المثقف - قضايا وأراء

الامازيغ والحرية

alhasan aabaهل صحيح ان الامازيغ احرارا في بلدانهم؟ ان هدا السؤال قد يبدو للبعض سهلا لكنه سؤالا عويصا يقتضي منا اجابة دقيقة وصريحة .او بعبارة اخرى هل نالوا كل مايستحقونه ام هم غرباء في وطنهم الكبير تامزغا واقصد شمال افريقيا..وادا كان الامر كدلك..فماهي الحرية...وكبف السبيل للوصول اليها في ظل انظمة عروبية مستبدة..هل بالسلم ام بالثورة .. كل هده الاسئلة وغيرها ستبقى مطروحة ومكتوبة في دهن الانسان الامازيغي الاصيل .. وستبقى مسجلة بمداد من الاعجاب والتقدير عندما يصل هدا الانسان الغريب في وطنه الى مبتغاه الاساسي الا وهو البحث والبحث من اجل الكرامة والحرية فماهي الحرية .. الحرية قيمة إنسانية أصيلة ورفيعة، تولد مع الإنسان بشكل طبيعي منذ ولادته، وليس من الطبيعي ولا هو من الأصالة في شيء أن يتعرض الإنسان للاستعباد والاسترقاق، سواء كان ذلك بشكله المادي أو المعنوي، ومن المهم أن يظل هذا الإنسان محميا من كل أشكال الاستغلال والاستعباد التي تكبله وتعيق حركته وحريته.

إن هذا الإنسان كائن حي متحرك، يتفاعل وينفعل مع كل ما هو محيط به، فيفصح من خلال هذا الاندماج والتفاعل والاختلاط مع من حوله، عن مكنوناته ورغباته وآماله وآلامه وشجونه، ويعبر عنها بطريقته الخاصة، وكل إنسان يعبر عن تلك المكنونات حسب ظروف البيئة التي تحتضنه وتضمه، على أن الحرية تعني فيما تعني، ومهما كانت البيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان، أن يكون حرا في التعبير عن أفكاره ومعتقداته ومشاعره بكل أنواع الطرق وأشكال التعبير الإنسانية، ولن يكون هناك معنى للحرية عندما يُكره الإنسان على قول أو فعل شيء عن طريق الإكراه، أو من خلال ممارسة كم الأفواه وإسكات الأصوات وإخماد الأنفاس وقتل الإنسان، أو قتل روح الإبداع فيه.

مفهوم الحرية الذي نتحدث عنه هنا، لا يعني أنها حرية من اجل الحرية فقط، وإنما هي حرية تدفع الإنسان إلى الإبداع والتطور والتغير إلى الأفضل، ضمن حركة الإنسان وسعيه نحو الرقي إلى المراتب العليا في طريقه إلى الكمال.

إنها حرية مسئولة هادفة وليست حرية عابثة أو لاهية أو سائبة. حرية تلتزم منظومة القيم الإنسانية، ولا تنتهك كرامة الإنسان، أو تعتدي على حرمته، أو تعمل على مصادرة حقوقه الإنسانية الطبيعية، تحت عناوين وادعاءات شتى ومختلفة، كما لا يجوز بالإضافة إلى ذلك، المس بالأخلاق العامة في المجتمع وإفساده، من خلال أي أساليب منحرفة وطرق سيئة ورديئة ورخيصة، تهدف إلى جر الناس إلى الرذيلة، وتؤدي إلى الانحراف السلوكي والإغواء الأخلاقي.

إننا عندما نسمع أو نقرأ مفردة الحرية، تقفز إلى أذهاننا الكلمات والتعابير والعناوين المشابهة والمرادفة، والتي تتضمنها هذه المفردة، والتي ترتبط بها أو تكون جزءا منها، كحرية التعبير وحرية التفكير وحرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية الإبداع وحرية الإعلام وحرية الصحافة، إلا أن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا المجال هو عن إمكانية التأصيل لهذا المفهوم؟ وكيف يمكن إعادة قراءته وصياغته من منظور إسلامي مستنير، يعكس روح التسامح والتعايش والتعددية الخلاقة في طرح الرؤى والأفكار؟

انه من حق أياً كان أن يطرح أفكاره، وان يتساوى الجميع في تقديم وعرض ما يملكون منها أمام الناس، لذلك، وكما يلاحظ السيد فضل الله “أن الإسلام أفسح في المجال للفكر الآخر منذ البداية، في أن يتقدم إلى الواجهة، ولم يمارس احتكار الحقيقة، حتى في القضايا التي هي بمثابة مسلمات غير قابلة للمساومة في العقيدة الإسلامية. فأفسح في المجال للحوار في اخطر العناوين، حتى في الذات المقدسة، وفي رسالة الرسول، ويوم القيامة وما إلى ذلك. وأشار الله سبحانه إلى نبيه أن ينفتح بالحوار على المشركين والكافرين ليقول لهم: [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين]، بحيث يأخذ الفكر الآخر حريته في الطرح، وحريته على مستوى الجدال، شرط ألا تتحول المسألة إلى فوضى على مستوى الآليات والممارسة، وشرط أن يتم التسليم للحقيقة عندما تتجلى واضحة في حركة الحوار ونتائجه”.

انه لمن المهم في مسألة التعبير عن الرأي أن تعطى للآخر فرصة التعبير عن نفسه وفكره، ولن يكون من العدل في شيء عدم إعطاء الفكر الآخر المختلف، فرصة تقديم نفسه وعرض أفكاره أمام الناس، لأن من حقه أن يطرح أفكاره ورؤاه وما يملك من إبداعات ورؤى وأفكار، لان من البديهيات أن تكون هناك منافسة بين الجميع بكل حرية وشفافية، وترك الناس في الأخير يختارون الأنسب، لكي يكون لهم حرية الاختيار بملء إرادتهم، من بين ما هو معروض أمامها من أفكار، وعندما يتم اللجوء إلى سيف الإجبار والترهيب والترغيب والإقصاء والعزل، فان ذلك يشكل خروجا على عدالة تساوي الفرص بين الجميع، وفرض قيود على حرية التنافس.

إن التساوي في الفرص بين المتنافسين، هو فرصة لكل أصحاب الأفكار من اجل التنافس فيما بينهم من اجل تطوير ما يملكون من أفكار ورؤى، والتنافس بعدها من اجل استقطاب الناس إلى أفكارهم ورؤاهم، بعيدا عن التنافس الفوضوي الهدام، القائم على اعتماد وممارسة لغة القوة والتكبر والنرجسية، أو من خلال التصلب والتعصب العقائدي والأيدلوجي، والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة واحتكارها. لذلك فان الوسيلة المثلى لمواجهة الفكر الآخر، تتلخص في إعطاء الحرية للجميع في طرح نفسه وما يملك من فكر ورؤى، عندها سيتبين لنا مدى واقعية وإمكانية صمود أي منهم أمام الحقائق العلمية.

إذا ما انفتح المجال للتعبير عن الرأي، وأتيحت الفرصة للإنسان كي يمارس حريته الفكرية وحريته في التعبير والنقد والمساءلة بطريقة علمية وموضوعية، فان مسألة التعبير عن الرأي والنقد ستصبح عنصرا أساسيا في كشف العيوب والأخطاء والنقص في تجارب بعض وتقويمها من ناحية، وتأصيلها وتعميقها وتجذيرها من ناحية أخرى، وكل ذلك لن يتم إلا بفضل التعبير عن الرأي وممارسة النقد.

إلا انه يجب التأكيد دائما عند ممارسة حرية التعبير وما يصحبه من نقد، أن هناك فرقا بين حرية التعبير عن الرأي والفكر، وحرية الشتيمة للآخرين، وبأي شكل من الأشكال والصور، سواء كان ذلك من خلال الإيذاء النفسي بالاعتداء على كرامات الآخرين الإنسانية وسمعتهم ومكانتهم الاجتماعية وخصوصياتهم، التي لا يجوز أن يتدخل أي كان فيها، أو من خلال الاعتداء اللفظي بالتشهير والتجريح الشخصي والإهانة والشتم والسب والقذف أو التهكم والتحقير.

فإذا كان الإيمان بأن يأخذ الفكر والتعبير عنه، مداه في البحث والنقاش والحوار والجدل بالتي هي أحسن، وبدرجه وإيمان لا حد ولا حدود له، وذلك من اجل الطواف بالفكر في آفاق الكون والنفس، وفي رصد ومتابعة مشاكل الإنسان، ووضع الحلول لها، إلا أن هذه الحرية لابد من أن تخضع للضوابط الأخلاقية، كي لا تترك الأمور سائبة تسير في حركة الفوضى بعيدا عن الالتفات إلى تداعياتها السلبية، وما يمكن أن يصحبها من ردود فعل، خصوصا في بيئات سياسية واجتماعية تحمل في باطنها وتكوينها عوامل القلق والثوران والانفجار، والتي يمكن أن تتسبب، إذا ما انفجرت، بنتائج مدمرة وقاسية على الجميع.

هناك خلط بين حرية التعبير والاعتداء على الآخر بالشتيمة أو بالعنف اللفظي، وهو يمثل خطرا على الحرية ذاتها، وعلى عملية التطور الاجتماعي والسياسي وثقافة الاختلاف والتعدد، ومن المهم التفريق بين هذين الأمرين من اجل سلامة التطور الاجتماعي، والذي يجب أن يرتكز على منظومة من القيم والضوابط الناظمة لمثل هذا التطور، كالقبول بالآخر وعدم الاعتداء عليه، واحترام رأيه رغم الخلاف والاختلاف معه، وحقه في التعبير والحوار معه بصفته شريكا اجتماعيا.

وعندما تتخطى مسألة الحرية “الضوابط الأخلاقية الناظمة”، لتمس بمقولة حرية التعبير وتصادرها من خلال لغة الشتيمة، لتصل إلى مستوى استباحة وانتهاك الكرامات، وكل ما هو ضمن المجال القيمي، سواء كان ذلك متمثلا في المعتقدات أو الرموز، فان ذلك الأمر سيؤدي إلى جر الناس وأبناء الكيان الواحد والأمة الواحدة إلى التنازع والاحتراب، وحرفهم عن الطريق القويم والصحيح، طريق الوحدة والتقدم والازدهار، ومن ثم استدراجهم للدخول في مشاكل وفتن وحروب من كل أشكال وألوان الطيف، تتساقط فيها المقدسات والمحرمات والحرمات، حيث تدخل بعدها الأوطان ومجموعاتها البشرية في حالة إستنفار وطوارئ، تزيدها سوءً واشتعالا، خطابات دينية وسياسية منفعلة، تحرض وتجيش الناس على بعض، من خلال ما تقوم به من أعمال تتنافى مع كل القيم والمبادئ الدينية، متسترة تحت عناوين الدفاع عن الدين والعقيدة، بعيدا ععن مراعاة الأسس والثوابت التي قام عليها الدين والأخلاق، والتي حث على إتباعها والتمسك والالتزام بها.

ومن المهم لنا، ونحن نرى ونراقب ما يحدث ويدور من حولنا، الاستفادة من كل التجارب المؤلمة والمريرة التي تمر بها أقطار امتنا، وان لا ندع الأمور تنفلت إلى دائرة الفوضى الهدامة، بل الواجب يحتم علينا خلق المناخ المناسب لدفع الأمور تتحرك في دائرة الحوار البناء، وإدارته بشكل يقرب أبناء ألامه بعضهم إلى بعض، مهما اختلفت الأفكار والرؤى، ومن دون إفساح المجال لإثارة النعرات والعصبيات، التي تؤدي إلى إدخال الجميع في أتون الفوضى، وفي متاهات مظلمة تعيدنا إلى الوراء عقودا طويلة من الزمن.

وعندما يساء استخدام حرية التعبير إلى هذا الحد من الانحراف والفوضى الهدامة، ويخرج الخطاب المتبادل بين هذه المجموعات البشرية وأبناء الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، عن أدبيات الدين وأولوياته، والانسياق خلف النعوت الحاملة لكل المعاني السلبية والجارحة، فان ذلك يمثل خروجا على جادة الصواب والقيم والآداب الإسلامية النبيلة. وهذا الأمر دليل ومؤشر إلى وجود خلل بنيوي كبير متغلغل في العقول، خصوصا عند هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا النموذج والقدوة في تجسيد وتمَثّل قيم الدين العليا، قولا وعملا، سرا وعلانية، وهو الأمر الذي يمنع تطور وتطوير ثقافة التعدد والتنافس والاختلاف الخلاق، ويحجم ويقزم ويحرم حرية الرأي والاختلاف، ويؤدي إلى تكريس الثقافة الأحادية والانعزالية، وتضخيم الذات وتضخمها واستعلائها على غيرها، والادعاء باحتكار الحقيقة المطلقة وتمثيلها.

إن استخدام ألفاظ وتعابير ومقولات التشويه، والتي تمارس ضد الشقيق والآخر والمختلف، والتي يراد منها أن تتسلل إلى وجدان الناس، تهدف إلى إخلال وإسقاط روح الأخوة والمحبة والصفاء التي تتصف بها قلوب عامة الناس في مجتمعاتنا وتشكل فطرتها النقية، كما تهدف إلى تخريب طبيعة سجاياها الإنسانية وأخلاقها الفاضلة وخصالها الحميدة، من اجل إدخال الناس في اصطفافات مشوهه، تفصل بينها الحواجز العالية، والجدران العازلة، في محاكاة لأساليب التفرقة والتشويه، لإفراغ وجدان هذا الإنسان مما يملكه من مخزون قيمي رفيع، ونزعات خيرة نبيل، يضمها ويحتضنها بين جنبات صدره وقلبه ووجدانه.

إن من اخطر ما تواجهه مجتمعاتنا في ظل هذه الاصطفافات المشوهة، هو التسمم الثقافي والسياسي الذي يتولد عنه الشحناء والبغضاء بين المختلفين، مما يدفع البعض إلى غواية الاعتداء على الآخر بالكلمة، والتي قد تكون في ظروف محددة أكثر إيلاما وفتكا من الرصاصة، وهذا العنف اللفظي كما يقول وحيد عبد المجيد “قد يمهد لعنف جسدي بأشكال مختلفة، لأنة يخلق ويكرس ثقافة العنف”، ويضيف “لذلك فمن الخطأ، والخطر، شمول حرية الاعتداء اللفظي بالحماية اللازمة لحرية التعبير. فالحرية، كل حرية، للتعبير عن الرأي والموقف والفكر والاتجاه أيا يكون المدى الذي يصل إليه هذا التعبير وحتى إذا تضمن مقدارا من الشطط. ولا حرية للاعتداء على الآخر واستخدام العنف اللفظي ضده وإهانته وإهدار كرامته الإنسانية، وإلا أحدثنا تناقضا بين حرية التعبير وحق أساسي من حقوق الإنسان الأساسية”.

لذلك فان السؤال الكبير هو: كيف يمكن من خلال ممارسة التعبير عن الرأي إثارة العقول بدلا من إثارة النفوس؟ وكيف يمكن نقد المساوئ الثقافية والاجتماعية والحياتية من دون الانزلاق إلى سجالات عصبوية تزيد من التوترات والانقسامات والفتن، والتي تسهم في التمهيد لمزيد من الفتن؟ كيف يمكن التفريق بين ما هو تعبير حر وملتزم عن الرأي، وبين ما هو من الأقاويل والألفاظ والتعابير والمقولات والتغطيات والأداء الإعلامي والدعائي الذي يحرض على الآخر، ويثير الضغينة والبغضاء، ويسبب التوتر ويزيد من حدة الصراعات؟ لذلك فان السؤال المهم هو: ما هي حدود حرية الرأي والتعبير؟ وما هو المدى الذي يجب أن تبلغه هذه الحرية في مجتمعاتنا؟

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2976 المصادف: 2014-10-29 00:44:57