المثقف - قضايا وأراء

نحو إستراتيجية ناجحة لتحقيق الأمنفي العـراق وضمان الأمان للعراقيين (6-7)

akram alhakimحول الإستراتيجية الأمنية:بعد كل عملية إرهابية تضرب أبناء ومدن العراق، تتعالـى أصوات كثيرة لمواطنين وحتى لمسؤولين في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية و بعضهم الآخر قادة لقوى سياسية، تطالب بمحاسبة المقصّرين أو تطوير القدرات الاستخبارية أو بحسم ملف الوزارات الأمنيـة، والبعض يستغل الفرصة ليمرر مواضيع حسّاسة مختلف عليها من قبيل المطالبة بإعادة الاعتبار للأجهزة الأمنية السابقة أو إعادة ضباط كبار من النظام البعثي البائد الى مفاصل الأجهزة الأمنية، وطالب في احدى المـرّات جنرال أمريكي كان مسؤولا عن ملف المصالحة الوطنية في السفارة الأمريكية في بغداد قبل سنوات (الجنرال مليت) بمطلب غريب وأعتبره حلاّ ناجحا للخلل الأمني وهو: وضــع قادة المجموعات المسلّحة المضادة للنظام في قيادات الأجهزة الأمنية الحكومية!؟...ربما تكون بعض تلك المطالب صحيحة ومشروعة مثل حسم أسماء مرشحي الوزارات الأمنية وتطوير القدرات الإستخبارية والتسليحية، ولكن ما هو أهم من ذلك هو مراجعة وتصحيح الإستراتيجية الأمنية للنظام السياسي الجديد.

نحن نعتقد بأن تلك الإستراتيجية تم وضعها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل سقوط صنم رأس النظام في بغداد في نيسان 2003 م، وحصلت فيها بعض التغييرات غير الأساسية في السنوات اللاحقة بسبب ضغوط القوى الوطنية العراقية وأيضا بسبب تغير الظروف وبروز مشكلات وتحديات غير متوقـّعة وبروز قوى سياسية فتيّـة ذات قاعدة شعبية واسعة وغير منسجمة مع الخطوط العامة للمشروع الأمريكي المعدّ للعراق، وربما متحالفة مع قوى إقليمية قوية ومضادة للمشروع الأمريكي. إضافة الى متغيرات في السياسات الخارجية للإدارة الأمريكية بسبب وعود انتخابية تبنـّاها مرشح الحزب الديمقراطي الذي وصل الى البيت الأبيض، وبدء مساع أمريكية لإشراك قدرات عسكرية وأمنية لحكومات عربية متحالفة معها(مثل الأردن ومصر في زمن مبارك وربما دولة خليجية ذات نفوذ كبير وهي الخطة التي أجهضتها ثورات الربيع العربي...)، إشراكها في المعادلات الأمنية والسياسية للعراق وبالشكل الذي تصبح فيه كابحة لتطلّعات القوى الوطنية العراقية في الاستقلال التام والسيادة الكاملة.. وأيضا لتكون عامل توازن مع قوى الطرف الإقليمي المعارض للهيمنة الأمريكية على العراق وأيضا تحوّل العراق الى ساحة رخوة يتم استغلالها لتصفية حسابات وصراعات إقليمية ـ إقليمية وصراعات دولية ـ إقليمية وحتى دولية ـ دولية.

وقبل الإشارة الى الخطوط العامة للإستراتيجية الأمنية التي رسمتها الإدارة الأمريكية للعراق لفترة ما بعد النظام البعثي البائد، من المفيد التذكير بالخطوط العامة للإستراتيجية السياسية الأمنية للنظام البعثي البائد، وهي وبإيجــاز:    أ ــ الدعم الخارجي (الدولي) هو الأساس لضمان البقاء، ابتداءً من القفز على السلطة نتيجة صفقة بريطانية امريكية لإيصال الكتلة البعثية التي كانت تسمّى بالبعث اليميني أو جماعة عفلق، ومرورا بالخضوع للضغوط الأقليمية والدولية (كما في اتفاقية الجزائر 1975 مع شاه إيران وعلى حساب المصلحة الوطنية وفي مقابل ضرب حركة التحرر الكردية)، أو القيام بتقديم خدمات لمراكز قرار دولية مهمة والقيام بتنفيذ خطط وسياسات بالنيابة (كما حصل في سعي النظام البعثي في أوائل السبعينات من القرن الماضي لتعويض الدور البريطاني في الخليج العربي بعد القرار البريطاني بالانسحاب من هناك أو حرب النيابة التي شنّها النظام البعثي على إيــران عام 1980 م بقرار غربي، أو تهيئة الأرضية لإسرائيل لاحتلال لبنان عام 1982 م من خلال عملية فبركتها المخابرات العراقية لاغتيال السفير الإسرائيلي في لندن قبل أيام من الغزو بواسطة جماعة أبو نضال المنشقة..)، ووصولا لفترة التسعينات أي بعد غزو دولة الكويت حيث قام النظام باعتماد الرشاوى الكبيرة كوسيلة لكسب تأييد مراكز قوى دولية (قدّم النظام البعثي رشاوى مالية لأعضاء في المكتب السياسي للحزب في الإتحاد السوفيتي ولمسؤولين كبار في القيادة الفرنسية وعرض حقول نفطية هامة وبشروط سخية على شركات معروفة للتأثير في سياسات حكومات معينة). بمعنى أن النظام البعثي كان يفضل دوما تقديم الخدمات والتنازلات وتلبية الطلبات للقوى الخارجية وخاصة الكبرى منها كوسيلة لضمان البقاء في السلطة، بدلا من تلبية المطالب الشعبية ومطالب القوى الوطنية المعارضة.

ب ــ الاستخدام المبالغ فيه للقمع والقتل وكل أساليب انتهاك حقوق المواطن العراقي وحقوق الجماعات السياسية المعارضة، للتخلّص من المخاطر التي ربما تهدد السلطة يوما ما، وعدم الحوار والاتفاق مع القوى المعارضة والقيادات الاجتماعية والدينية، إلاّ لأغراض تكتيكية ومؤقتة، لا تتيح الفرصة مطلقا لنمو مؤسسات دستورية وآليات ديمقراطية تتيح للشعب ممارسة دوره ونيل حريته وكسب حقوقه السياسية، وأدّى ذلك الى بناء عشرات الأجهزة القمعية المرعبة والعديد من التشكيلات المسلّحة الرسمية وشبه الرسمية، والمئات من القوانين المجحفة التي تتحكّم بكل صغيرة وكبيرة،... شخصية، او غير شخصية من حياة المواطن العراقي.

ج ــ السعي لتدمير القيم والمنظومات الفكرية والأخلاقية والعقائدية والتراثية للمجتمع العراقي (وبضمنها أنماط العمران للمحلات ومناطق المدن العريقة) لقطع الارتباط بالتاريخ الحضاري، ومحاولة إعادة تشكيل المجتمع العراقي لتحويله الى مجتمع فاقد لأية هوية حضارية ومجتمع خانع وذليل ومُسـتعبد ومهيأ لخدمة سياسات وخطط يحددها النظام البعثي الحاكم لأهداف محلية أو خارجية والتركيز على الحرب النفسية ونشر الرعب والفقر وفرض الحصار الكامل على المواطن لتحقيق ذلك. وأكثر من ذلك سعى النظام البعثي الساقط لتغيير التركيبة السكانية للشعب العراقي باستقدام الملايين من مواطني دول أخرى، وكذلك السعي لتغيير البيئة الجغرافية والطبيعية لمجموعات سكانية كاملة، خدمة لنفس الهدف (كما في مثال تجفيف أهوار الناصرية).

د ــ كما أعتمد النظام البعثي البائد سياسات القصاص الجماعي والمحاسبة على النوايا، وتفتيت الحركات من الداخل وإثارة الصراعات العنصرية والطائفية والمناطقية في المجتمع، ووضع المواطن أمام خيارين لا ثالث لهما: أما الانتماء الى حزب السلطة وخدمة سياساته وخططه وحتى الاشتراك في تنفيذ جرائمه، أو اعتباره عدوا للنظام يستحق أقصى درجات العقاب بما فيها الاعدام فيما لو أنتمى الى حزب أو مارس نشاط لا يرتضيه النظام البعثي.

هذه بعض أبعاد الاستراتيجية الأمنية التي حكم النظام البعثي بها العراق لفترة ثلاثة عقود ونصف: الاعتماد على دعم الخارج، القمع وإرهاب الدولة، وتدمير قيم المجتمع.

 نعود فنقول: بدأت ملامح الإستراتيجية الأمنية ـ السياسية الأمريكية المعدّة للعراق بالظهور مبكرا عندما تصدّى المبعوث الرسمي الأمريكي الى اجتماع هيئة التنسيق والمتابعة (انعقد الاجتماع في الشهر الأول أو الثاني من عام 2003م) لقوى المعارضة الوطنية العراقية (هيئة مكوّنة من 64 عضوا تم انتخابها في مؤتمر لقوى المعارضة أواخر عام 2002م وكاتب هذه الدراسة أحد أعضائها) في صلاح الدين في أربيل (كردستان العراق)، عندما تصدّى وبقوة الى مشروع قوى المعارضة العراقية لتشكيل حكومة وطنية مؤقتة لمنع حصول فراغ أمني وسياسي وإداري عند سقوط النظام البعثي، وتوضـّحت فيما بعد الملامح التالية للإستراتيجية الأمريكية:

 1ـ منع القوى الوطنية العراقية من تشكيل أي مجلس مؤقت لأدارة الأوضاع ,مثل المجلس الانتقالي في ليبيا الذي قاد المواجهة مع عصابات القذّافي ( دفع فيما بعد ممثـّل الأمين العام للأمم المتحدة حياته ثمنا لتأييده ودعمه لمقترح القوى الوطنية بتشكيل أطار قيادي عراقي مؤقـّت والذي تبلور لاحقا باسم مجلس الحكم، والذي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها أن تجعل محصّلة قراراته لصالحها من خلال ادخال شخصيات غير معروفة وليس لها أي تاريخ في معارضة النظام البعثي البائد.. لموازنة الحضور القوي لممثـّلي القوى الوطنية العراقية).

2ـ تعيين حكام عسكريين أمريكان لمناطق العراق، مع مستشارين عراقيين تم أختيارهم وأعدادهم مسبقا في واشــنطن، علما بأن الكثير من أولئك المستشارين هم من الشخصيات الوطنية المخلصة المعروفة بتاريخها النظيف، ولكنهم أخطأوا في اختيار الأسلوب لخدمة الوطن.   3ـ حل المؤسّسة العسكرية العراقية وحل تشكيلات حزب السلطة(حزب البعث)، والسعي لاستيعاب العناصر المستعدة للتعاون (من المؤسّسة والحزب) في تشكيلات عسكرية وأمنية خاصة وبإدارة أمريكية، وتم توظيف العصبيات الطائفية فضلا عن العامل المادي لدفعهم للتعاون،

4ـ اعتماد القوات والأجهزة الأمنية الأمريكية الموجودة في العراق وفي القواعد القريبة من العراق كقوات ردع وحفظ للنظام الجديد.

5 ـ الدفع باتجاه تأجيل الانتخابات العامة (كآلية لانتخاب أعضاء مجلس النواب والذين بدورهم يقومون بانتخاب الحكومة العراقية، وأيضا كآلية لانتخاب لجنة إعداد الدستور الدائم للعراق)، تأجيلها لفترة لا تقل عن سبعة الى عشرة سنوات وبمبررات متعددة ولكنها متهافتة ومريبة، (و هي نفس السياسة التي سعت الولايات المتحدة لاعتمادها في تونس ومصر وربما في ليبيا لاحقاً، وذلك لإتاحة الفرصة الكافية لبقايا أنظمة الحكم المنهارة التابعة لأمريكا، للملمة صفوفها وبناء أطر وواجهات جديدة للعودة الى السلطة من الشباك بعد أن تم طردهم من الباب.. وكذلك لحرمان القوى الوطنية ذات القاعدة الشعبية الواسعة من جني ثمار التغيير إضافة الى السعي لتأجيج الصراعات الجانبيه فيما بينهم...) والبديل عن الانتخابات كانت الإدارة الأمريكية تطرح فكرة عقد مؤتمرات محلية ويتم تعيين أعضائها بدلا من انتخابهم من قبل الشعب.. ومن خلال تلك المؤتمرات يتم ايجاد هيئات عليا (وبالشكل الذي يضمن عدم هيمنة القوى الوطنية العراقية على القرار...)

6ـ بناء جهاز أمني كبير وفعّال بعناصر عراقية من بقايا الأجهزة السابقة (ومن عناصر لا تحمل أية قيم وطنية أو إنسانية، ومستعدة لارتكاب أبشع الجرائم من أجل المال والملذات)، وبواجهة محلية ولكن بإرادة أجنبية، وبعيدا عن تدخـّل الحكومة العراقية (راجع ما نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانيه عام 2004 حول دور نائب الرئيس آنذاك ديك تشيني في هذا المشروع، و كيف تم اخفاء ميزانيته في ثنايا ميزانية القوة الجوية الأمريكية لكي لا يعرف الكونغرس شيئا عنه). وبالمقابل عرقلة أية خطوات عراقية وطنية جادّة لبناء مؤسّسـة عسكرية وطنية جديدة تستفيد من العناصر الوطنية في المؤسّسة العسكرية السابقة (وخصوصا العناصر التي انشقـّت عنه بعد الانتفاضة الشعبية في آذار 1991) أو بناء جهاز أمني وطني جديد...والتشدّد في منع استيعاب الكوادر والعناصر العسكرية المرتبطة بفصائل الحركة الوطنية العراقية والتي كان لها دورا أساسيا في مقاتلة النظام البعثي البائد، منع استيعابها في الأجهزة الأمنية الجديدة.  

فقط الأخوة الكرد كان لهم موقف سياسي سليم و ثابت وواضح ومُعلن يتمثـّل باعتبار قوات البيشمركه جزءاً من القوات العراقية الاتحادية وحرسا لحدود إقليم كردستان وحماة لمنجزاته، وهو موقف يدل على وعي عميق وبُعد نظر، وهو الذي يفسّر استقرار الحالة الأمنية وانخفاض العمليات الإرهابية بدرجات كبيرة (في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك) مقارنة بالحال في وسط وغرب وجنوب العراق. وكان يمكن ووفق نفس المنهج اعتبار قوات بدر ومجاهدي المكتب العسكري لحزب الدعوة الاسلامية ومجاهدي الأهوار الأبطال ومجاهدي التيار الصدري، إضافة الى مقاتلي القوى الوطنية العراقية الأخرى، المتواجدين في كردستان العراق قبل سقوط صدام (وهم من غير الأخوة الكرد البيشمركه)، كان يمكن اعتبارهم جزءا من نواة الجيش الاتحادي الجديد، خاصة وأن بين صفوف هذه المجموعات عدد كبير من مراتب الجيش العراقي المعارضين لصدام وللنظام البعثي السابق، وكان لهم شرف الانشقاق المبكـّر عنه والالتحاق بالحركة الوطنية المعارضة، وكان يمكن أن تكون حماية مقرات قيادات الدولة (رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب ومقرات الوزارات الهامة)، و حماية المدن المقدّسة وحماية زائريها وهم بالملايين سنويا، وحماية حقول النفط ،خاصة الحقول العملاقة في الجنوب وكركوك والمطارات والمصافي ومحطات توليد الطاقة وحماية الأراضي العراقية التي يتمدد عليها الجيران من أغلب الاتجاهات، وحماية حدود العراق من تسـلّل الإرهابيين القادمين خصوصا من احدى الدول الخليجية ذات النهج التكفيري، أن تكون في مقدّمة مهامها..لأن أولئك المجاهدين يمتازون بخصال لا تتوفر في غيرهم: أوّلها عدائهم الراسخ للنظام البعثي البائد الذي قاتلوه لعقود طويلة (والعديد من أخوانهم ورفاق دربهم سقطوا شهداء على يد ذلك النظام)، ولا مجال لإختراقهم، وثانيها اخلاصهم الشديد لمبادئهم ووطنهم وللنظام السياسي الجديد ولا يقاتلون من أجل الراتب أو الامتيازات المادية الأخرى، وثالثها امتلاكهم لخبرات قتالية وأمنية جيدة تراكمت خلال فترة مقاومة النظام القمعي الدكتاتوري (فهم في كل الأحوال أفضل من المتطوّعين الجدد (مع احترامنا الكامل لهم والتقدير العالي لتضحياتهم في فترة كان التطوّع يعني الاستعداد للاستشهاد..)، الفاقدين للخبرة والتجربة وفاقدين أيضا لتلك الدرجة العالية من الشعور بالمسؤولية تجاه النظام السياسي الجديد، والتي يحملها أولئك المحاربون القدماء الذين أفنوا زهرة شبابهم وقدّموا أثمن ما لديهم على طريق محاربة النظام البعثي وإقامة النظام البديل الذي يعتبرون الدفاع عنه وحمايته هو ثمرة نضالهم الطويل..)، وأفضل من عناصر النظام السابق الذين يمتلك بعضهم الخبرة ولكن مشكوك في اخلاصهم للنظام السياسي الجديد وربما هم بحاجة الى فترة تأهيل يتم خلالها دراسة حقيقة نواياهم وعلاقاتهم).

والخصلة الرابعة لمجاهدينا، قدرتهم على التفاعل الواقعي والانسجام النفسي مع أهلهم وقواعدهم في محافظاتهم ومدنهم ومحلاّتهم وقراهم، لأنهم منها ولا تزال لديهم روابط أسرية واجتماعية مع الكثير من أبنائها ... ونذكـّر هنا بأحد قوانين وسنن التغيير، وهو أن التغيير الحقيقي والجذري في الواقع يستلزم بناء أجهزة جديدة لحماية عملية التغيير ومكاسبها، وهذا ما حصل في عمليات التغيير الحقيقية سواء في الثوره الفرنسية أو عند انتصار الثورة الشيوعية في روسيا 1917 أو ما حصل عند انتصار ثـوّار الفيتكونغ في فيتنام الجنوبية عام 1975، وفي تجربة الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 حيث قامت قيادة الثورة بعزل كبار الضباط المقرّبين للشاه وللدوائر الأمريكية التي كان مستشاروها يهيمنون على المفاصل الأساسية للقوات العسكرية والأمنية، وأيضا قامت قيادة النظام الإسلامي الجديد بإنشاء قوات الحرس الثوري الموازية للجيش الإيراني وإنشاء قوات اللجان الثورية (الكوميتة) الموازية لقوات الشرطة..و كان لا يتم قبول التطوع في كلا التشكيلين الجديدين إلاّ من الشباب المخلص للنظام الجديد و الموثـّق من قبل قادة الثورة الإسلامية ورجالها ومعتمديها في مناطق البلاد المختلفة، بل وحتى ما يجري هذه الأيام في ليبيا وان كان الأمر مبكرا لاستخلاص الدروس حيث فرضت قوى الثوار المقاتلين الماسكين للأرض/ المجالس العسكرية للمدن والقرى/ نفسها كنواة للقوات المسلّحة الجديدة للنظام الجديد بالرغم من مخالفة القوى الغربية التي دعمت التغيير عسكريا بذلك، ولا تزال الدوائر الغربية تسعى (وبأساليب متنوعة، آخرها السعي لعقد مؤتمر دولي تحت عنوان سحب سلاح الميليشيات في ليبيا متذرّعة بالمخاوف من وصوله للإرهابيين)، لمنع هيمنة القوى الوطنية الليبية على قرار الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام السياسي الجديد...بل وحتى النظام البعثي البائد أستخدم سياسة فرض البعثيين (بعد ادخالهم بدورات مكثفة وقصيرة ومنحهم رتب عسكرية اعتباطية) على القوات المسلحة العراقية في الفترة الأولى التي تلت قفزه الى السلطة (عام 1968)، فضلا عن قتله أو عزله لكبار ضباط العهد العارفي, وبعد سنوات من انقلاب 17 تموز(يوليو) صارت اللجان الحزبية للنظام البعثي هي التي ’تحدّد أسماء المقبولين في الكليات الأمنية (الكلية العسكرية وكلية الشرطة وكلية القوة الجوية، وفيما بعد أكاديمية البكر العسكرية والمعاهد العليا للمخابرات ..)   الغريب أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، استخدمت وسائل ذكية ومدروسة لإقناع الشعب العراقي وقواه الوطنية بمظاهر التغيير الشكلية (لما حصل في نيسان 2003م) بينما وقفت وبقوة أمام استحقاقات التغيير الحقيقية، ومن تلك الاستحقاقات بناء أجهزة أمنية وطنية جديدة بعراقيين قاوموا الدكتاتورية البعثية ومتشبّعين بقيم و أفكار النظام السياسي الجديد والمؤسّسات الدستورية والديمقراطية الجديدة...لا يمكن استيعاب العناصر التي لم تتلوّث أيديها بدماء المواطنين، من منتسبي الأجهزة والقوات العسكرية والأمنية للنظام البعثي السابق، إلاّ بعد بناء النواة الصلبة للأجهزة الجديدة..و بناء هذه النواة الصلبة يتم فقط بتلك العناصر ذات الخصال التي أشرنا اليها قبل أسطر... ويجب عدم الخضوع الى الابتزاز والحرب النفسية التي استخدمتها فلول النظام البعثي وبتشجيع من الطرف الخارجي، بترويجها لمقولة: التحذير من هيمنة الميليشيات، ويقصدون مقاتلي ومجاهدي القوى الوطنية..!؟ ويستطيع أن يلاحظ الجميع ما هي نتائج محاولة بناء أجهزة النظام الجديد بالمقلوب، أي بدأت الخطوات بالتسلسل الخطأ..!! وخلاصة تلك النتائج كثرة الاختراقات وفشل الخطط الأمنية في تحقيق الأمان... الذين روّجوا كثيرا لمقولة التحذير من هيمنة ميليشيات القوى الوطنية على الأجهزة العسكرية والأمنية الجديدة، هم أنفسهم تحرّكوا خلال السنوات الثلاث الأخيرة وبشكل سريع ومكثــّف لإدخال آلاف العناصر البعثية في الأجهزة الجديدة وقاموا أيضا بالضغط الشديد على الحكومة المنتخبة للصرف على ما يزيد على المائة ألف ممّن سـمّاهم الرئيس الأمريكي السابق بأبناء العراق (الصحوات) والضغط أيضا لإدخالهم جميعا في الأجهزة الأمنية..!! وبين صفوف أولئك الكثير من العناصر المخترقة وهو ما سبب مشكلات أمنية بعضها كان خطيرا وفي قلب العاصمة بغداد، كما في حالة صحوات محلة الفضل(تم بالفعل إدخال عشرات الآلاف من منتسبي الصحوات في الأجهزة الأمنية بعد دراسة ملفّاتهم).

إن كل المخاطر والسلبيات التي يثيرها البعض ويبالغ في التحذير منها، والناتجة عن استيعاب كوادر وأنصار القوى الوطنية العراقية (التي قاومت ولعقود أجهزة قمع النظام البعثي وبذلت أغلى ما لديها من أجل مصالح الشعب والوطن)، في المؤسسات الأمنية الجديدة، هي أفضل من تمكين عنصر واحد (سواء كان من أزلام النظام البعثي البائد أو كان أداة لقوة أجنبية معادية) من اختراق بنية المؤسسات العسكرية والأمنية الوطنية الجديدة .   7ـ بناء قوات خاصة وقوات تدخـّل سريع جيدة التدريب والتسليح والامتيازات، مع دعم لوجستي عال يسمح لها بالتحرك السريع، وذلك من عناصر عراقية وبإدارة أمريكية في البداية ومن ثم تم ربطها بالحكومة العراقية رسميا والسعي لعرقلة خطوات الحكومة لتغيير هيكليتها ومسؤولي المفاصل الهامة فيها ولو الى حين، وبقي التأثير الأمريكي فيها كبيرا من خلف الكواليس..

بكلمة أخرى، كانت الخطوط العامة للإستراتيجية السياسية الأمنية الأمريكية المعدّة للعراق تتمثـّـل بـ :

* عدم السماح للقوى الوطنية العراقية في النظام الجديد بالهيمنة على القرار (القرار السياسي عامة والقرار الأمني خاصة). وكذلك منع هيمنة أغلبية سياسية وطنية (ذات قاعدة شعبية حقيقية واسعة منسجمة فكريا واجتماعيا)على القرار السياسي.

* أن تبقى القوة القتالية الأمريكية، هي المتفوّقة والقادرة على الحركة والحسم ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في العراق والمنطقة في المرحلة القائمة.

* منع نشوء تحالفات بين القوى الوطنية العراقية وبين القوى الإقليمية غير المنسجمة مع السياسات الأمريكية في المنطقة، والاستعانة بالحكومات العربية الدائرة في فلك نفوذها، وكذلك ببقايا أجهزة وحزب النظام البعثي البائد وحتى ببعض المجموعات المسلّحة كأدوات ضغط لكبح توجـّهات القوى الوطنية العراقية والسعي لموازنة تأثيراتها في الواقع.

كما قلنا قبل قليل، حصلت تغييرات عديدة في تلك الإستراتيجية الأمريكية، بسبب رفض الغالبية من الشعب العراقي وقواه الوطنية المستقلة وعلى رأسها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف..رفضها للكثير من مفردات تلك الاستراتيجية : حيث تم رفض مشروع تعيين الحكام العسكريين الأمريكان لمناطق العراق رفضا قاطعا، وتم الاصرار على إجراء الانتخابات العامة بأسرع وقت ممكن، وتم التأكيد على كتابة الدستور الدائم بأيــدٍ عراقية منتخبة، وأصـرّت القوى الوطنية العراقية المشاركة في الحكم على أن يكون القرار الأمني والعسكري بيد الحكومة المنتخبة وعلى ضرورة تحديد سقف زمني متفق عليه لتواجد القوات والأجهزة الأمريكية في العراق وتحديد تاريخ محدّد لمغادرة آخر جندي وتفكيك آخر قاعدة عسكرية أمريكية (خاصة وأن الاجتياح العسكري الأمريكي للعراق عام 2003م، لم يحظَ بموافقة الشرعية الدولية المتمثـّلة بمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة)..وأستمر الصراع بين الإرادتين الوطنية والخارجية بأشكال وبأدوات متعددة وبطرق مباشرة وغير مباشرة .. حتى يومنا هذا..

يتبع

 

بقلم : أكـرم الحكيـــــم ـ وزير سابق

....................

 

للاطلاع

 http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=4323&lang=ar&view=articles

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2549 المصادف: 2013-08-28 11:33:28