المثقف - قضايا وأراء

إقليم كردستان العراق والمفاوضات القادمة لتشكيل الحكومة

كانت النتائج كما توقع المراقبون والباحثون الدوليون أن وهي أن الخارطة السياسية قد لا تتغير جذريا، لكن مع ملاحظة أن المالكي ودولة القانون قد نجحوا في تحقيق مكسب إنتخابي وبالتالي تستطيع هذه القائمة تشكيل حكومة أغلبية مريحة تكون قادرة على تجاوز الأزمات الداخلية، كاستيعاب المطالب التي تقدم بها سياسيون من مناطق غرب العراق كالفلوجة والأنبار – بما لا يتناقض مع القانون العراقي وينأى – هؤلاء المطالبون – عن أي تعاطف مع القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية. التحدي الأكبر سيكون إيجاد تفاهم مع إقليم كردستان، الذي بات للأسف يصدّرأزماته الداخلية إلى بغداد.

مؤخرا، تداولت وسائل الإعلام تصريحات للسيد مسعود البارزاني مفادها " إنه إذا ظل المالكي في الحكم إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2014، فإن الأكراد سيمضون في مسار خاص بهم." (تقرير مجموعة الأزمات الدولية إبريل 19, 2014). ولا أدري ما مقصد السيد مسعود من هذا التعبير، فهل يقصد النسق المتكرر من تعليقاته والتي دوما تهدد بإعلان الإنفصال أم أنه ينوي إنشاء تحالف سياسي موازي لدولة القانون؟ ذكرتني هذه التصريحات بتقرير أمريكي كان قد صدر عن معهد بروكينغز للدراسات للكاتبة والباحثة السياسية ليديا خليل وهو بعنوان "استقرار كردستان العراق: حقيقة أم سراب؟". المثير في التقرير أنه رغم مرور سنوات على صدور التقرير، صدر في 2009، لكن المشاكل والتحليلات التي خرجت بها الباحثة الأمريكية لا تزال كما هي والخطاب هو الخطاب. فلنقم بنظرة سريعة لمقتطفات من هذا التقرير المفيد والذي ينتهي بتوصيات هامة وهي تنوه في بداية تقريرها أن إقليم كردستان يواجه تحديات قد تضر بمكتسبات الأكراد وقد تعرض المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر (ص 4) وهي تشير أيضا إلى اطلاع حكومة بغداد المركزية على حجم التوسع الأمني للإقليم وكيف أن النزعة الانفصالية لقادة الإقليم أثارت الشكوك لدى حكومة السيد المالكي من أن الإقليم لا ينوي الانخراط في عراق موحد.

حسب الكاتبة خليل فإن هناك "ثلاث نقاط جوهرية تهدد الصورة والواقع الأمني لكردستان العراق كمحور للاستقرار في العراق: أولا: الخلاف بين الأكراد والعرب حول عقود تنقيب النفط في المناطق المتنازع عليها ومصير كركوك والإصلاح الدستوري المنتظر لتقوية المركز. ثانيا: المشاكل الحكومية في الإقليم التي هيجت الشعب في الإقليم ضد قيادة طال أمدها وثالثا التدخل التركي المتنامي منذ عمليات حزب العمال في 2007." (ص 5).

الواضح أن إقليم كردستان العراق يعاني من مركزية تثقل كاهل المواطن الكردي العراقي وتجعله ينوء تحت وطأة فساد الإدارة مرتبطة بمركزية غير مرنة في أربيل في وقت تتذمر قيادات الإقليم "من الدور السلبي لبغداد وحكومة المركز"! المسألة لم تعد صراع قومي أو طائفي كما يحب بعض السياسيين أن يعرّف المشكلة بقدر ما هي فساد وقسوة أي نوع من المركز.

السيدة ليديا خليل لمحت – كما فعل باحثون أمريكيون آخرون – إلى جوهرية إيجاد إصلاح ديمقراطي في كردستان لإشراك المزيد من المهمشين في إدارة مدنهم وقصباتهم وتشجيع الاستثمار الاقتصادي الذي تحتكره فئة صغيرة من الحزبين الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني. تقول الباحثة أيضا "يبدو من غير المفهوم أنه في الوقت الذي يندفع فيه سائر العراق نحو المشاركة السياسية، فإن كردستان العراق التي توصف بنموذج الديمقراطية للعراق تتجه نحو تعزيز نظم سياسية مغلقة وصارمة تعزز كردستان العراق على أنها "بارزانستان" و"طالبانستان". حكومة إقليم كردستان ستعتبر ناجحة فقط في حالة تحولها إلى ديمقراطية أصيلة أو كانت تسير باتجاه الديمقراطية الأصيلة." (ص 5) وهي – الكاتبة ليديا خليل – تنصح المسؤولين الأمريكيين بالضغط فعليا على مسؤولي الإقليم في لقاءاتهم الخاصة لدفعهم باتجاه تعزيز الديمقراطية.

من خلال هذه اللمحة لتقرير مطول حول الإقليم يتبين أن هناك دافعا إضافيا لتوجه قادة الإقليم نحو المواجهة السلبية مع بغداد، فالحراك الداخلي الكردي "حركة التغيير" مثالا، تدفع المسؤولين من جماعة الديمقراطي والاتحاد للمواجهة مع بغداد لإلهاء المطالبين بالإصلاح والتغيير في الداخل. الواضح أن قادة الإقليم سيثيرون أزمة – خلال محادثات تشكيل الحكومة – لتحقيق مكاسب حزبية تتطبع بطابع "القضية الكردية" وأود أن أنصح نوري المالكي وكتلة دولة القانون وسائر الكتلبأن لا يأخذوا تعليقات وتصريحات تهديدات مسؤولي الإقليم بالإنفصال على محمل الجد، وقد قدمت الباحثة ليديا خليل نفس النصيحة للمسؤولين الأمريكيين على اعتبار أن هذه التهديدات باتت مكررة دون أي انعكاس على أرض الواقع والأرجح أنها ليست سوى تصريحات للاستهلاك المحلي. كنت في زيارة لأربيل وسليمانية مؤخرا وكان أكثر من قابلتهم من الأكاديميين والموظفين يتذمرون من عجز حكومتهم عن دفع رواتبهم في وقت يهدد الإقليم بالإنفصال!

 

.................

المصادر:

http://www.brookings.edu/research/papers/2009/06/kurdistan-khalil

http://www.crisisgroup.org/ar/Regions%20Countries/Middle%20East%20-%20North%20Africa/Iraq%20Iran%20and%20the%20Gulf/Iraq.aspx

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2816 المصادف: 2014-05-22 03:16:29