة أخرى هي أن الحكومات المتعاقبة على الحكم في العراق منذ نيسان 2003 ولحد الآن، وبالرغم من وجود العديد من المسؤولين الوطنيين المخلصين فيها، لم تبادر الى أية خطط وسياسات وإجراءات جذرية تهدف الى تنقية الجهاز القضائي العراقي من العناصر والأعراف غير المناسبة او تهدف الى إعداد عدد كاف من القضاة الأكفـّاء النزيهين المنسجمين مع قيم النظام السياسي الجديد ومع الدستور المقـّر شعبيا، و كذلك  تقديم نماذج جديدة من المحاكم والسجون العراقية التي إضافة الى تجسيدها لقيم العدالة والقانون و احترام حقوق الإنسان، تنقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال الهام والخطير في العديد من التجارب العالمية التي انتقلت فيها السلطة من نظام قمعي شمولي الى نظام ديمقراطي، كانت واحدة من السمات المهمة للمرحلة الانتقالية هي إعادة بناء المؤسّسات القضائية وهو ما لم يحصل في العراق للأسف الشديد ... بل ويقوم البعض من المسؤولين والبرلمانيين وأحزاب النظام السياسي الجديد بالاستعانة بالقضاة الفاسدين والمتواطئين مع النظام البعثي البائد كأداة لتخليص الفاسدين من القصاص أو لتصفية حسابات سياسية شخصية أو فئوية ..!؟ .                                                                     

وبمقدار تعلّق الأمر بالملفّ الأمني، فأن البيئة القضائية العراقية تعيش ظواهر خطيرة تؤدّي الى افشال الكثير من الجهود المخلصة في مجال مكافحة الإرهاب والإرهابيين ومن أهمها:

1 ـ انتشار ظاهرة الرشاوى وبمستوى خطير وعلى نطاق واسع.

2 ـ وجود العديد من القضاة والعاملين في المحاكم ومؤسّسات القضاء، ممّـن تشبّعوا بقيم و ممارسات ومصالح النظام البعثي القمعي السابق، ولازالت حركتهم بطيئة جدا باتجاه استيعاب المتغيّرات الكبيرة في الواقع العراقي، بل وبعضهم يرى تعارض مصالحه مع تلك المتغيرات..

3 ـ تعرّض الكثير من القضاة والحقوقيين الوطنيين من أنصار النظام السياسي الجديد، ممّـن واجهوا  النظام البعثي البائد لسنوات طويلة ودفعوا ثمنا باهضا مقابل ذلك، تعرّضهم الى محاولات الإقصاء عن المفاصل المهمة للجهاز القضائي او الى التصفية الجسدية، وللأسف نجحت بعضها.

4 ـ تعرّض الكثير من المحاكمات والأحكام الى ضغوط سياسية هائلة، من قبل سياسيين كبار او من مراكز قوى في الداخل او الخارج، أي بكلمة أخرى، أن القضاء العراقي غير مستقل بالشكل الذي أراده الدستور. وأغرب من ذلك تملّـص بعض المسؤولين الكبار (الذين أقسموا عند استلامهم مواقعهم على الالتزام بالدستور وتنفيذ المقررات وخدمة مصالح الشعب) من تنفيذ العقوبات الصادرة من القضاء بحق بعض مجرمي النظام البعثي السابق وبعض الإرهابيين الحاليين، مراعاة لطلب بعض الدوائر الإقليمية والدولية، أو بذرائع أخرى متهافتة كما هو الحال بالنسبة لضباط كبار ارتكبوا مجازر وحشية بحق العراقيين الكرد وأبناء الجنوب خلال فترة الانتفاضة الشعبانية وصدرت بحقهم أحكام الإعدام من القضاء العراقي (بعض اولئك المسؤولين يبرر موقفه بالتأثير السلبي لتنفيذ بعض تلك الأحكام على مشروع المصالحة الوطنية، تناسيا أن أكبر خطر على مشروع المصالحه هو عندما يجد ضحايا النظام السابق/وهم بالملايين/جلاّديهم وقتلة أبنائهم يسرحون ويمرحون ولم يتم معاقبتهم، ممّـا يحوّل طبقة الضحايا المليونية الى قنبلة موقوتة يسهل دفعها للانفجار باستفزاز بسيط) .. والأخطر من كل تلك الظواهر السلبية، ظاهرة اعتماد نهج تفسير القانون أو الانتقاء منه، بحسب الصفقات السياسية بين الأطراف النافذة في السلطة.

إن غياب البيئة القضائية المناسبة، له تأثيرات سلبية كبيرة وخطيرة على منظومة الحكومة لمواجهة الخلل الأمني والتحديات الأمنية الراهنة، لأن ما ذكرناه من ظواهر سلبية وغيرها تقود الى ضرب هيبة القضاء وبالتالي هيبة الحكومة.. وأن يفلت العديد من المجرمين من القصاص العادل وغياب الرادع الذي يعتبر مهما جدا في منع الجرائم في المستقبل.

 

يتبع

 

بقلم: أكـرم الحكيـــــم ـ وزير سابق

................

رابط الحلقات السابقة

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=4323&lang=ar&view=articles

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2545 المصادف: 2013-08-24 08:23:41