المثقف - قضايا وأراء

ليس ردّاً على الجعفري بل رحمةً بالعراق

chaleb al shabanderليس بدعاً في الفكر أو اختراعاً خارقاً فيما قلتُ إن هيبة الدول في كثير من الأحيان تُستمَدُّ من هيبة رجالها وقياداتها، وهل يمكن أن ننسى مدى ما أضفاه الرئيس السوري حافظ الأسد من هيبةٍ ووقارٍ وقوةٍ وعظمةٍ على سوريا، البلدِ الصغير مساحةً، الفقير مواردَ، الكثيرِ الأعداء، المتنوعِ المشاكل؟ وهل ننسى أنّ غروميكا كان يزيد في مهابة الاتحاد السوفياتي عندما يلتقي زعماء العالم بما حباه الله   من وقار سمت، وبلاغة كلام، وسطوة قامة؟ والأمثلة في هذا المجال كثيرة متنوعة .

إن كثيراً من البلدان والأنظمة تفرض هيبتها واحترامها وربما حتى جبروتها من خلال بعض زعاماتها وقادتها وصنّاع قرارها السياسي.

ولأني أتحدث عن وزير خارجيتنا في هذه المقالة السريعة، ولأني قدَّمتُ هذه المقدمة الصغيرة، فمن المؤكد أن السؤال الذي يطرحُ نفسَه هنا، تُرى هل من إضافة روحية ثقافية معنوية يمكن أن يضيفها السيد الجعفري على العراق على ما يختزنه هذا البلد من هيبة تاريخية، وثقل حضاري، وموقع جغرافي، وثروة نفطية، وشعب ذكي، وهو يمارس وظيفة وزير الخارجية العراقية؟

جوابي، وباختصار هنا، أن وزير الخارجية العراقية السيد إبراهيم الجعفري لم يضفْ للعراق من ذلك شيئاً، بل راح يغيِّب هذه الهيبة، وراح ينقص من قدر العراق المعنوي، ومن شعاعه الروحي، وهو الأمر الذي يدعو للحزن الشديد حقاً .

إن خطابات السيد الجعفري في المؤتمرات الدولية ـ وكم السيد حريص على حضورها حتى لو كانت دينية ـ تهينُ تاريخ العراق، وتنقص من حضوره الخالد، وإني على ثقة عندما يستمع أو يقرأ وزراء الخارجية خاصة العرب منهم، يهمسون إلى أنفسهم، ليقولوا بمرارة،أليس هناك غير السيد إبراهيم الأشيقر الجعفري يكون وزيراً لخارجية هذا البلد العريق، وهل هو البديل حقاً لفاضل الجمالي أو هاشم جواد أو توفيق السويدي مثلا؟

لا أتكلم جزافاً، وهو الموضوع الذي أخذ مني اهتماماً كثيراً وأنا أتابع قضايا العراق الجوهرية التي منها بطبيعة الحال سياسته الخارجية .

قبل أيام كان قد حضر السيد الجعفري مؤتمراً يكاد أن يكون دينياً في العاصمة الإيرانية طهران، المؤتمر أصلاً جاء لتناول مشكلة الإرهاب في العالم، ومن الطبيعي أن تكون لوزير خارجيتنا كلمته، وكعادة الدكتور طرح نفسه مفكراً، راح ينظّر للمؤتمرين حول الإرهاب خاصة (داعش)، والمفارقة أنّ (داعش)، هذه التي هي زبدة كل التاريخ الإرهابي باسم الدين والإسلام حازت أشرف وسام على لسان وزير الخارجية العراقي.

هل هذا صحيح ؟

لنقرأ ما يقول عن داعش: [والتنظير المعرفيِّ لمُواجَهة عدوٍّ إنسانيٍّ مُشترَك اتخذ من الفكر هُويّة مُزيَّفة] .

داعش إذن عدو، ولكنه عدو (إنساني)، وبالتالي، لست أدري كيف نحارب عدواً إنسانيا! يبدو أن السيد الجعفري لم يهضم رغم دراسته الحوزوية على يد الشيخ عيسى والسيد كمال الحيدري علم الدلالة بشكل جيد!

ليست هي المرة الأولى أن يشتطّ السيد الجعفري بمثل هذه المعادلات التي لا أساس لها ولا راس، أليس هو الذي ينصحنا بأن لا نفكر بتغيير قدرنا الجغرافي،لأنه (جعْلي)، وبالتالي، فإن (الذاتيات) دخلت مرحلة الاحتضار في فكر السيد الجعفري المنطقي والفلسفي التقليدي، حقاً أنّ (الذاتيات) وجدت منحرها على مائدة فكر وزير الخارجية العراقي الدكتور إبراهيم الجعفري، ولكن هل تخلَّص (الفكر الإسلامي، والإسلام) من سطوة هذا الفكر الغريب واشتطاطه الفوضوي الصبياني؟

إذن لنسمع أو نقرأ القنبلة الفكرية الجديدة: (أخطر ما يُواجـِهه الإسلام اليوم هو أنَّ المعركة تنبثق عن شعار إسلاميٍّ مُزيَّف)، وإذا كان فكر وزير الخارجية حمّال أوجه، كما هو فكر هايدغر على سبيل الافتراض، فإن المطلوب أن يترحم الدكتور علينا، ليشرح لنا بأن التزييف هنا جريرة مزيّفين، خانوا الإسلام، وعملوا على تزييف مفاهيمه وشعاراته، أما أن يكون الزيف هو الصفة اللاصقة من دون توضيح ولا بيان بالشعار الإسلامي المسكين فهذه هي الطامة الكبرى.

ما زالت مقولة أو معادلة السيد وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري (تشتيت المشتت وتمزيق الممزّق)، كذلك معادلته الغرامشية الخاصة به: (نختلف على المتفق ونتفق على المختلف) تعصف بكل قواعد الفكر الفلسفي والمنطقي واللساني، لأنها جميعا لم تستطع أن تخترق هذا الجدار السمنتي الصلب .

وهل ينسى وزير الخارجية العراقي نصيب أهل العرفان من نصائحه وفكره وهو الذي جاء يشاركهم الفكر للتصدي للإرهاب ؟ لا بطبيعة الحال، لذلك خاطبهم بالقول: (إذا ذُكِر الله وَجـِل القلب. هذا هو القيمة المعرفيّة الحقيقيّة، ونقطة الارتكاز التي تدور حولها كلُّ الأفكار والنظريّات؛ من القلب يبدأ الإنسان المُؤمِن من حيث ارتباطه بالله تبارك وتعالى، ومن حيث معرفته بالله تبارك وتعالى) .

لقد اكتشف لنا العرفاني وزير الخارجية العراقي الدكتور إبراهيم الجعفري نقطة الارتكاز في كل الأفكار والنظريات، كلها بلا استثناء، منذ أن بزغ العقل البشري وحتى هذه اللحظة وحتى يرث الله الأرض وما عليها، إنه سبر كل مسيرة الفكر الإنساني وطرح لنا مرتكزه الأساسي، إنها ذكر الله، سبحان الله، وحتى الفكر الإلحادي على سبيل المثال يا دكتور !

لا أريد أن أُطيل في هذا، لأن عيّناته كثيرة، وأمثلته لا تُحصى، ولكن بودّي أن أسال على سبيل الاستطراد، لو أنّ وزير الخارجية السعودي يسمع أو يقرأ مثل هذا الكلام بماذا يفكّر فيما لو قرّر الاجتماع بوزير خارجيتنا ؟!

كان سعود الفيصل ذكياً عندما استقبل السيد الجعفري في هيئة الأمم المتحدة،لقد كان جالساً على كرسي خشبي، مستقيم المسند،عال، وهو طويل القامة، وإلى جانبه علم المملكة، فيما الأخ الجعفري كان قباله جالساً على كرسي عريض، انخفض به، وهو دون طول قامة الوزير الخارجي، ولك أن تتصوّر ماذا كان يقصد منظّمو اللقاء !

يقول وزير الخارجية في المؤتمر المذكور: (نحن اضطررنا لأن نـُناشِد العالم؛ لأنَّ العالم شعر بأنَّ جنوده وأبناءه يُقاتِلون مع داعش؛ لذا اجتمعت كلمتهم في مُؤتمَرات (جدّة، وباريس، ونيويورك)، وحضرتـُها جميعها، وتحدَّثت معهم بأن يرتقوا إلى مُستوى مهمّاتهم، وأنَّ طبول الخطر ستـُقرَع في بلدانهم إن لم يكن اليوم فغداً، لا أقولها مُتشفـِّياً أبداً.)

أمام هذا النص تعليقاً بكل ألم، ليس لي إلّا أن أقول لك الله يا عراق، نعم، لك الله يا بلاد الرافدين، خاصة أن المهم أن الدكتور حضر مؤتمرات جدة، وباريس ونيويورك، حيث سيبقى هذا الحضور نقطة تاريخ فاصلة في حياة البشرية، تاريخ ما قبل حضور السيد وزير الخارجية هذه المؤتمرات وتاريخ ما بعد حضوره !

لكن انظروا معي رحمكم الله إلى هذه المعادلة القاطعة: (نحن اضطررنا لأن نناشد العالم، لأنّ العالم شعر بأن جنوده وأبناءه يقاتلون مع داعش ...)

حقاً غريب !

جنود العالم وأبناؤه يقاتلون مع داعش !

أيّ إطلاق هذا ؟

وأيّ شطط هذا ؟

الأغرب من كل ذلك، أن وزير خارجيتنا ناشد العالم بعد أن شعر العالم بأنّ جنوده وأبناءه يقاتلون مع داعش !

هل رأينا الدقّة في التفكير والتعبير؟

لقد كان وزير خارجيتنا ينتظر أن يشعر العالم بأنّ جنوده وأبناءه يقاتلون مع داعش ليستصرخ العالم !

لا يا سعادة وزير الخارجية ...

إننا نطالبك بأن تستصرخ العالم قبل أن يستيقظ،لأنّ مهمّتك إيقاظ النائمين، رغم أنّ أصل المطلب خطأ كما تقول الأدبيات الحوزوية .

كذلك هي الدبلوماسية الراقية !

ولله في خلقه شؤون !

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3012 المصادف: 2014-12-04 03:19:43