المثقف - قضايا وأراء

نحو إستراتيجية ناجحة لتحقيق الأمن في العـراق وضمان الأمان للعراقيين (5-7)

akram alhakimثالثا ـ البيئة الاجتماعية والثقافية المناسبة: وهي واحدة من أهم البيئات أو الحاضنات المؤثــّره على عمل الأجهزة الأمنية، وبها ترتبط مجموعة من العوامل ذات التأثير غير المباشر ولكن الكبير على سلوك الأفراد والجماعات والمجتمعات .. من قبيل التربية العائلية والتربية المدرسية ومنظومة الأفكار والقيم الأخلاقية والأعراف السائدة في المجتمع والأفكار والقيم التي تنشرها وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، سواء المحلية منها او القادمة عبر الأثير من الخارج، والموروث الاجتماعي، ودرجة تأثير وعمق الجذور الدينية في الشخصية، وغياب العدالة الاجتماعية ...وغيرها. لنتأمـّل في الظواهر التالية وكلها  حقيقية ومن صلب الواقع العراقي:

1ـ الكثير من العناصر التي تقوم بنقل المتفجرات أو وضعها في الأماكن التي يراد تفجيرها، او بيع المعلومات عن الأفراد او الأماكن (العلاّسه) الى المنظمات الإرهابيه والى الإرهابيين، تقوم بالعمل مقابل مبلغ زهيد من المال (في إحدى الحالات تم كشف امرأة عادية أرادت وضع كيس فيه متفجـّرات في الصحن الكاظمي وعند التحقيق اعترفت بأنها قامت بالعمل مقابل ثلاثمائة دولار فقط)...والآلاف من الشباب الفقير المضلّل الذين يلقى عليهم القبض بسبب مشاركتهم في العمليات الإرهابية او الجرائم الجنائية ونراهم في وسائل الإعلام، هم من هؤلاء...

2ـ مئات الآلاف من المواطنين الذين يشاركون بصدق وإخلاص في الشعائر الدينية، ويعانون  بدنيا وماديا من أجل تلك المشاركة ويصرّون على الاستمرار، وهو موقف صحيح ..ولكن بعض هؤلاء غير مستعدّين لتحمّل نفس المعاناة في التزام سلوكيات دينية او تطبيق قوانين ذات صلة بالمصلحة العامة للمجتمع او الدولة، كتسهيل معاملات المراجعين او عدم أخذ الرشاوى (أن كانوا موظـّفين) أو صيانة المال العام أو إطاعة المرجعيات الدينية في توجيهاتها الأخلاقية، أو المحافظة على البيئة أو عدم هدر الطاقة والمياه ...الخ.

3ـ سياسيون عراقيون معروفون يتحدثون دائما عن ضرورة الالتزام بالدستور وبالقوانين والضوابط التي تحقق المصلحه العامة للشعب والوطن، ويتحدثون عن ضرورة إنصاف الفقراء والمحرومين، وعن أهمية اعتماد الكفاءة والأمانة والإخلاص للنظام الجديد عند اسناد المسؤوليات للأفراد، وعن قيم مثالية أخرى ... الاّ أنهم وللأسف الشديد يقولون ما لا يفعلون، يخالفون القوانين اذا تعارضت مع مصالحهم و يحرصون على الأموال والعقارات والحياة المترفة، وعلى المناصب ذات الوجاهة الاجتماعية، ويقرّبون الانتهازيين ممّن يجيد التملّق والمدح بدلا من الأمناء الكفوئين الصادقين ..!! نحن لا نفهم كيف يكون سياسي عراقي صادقا مع نفسه عندما يصـرّح بتعاطفه مع الفقراء والمحرومين وتحت تصرّفه أكثر من قصر من قصور الدولة ..!! أن عيش الكثير من المتصدّين لحالة (يقولون ما لا يفعلون)، تؤدي الى عدم ثقة قواعدهم الشعبية بهم، والتي لها نتائج وخيمة...

4ـ سياسيون عراقيون دخلوا العملية السياسية في ظل النظام السياسي الجديد وأصبحوا أعضاء في مجلس النواب اوفي مجالس المحافظات وبعضهم وزراء أو وكلاء وزير او مدراء عامين و أقسموا على الالتزام بالدستور وخدمة الشعب كل الشعب، ولكنهم أحيانا في قرارة أنفسهم يفرحون عند حصول بعض العمليات الإرهابية وربما يتعاطفون مع الإرهابيين لأن ضحايـــــا العمليات من مكوّن آخر أي من غير طائفتهم او قوميتهم او من غير حزبهم...!! أي بمعنى آخـر انه وبالرغم من المباديء والشعارات التي يحملها في العلن، إلاّ إن الذي يحكم مواقفه الحقيقيــة هو التعصّب الطائفي او العنصري او الحزبي.

5ـ سياسيون قضوا عمرا طويلا في النضال ضد الدكتاتورية والظلم وانتقاد استغلال بعض الحكام للسلطة وبعضهم أفنى زهرة شبابه في هذا الطريق، ولكن البعض منهم وبمجرد وصوله الى السلطة وانفتاح الدنيا عليه واقتراب ملذّاتها منه,بدأت شخصيته بالتغير السلبي وبدأت خطوط دفاعه العقائديه والأخلاقية بالتراخي والانهيار..الى أن سقط في واحدة أو أكثر من أمتحاناتها ( المال والجاه والنساء)...

6ـ بالرغم من إدراك أغلب العراقيين لحقيقة هامة وهي: أن انقاذ الوطن وبنائه والمحافظة عليه و تحقيق الاستقلال والسيادة والحرية والازدهار، كل ذلك لا يمكن تحقيقه وانجازه دون تظافر الجهود وانسجام الطاقات ونكران الذات وتغليب المصالح العليا والعامة للوطن وللشعب علــى  المصلحة الخاصة وعلى الرغبات الشخصية، وتحمـّل الجميع للمسؤولية كلُ بمقدار طاقته والتسابق والتنافس في عمل الخير والتضحية ومساعدة المحرومين والضعفاء...بالرغم من وعي هذه الحقيقة، الاّ إن الظاهرة الشائعة هذه الأيام في الكثير من أوساط المجتمع العراقي، هي سعي الكثير من العراقيين لترتيب أوضاعهم الخاصة فقط، وأحيانا على حساب أوضاع الآخرين (اي ظاهرة الأنانية)، وسعي الكثير لأن يكونوا آخر من يضحّي من أجل المصلحه العامة..أو الجلوس وانتظار العمل والتضحية من الآخرين (ظاهرة الإتكالية)، وهما الصفتان السلبيتان في المجتمع اللتان وظـّفهما النظام البعثي البائد بأبشع صوره، وهما اللتين مكّنتا ذلك النظام المكروه والمرفوض شعبيا من تحييد طاقات هائلة في المجتمع، و البقاء لثلاثة عقود ونصف في الحكم..

7ـ بالرغم من أن القيم الدينية (الراسخة في ضمير العراقيين)، والمتراكم من التراث الإنساني والقواعد السليمة للتعامل بين البشر، تعلّم الإنسان أن يكون دقيقا ومسؤولا ومتفحّصا عند استلام المعلومات وتكوين الرؤى والمواقف ودراسة المصدر وتقييمه ومعرفة مدى صدقه ودرجة وثاقته...بالرغم من كل ذلك نجد هذه الأيام ظاهرة انتشار الإشاعات والأخبار المفبركة الكاذبة وقبول الرؤى والمواقف من المصادر المجهولة، بل وأحيانا قبولها من المصادر المعروفة بكذبها وسوء نواياها وتاريخها الأسود، حتى صارت أساليب الحرب النفسية التي تقوم في الغالب على الكذب وفبركة القصص والتقارير..والتي هي من الأساليب الرائجة والمعتمدة من الأعداء في محاربتهم للوطنيين والمخلصين ..صارت منهجا في الصراع بين الوطنيين أنفسهم.

8ـ بالرغم من أن العراق يعتبر مركزا للفكر الإسلامي والعربي وللتراث الحضاري الإنساني العريق، وكان مقرا لحضارات كبرى ولدول خلافة كبرى ولا تزال إحدى مدنه (النجف الأشرف) مقرّا لواحدة من أعرق الجامعات الإسلامية والعربية وهي الحوزة العلمية التي يزيد عمرها على الألف عام، وأشتهر العراقيون وقبل عقود من الزمن بحبّهم الشديد للقراءة واقتناء الكتب وحيازة المكتبات الشخصية في البيوت (من الظواهر المعروفة في عهد النظام البعثي البائد، هو أن الكثير من العراقيين المهتمين باقتناء وقراءة الكتب، كانوا يقتنون صورة مستنسخة من الكتب الممنوعة من النشر والبيع في العراق..وذلك بالاتفاق مع بعض أصحاب المكتبات الذين يثقون بهم)، نقول بالرغم من كل ذلك فإن الواقع الثقافي للعراقيين عامة والشباب منهم بشكل خاص، في هذه الأيام لا يبشـر بخير ولا يتناسب وتاريخ المجتمع العراقي ولامع المستقبل المنشود لهذا البلد العريق... سواء من حيث نوعية الكتب المنتشرة في الأسواق أو من حيث سعة ظاهرة القراءة، وكذلك مستوى الصحافه والبرامج الثقافية في الاذاعات والفضائيات المحلية وحركة الترجمة والتبادل الثقافي مع الشعوب الأخرى، ويمكن دراسة المستوى الثقافي وعمق الفكر لدى العشرات من السياسيين والإعلاميين والكتـّاب وطلبة الجامعات. فضلا عن باقي شرائح المجتمع العراقي، وبما فيهم بعض من يسـمّون أنفسهم بالمثقفين.. للتأكّــد من ذلك!! الظواهر التي أشرنا اليها في السطور السابقة، وعشرات أخرى غيرها هي من واقع المجتمع العراقي، وهي تشير الى وجود نقاط خلل كثيرة وخطيرة في بنيته في الجوانب الاجتماعية والثقافية، وبمقدار تعلّـق الأمر بموضوع دراستنا هذه، يمكن اثبات العلاقة المباشرة وغير المباشرة للكثير من العوامل الاجتماعية والثقافية بتنامي ظاهرة الإرهاب وازدياد أعداد المضلّلين الذين يتم توظيفهم في الفعاليات الإرهابية حتى دون وعيهم لأهدافها البعيدة... ويمكن معرفة كيف تؤثــّر ظواهر اجتماعية سلبية (مثل تفكك الأسر وازدياد عدد اليتامى والأرامل وتسرّب الأولاد من المدارس وتزايد عدد العراقيين تحت مستوى الفقر وأتـساع الفاصلة بين الأغنياء والفقراء والانفتاح الواسع غير المحكوم بضوابط على وسائل اتصال و إعلام إباحية أو متناقضة بالصميم مع القيم الشرقية واتّساع ظاهرة تعاطي المشروبات الكحولية والمخدرات وتنامي ظاهرة المناطق العشوائية في المدن، والتي تفتقد الكثير من القيم والتقاليد المحافظة التي كانت تتميّز بها محلاّت المدن العراقية العريقة.... وغيرها من الظواهر) على تنامي أوساط مجتمعية قابلة للاستقطاب والتوظيف من قبل البؤر الارهابية وعصابات الجريمة المنظـّمة. كما يمكن ملاحظة كيف أن أفكار وأطروحات (تتستـّـربعضها بالدين) منحرفة وسطحية ومتهافتة وتفتقد الأدلة الشرعية الصحيحة أو الأدلّة العقلية تؤثـّر على أعداد غير قليلة من الأفراد والمجموعات، وتتحوّل بموجبها الى أدوات رخيصة بيد أعداء الدين وأعداء الأمة وأعداء النظام السياسي الجديد.. وهو ما يؤشـّر الى عيش تلك الأوساط لدرجات متدنـّية من النضج الثقافي والوعي الفكري والعقائدي والسياسي. يجب أن لا ننسى ما قام به النظام البعثي البائد ولأكثر من ثلاثة عقود، من خطط وسياسات وبرامج تستهدف مسخ الشخصية العراقية وتدمير القيم النبيلة والخيّرة التي كان يتميّز بها العراقيون و ما قام به في التسعينات من القرن الماضي بالذات,لتجويع الشعب كل الشعب (باستثناء نخبته الحزبية والأمنية) وإذلاله  لدفعه (كما كان يتوهّم) لعيش حالة العبودية للحاكم، واستفاد من خبرات بعض الدول الشيوعية والشمولية والفاشية في هذا المجال، مثل ألمانيا الشرقية (سابقا) ورومانيا في عهد تشاوتشيسكو...

إن جهودا ضخمة ومنهجية ومدعومة بإمكانات كبيرة، يجب أن تنهض بها الجهات ذات العلاقة في الحكومة العراقية وكذلك المرجعيات الدينية  ذات الكلمة المسموعة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ذات المصداقية والكتّاب والأدباء والفنانين وأساتذة الجامعات وغيرهم، لإعادة بناء الشخصية العراقية وإعادة فاعلية القيم العراقية الأصيلة المعروفة في المجتمع، فضلا عن تحقيق العدالة الآجتماعية، وهو الشرط الأساس لإنجاح فعاليات التربية والتعليم وبناء  القيم وبالتالي بناء الأنسان... ويجب أن تكون رياض الأطفال والمدارس الابتدائية، أولى الساحات لتلك الجهود.. بالطبع بعد إعداد التربويين المناسبين والمؤهّلين وبعد إعادة الاعتبار لدور المعلم و توفير مقومات العيش الكريم له ولكل المساهمين في العملية التربوية، وبعد أعادة بناء مرافق التعليم والتربية وبما يتناسب مع أهميتها ودورها في إعادة بناء المواطن العراقي و في إعادة بناء المجتمع العراقي..كما يمكن أن تلعب وسائل الأعلام المختلفة دورا في غاية الأهمية في هذا المجال، ولابد من أن تبادر الأجهزة ذات العلاقة في الحكومة العراقية الى تنفيذ خطة تنمية ثقافية شاملة (وفق المعاني الكاملة والمعاصرة لمصطلح الثقافة بالرغم من وجود عدة تعريفات لها)، ولابد من تخصيص الإمكانات اللازمة لذلك، ويجب أن نؤمن فعلا بأن تأثير نجاح خطة التنمية الثقافية الشاملة المطلوبة، لا يقل أهمية عن تأثير بناء القوات الأمنية عددا وعـدّة.. وربما يكون من المفيد التذكير بأن في الإسلام (وخاصة الإسلام من منبع أئمة أهل البيت عليهم السلام) كنوزا ثقافية لا تنضب، يمكن الاستفادة منها في خطة التنمية الثقافية المطلوبة التي أشرنا اليها...

 

البيئة الأقتصـادية المناسبة:

من الممكـن ومن خلال دراسة عدد من الظواهر السائدة، التوصّل الى أن البيئة الاقتصادية السائدة في العراق غير سليمة وغير مناسبة، وهو ما يعني وبقدر تعلّق الأمر بموضوع دراستنا هذه، بأنّها يمكن أن تكون عاملا سلبيا آخر يعرقل خطط الحكومة لوضع الحلول الصحيحة لتحديات الملفّ الأمني، ولنستعرض بعض تلك الظواهر:

1ـ عدم وضوح النظرية الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة العراقية، في وضع سياساتها و خططها وبرامجها الاقتصادية في هذه المرحلة وللسنوات القادمة (الدور المركزي للدولة أم اقتصاد السوق والدور المركزي للقطاع الخاص؟ أم المزج والتكامل بين الدورين كما هو قائم في العديد من الدول الأوربيه؟ ومدى امتلاك الدولة العراقية والسوق العراقية والقطاع الخاص العراقي لشروط كل واحدة من تلك النظريات الأقتصادية ...؟). في قناعتنا الشخصية الحكومة العراقية/بمؤسّساتها التشريعية والتنفيذية/ليست لديها أية نظرية أقتصادية تعتمدها، ومواقفها الاقتصادية هي محصلة القناعات المختلفة لرجال الدولة ورجال الأعمال المتداخلين مع بعضهم، وكذلك ردود فعل تجاه بعض مشكلات أو تحديات الواقع القائم إضافة لضغوط وطلبات منظمات دولية كالبنك الدولي او بعض الدول المؤثـّرة في القرار العراقي.. وأيضا ضغوط المصالح الفئوية وحتى الشخصية..

2ـ بقاء إيرادات بيع النفط مصدرا وحيدا لميزانية الدولة، بالرغم من وجود إمكانات حقيقية لتطوير بعض المصادر الأخرى للدخل (من قبيل القطاع الزراعي وقطاع السياحة الدينية وغير الدينية وقطاع الترانسيت / لموقع العر اق الحيوي والإستراتيجي / والمعادن والمواد الأخرى المتوفرة في العراق و المطلوبة لعدد من الصناعات في العالم، وكذلك تطوير إنتاج الغاز التي يمتلك العراق احتياطيات غير قليلة منها..). وبقاء النفط مصدرا وحيدا للميزانية العراقية ,يؤدي الى مخاطر وتبعات سلبية عديدة، وما يهمنا منها هو عزل قطاعات شعبية واسعة عن المشاركة الحقيقية في الحركة الأقتصادية وفي دورة الانتاج..وهذا بدوره يؤدي الى تخلخل الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع العراقي...

3ـ تنامي ظاهرة تحوّل الدولة الى ما يشبه وضع جمعيات الإغاثة الخيرية التي تقوم بمساعدة الفقراء والمحتاجين، والتضخـّم المفرط لأعداد موظفي الدولة الذين تعشش في أوساطهم البطالة المقنـّعة (تحوّلت ورقة التوظيف في الدولة لدى بعض القوى السياسية الى أداة للنفوذ وللدعاية الانتخابية) وهو ما يرتـّب اعباءً هائلة على الدولة إضافة الى حرمان الدولة من قدرات وإمكانات هائلة يملكها القطاع الخاص (ليس فقط رجال الأعمال الكبار بل وحتى أصحاب المشاريع والشركات الصغيرة)، والذي اذا أعطيت له الحرية الكافية، ووفق الضوابط التي تضمن مصالح المستهلكين وعموم المواطنين سوف يساعد الحكومة في حل الكثير من أزماتها الخانقة مثل أزمة السكن والطاقة والغلاء والخدمات الاجتماعية للعوائل التي فقدت معيلها وأزمة توزيع مواد البطاقة التموينية وضمان جودتها ...وغيرها من الأزمات..

القطاع الزراعي (مثلا) وحده قادر على امتصاص نسبة كبيرة من البطالة والبطالة المقنـّعة الموجودة في المجتمع العراقي, فضلا عن تحقيق الأمن الغذائي للعراق وتوفير مليارات الدولارات لميزانية الدولة، وكما هو معروف فإن الفلاحين والمزارعين والمنتجين الزراعيين (أي القطاع الخاص) هم الذين يديرون هذا القطاع وتقوم الدولة (أي المفروض) بتوفير الدعم والتسهيلات وتأجيرالأرض..

4ـ فتح حدود العراق وبدون أية قدرة على تطبيق أية ضوابط، أمام حركة الاستيراد ممّا أدىّ الى شبه تدمير كامل للصناعات المحلية وحتى للإنتاج الزراعي النباتي والحيواني(على الأقــل لبعض موادها) وهذا ما يعني تضّرر قطاع يضمّ مئات الآلاف من العراقيين المنتجين فضلا عن ضياع خبرات وقدرات وطنية تم تكوينها وبلورتها خلال عشرات السنين (صناعات محلية ناجحة لرجال أعمال عراقيين أفنوا أعمارهم لبنائها وبناء سمعة وأسواق جيدة لها وكذلك صناعات حكومية سابقة نجحت لعقود في سدّ الحاجة المحلية للأسواق العراقية، هي الآن متوقفة وتشرّد الآلاف من العاملين فيها مثل صناعات الصابون والمواد الغذائية والمنسوجات والكثير من الأجهزة الكهربائية..أضافة الى صناعات تراثية توارثها العراقيون عن آبائهم وأجدادهم وتعتمد على مواد محلية مائة بالمائة وتغطّي حاجات حقيقية للمواطنين وكانت تساهم في تحسين دخل عشرات الآلاف من العوائل الفقيرة او محدودة الدخل...) وكذلك وضع الأمن الغذائي للوطن تحت رحمة تقلّبات الأسواق والسياسات العالمية والتي شهدت في السنوات الأخيرة قفزات وتصاعدا كبيرا في الأسعار..

5ـ عدم استيعاب شرائح واسعة من المواطنين ضمن مفردات الدورة الاقتصادية في البلد، أي عدم استفادة الطبقة المتوسطة من الانفتاح والنشاط الاقتصادي المتنامي بعد 2003م  وانحصار المكاسب بنخبة ضيّقة من وكلاء الشركات الاجنبية ومن التجار ومن الطفيليين الذين ازدادت ثرواتهم بسرعة كبيرة في السنوات الأخيرة، من خلال شبكة من العلاقات التي نسجوها مع بعض المسؤولين الجدد (أو مع حاشيتهم) في الدولة....(مع ملاحظة أن الكثير من مراكز القوى الاقتصادية التي نشأت بدعم النظام البعثي البائد وكانت إحدى ركائزه المهمة في الواقع العراقي آنذاك، لا تزال تمثـّل ثقلا في الواقع الاقتصادي في ظل النظام السياسي الجديد/مدعومة من دوائر سياسية وأمنية واقتصادية خليجية معادية للنظام الجديد، وبعض التقارير الموثـّقه تشير الى دور خطير لبعض مراكز القوى تلك في دعم فلول النظام البعثي البائد وبعض المنظمات الإرهابية).

6ـ فشل منظومة الضمان الاجتماعي الحكومية، والتي أصبحت مرتعا للاختلاسات وسوء الاستفادة والممارسات البيروقراطية مع ضآلة المبلغ قياسا بموجات غلاء الأسعار المتلاحقة، وعدم الاستفادة من التجارب العالميه المعاصرة الناجحة (كما في اوربا مثلا) لبناء مؤسّسه تنهض بشكل سليم وكفوء بمهمة الضمان الاجتماعي للفقراء وللعاطلين عن العمل وللعوائل التي فقدت معيلها، وبصورة تحفظ ماء وجههم وكرامتهم الآدمية، ممّا أدى الى بقاء مئات الآلاف من عوائل الأرامل واليتامى والفقراء المتعفّفين والعاطلين عن العمل، وحتى بعض ذوي الدخل المحدود، بقائهم دون دعم حقيقي ومناسب من الدولة، ممّا يؤدي الى مضاعفات اجتماعية سلبية وخطيرة... 

نعتذر لقرّائنا الكرام عن دخولنا في تفاصيل مواضيع قد تبدو ان لا دخل لها بالملف الأمني أو بالأجهزة الأمنية، ولكن الواقع وعدم تأثير الكثير من الاجراءات الأمنية المباشرة التي تتـّخذها الحكومة لمواجهة الخرق الأمني ...وعدم نجاح الحكومة ومن ورائها القوات والأجهزة الأمريكية (سابقاً)، في إيقاف حملات القتل للعراقيين ونزيف الدم المستمر في مدن العراق المختلفة.. يدفعنا للتأكيد على موقفنا من ضرورة وجود سياسة وخطة شاملة وعميقة لمواجهة الإرهاب والإرهابيين.. وكذلك لمواجهة غياب الأمن والأمان في الكثير من مناطق الوطن، ولا يمكن رسم تلك السياسة ووضع تلك الخطة دون التعرف على جذور الأجواء ذات الصلة بنمــو أو ضمور المشكلات الأمنية، وهو ما حاولنا بيانه في دراستنا (في الصفحات السابقة) للبيئات المناسبة (السياسية والقضائية والأجتماعية والثقافية والأقتصادية..) .

 

يتبع

 

بقلم: أكـرم الحكيـــــم ـ وزير سابق

 

.....................

للاطلاع

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=4323&lang=ar&view=articles

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2547 المصادف: 2013-08-26 11:15:38