المثقف - قضايا وأراء

البرجوازية السنية العراقية لا تحب (داعش)

chaleb al shabanderاستطاع الرئيس السوري الراحل حافظ أسد ان يرضي تجار دمشق وهم من السنة غالبا، لقد أطلق لهم اليد في السوق، وكانت هناك اتفاقية شبه صامتة بين السوق الدمشقي والرئيس الأسد، بل اتفاق علني، وكان كثيرا ما يأخذ بنصائحهم وآرائهم الاقتصادية، وبهذا ضمن تأييدهم، أو سكوتهم عن السيطرة (العلوية!) على مفاصل الدولة الحساسة، ولما جاء بعد ذلك وريثه بشار الأسد وسَّع من هذه الدائرة، حيث كما يقول العارفون بالشأن السوري، انه ـ أي بشار الأسد ـ أطلق يد تجار حلب   في السوق الحلبية .

وحلب أساسا العاصمة الاقتصادية للسوريين، مما ضمن عدم تورطهم في أي نشاط ضده، ويقول كثير من المحللين السياسيين، إن من أسباب بقاء نظام بشار الأسد إلى هذه اللحظة رغم مرور اكثر من سنتين على الأوضاع المتأزمة جدا وعنفها البالغ الخطورة، هو الموقف السلبي لتجار سنة دمشق وحلب من حملة السلاح ضد النظام السوري، فهم يجدون بها ضربة قاصمة لامتيازاتهم وسوقهم وتجارتهم .

أُقدم هذه المقدمة لأقول إن طبيعة البرجوازية التجارية لا تنسجم مع الثورات والتمردات في غالب الأحيان، خاصة إذا كانت مستفيدة من الوضع الراهن، أضف إلى ذلك ان البرجوازي التجاري عادة مطمئن إلى راحته النفسية والجسدية والمعيشية فلماذا يراهن بهذه الراحة بوعود مجهولة المصير؟

فذلك من المخاطرة بمكان !

البرجوازية التجارية السنية في العراق حالها كأي برجوازية في ظروف متشابهة، إنها لا تغامر براحتها ومكاسبها، ولذلك حتما ان البرجوازية السنية لا ترتاح لحركات التمرد هذه وبالأخص إذا استندت إلى فكر (إسلامي) تشددي ينضح بالطائفية والتمحور العقدي الأُحادي، ولمَّا كان من المحقق ان هناك برجوازية تجارية سنية في العراق، يكون من الواجب مد يد التعاون معها في مواجهة الإرهاب المتشدد .

البرجوازية السنية في العراق ليست مرتاحة لحكومة السيد نوري المالكي، لأنها تعتبرها حكومة شيعية، وشعورها منسجم مع الخط السني العراقي العام،، إلاّ أن هذا لا يعني أنها ترتاح للقاعدة وداعش وأي منظمة إرهابية أخرى، لأن في ذلك ضربة موجعة لمصالحها أولا، وبالتالي، لا نستغرب أحيانا ان تتعاون البرجوازية مع الحكومة لمواجهة حركات تمرد أو ثورة قيادتها وقاعدتها تنتمي إلى (عقيدة أو مذهب أو قومية) تلك البرجوازية بالذات، ربما نضيف إلى البرجوازية السنية هنا قاعدة جمهور الموظفين العاملين في الحكومة خاصة من ذوي المواقع المفصلية في جهاز الحكومة الإداري والتخطيطي، فهؤلاء كما غيرهم في ذات الظروف والأجواء يخافون على امتيازاتهم، إنها امتيازات قد تتعرض للخطر فيما لو جاءت الحركات الإسلامية المتشددة وتسلمت زمام السلطة، ولهذا يُؤثرون سياسة النأي بالنفس عن أي تعاون بل حتى تعاطف مع هذا النوع من المنظمات، نعم، للبرجوازية التجارية وكبار الموظفين والبيروقراطيين السُّنة كلمة في ما يعتقدون من حقوق سنية مهضومة، ولهم كلمة في عدم التوازن الوظيفي كما يعتقدون، ولكن لا يحبذون اللجوء إلى العنف،ولا يستسيغون لغة القوة، ويفضلون (الاعتراض) الناعم.

الحكومات أو الأنظمة التي تواجه تمردات أو ثورات شعبية طالما تتعاون وتتفاهم مع السوق الاقتصادي، وشرائح الموظفين الكبار، في مواجهة هذه التمردات والثورات،بل هذا التعاون موجود بشكل وآخر، ولكن تعمل الحكومات والأنظمة المحترفة على تدعيمه وتعميقه، فإن كسب هؤلاء لا يعادل كسب أشخاص وأفراد، بل يعادل كسب قيم ومواقف شعبية ليست بسيطة، يعادل كسب المال والقوة المعنوية والحضور القوي في تقرير مصير الطوائف والقوميات في البلد .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2905 المصادف: 2014-08-19 01:12:24