المثقف - قضايا

الحضور الفينيقي في الساحل الأطلسي المغربي: العرائش وموكادور

alhasan alkyriإهداء المترجم: أهدي هذه الترجمة إلى زميلي وأخي الأستاذ الباحث في التاريخ محمد صلحي.

تحدثنا المصادر الكلاسيكية عن إبحار الفينيقيين عبر السواحل الأطلسية المغربية بغية الصيد. في نفس الاتجاه تبرز كذلك إشارات في هذه المصادر حول وجود مستوطنات سامية بتلك السواحل. غير أن الحفريات أثبتت فقط وجود مستوطنتين من تلك المستوطنات الفينيقية المفترضة هما العرائش وموكادور.

تتموقع العرائش في جغرافية تحيل على الفينيقيين بامتياز، وهي عبارة عن ربوة يتم التحكم من خلالها في مصب واد اللوكوس الخصب. وحسب المصادر الكلاسيكية فضريح "ملقراط" في العرائش كان أقدم حتى من ضريح "كادير". غير أن الحفريات لا تسمح بالعودة إلى الوراء أكثر من القرن التاسع قبل الميلاد. هذا وكانت العرائش مدينة مزدهرة وببصمة هيلينية ورومانية مما يعقد مسألة التعرف على المدينة الفينيقية القديمة فيها والتي نجهل مساحتها وسكانها.

ويتم تفسير اختيار العرائش لعدة أسباب منها: جودة الصيد فيها وميناؤها الطبيعي الممتاز والمتصل بواحد من الوديان القابلة للإبحار فيها في إفريقيا الأطلسية بالإضافة إلى توافر عدد من السكان الأصليين الذين باستطاعتهم توفير الذهب والعاج. وعلاوة عن هذا وذاك، فقد كانت العرائش تتوفر على معادن أخرى من قبيل النحاس والحديد والرصاص والموارد الملحية الواردة من الصحراء ومن منطقة "باروصا".

وكما قيل عن البرتغال، فإن أنواع الخزف تنسجم مع نظيرتها القاديسية مما يطلعنا عن التأثير الاقتصادي الكبير ل"كادير" في العرائش، وعموما، في سائر الثغور التجارية الفينيقية في المغرب الأطلسي.

أما المعقل الفينيقي الآخر الذي توثقه الحفريات في هذه المنطقة فهو موكادور. وكما هي الحال مع العرائش فإن موكادور هي الأخرى تتواجد بموقع يستجيب للشروط التي كان يبحث عنها الفينيقيون. وهكذا، تتربع أساساتها على جزيرة صغيرة أمام اليابسة ومطلة على مصب واد قصوب ذي الأهمية غير الكبيرة. ويبدو أنها كانت مصنعا تجاريا صغيرا ومؤقتا؛ بحيث يتم استعماله من طرف التجار الفينيقيين في تبادلهم التجاري مع سكان المناطق الداخلية، وذلك بالنظر إلى أنه داخل الموقع الأثري لم يتم العثور على قواعد أو بنيات سكنية صلبة سوى بقايا أو رسوم لمساكن وأرصفة قد تكون جزءا من حوانيت وأكواخ وبراريك. كما كان هذا المكان فضاء لتوظيف مخترعاتهم في مجال الصيد، وهو الشيء الذي تشهد عليه بقايا الحيتان الضخمة والأسماك التي تم العثور عليها في الحفريات.

إن أحسن شيء تم العثور عليه في موكادور كما هو الحال بالنسبة لباقي المواقع الفينيقية بالسواحل الأطلسية هو خزفها الذي يتناغم مع نظيره بالعرائش وب"كادير" بالجنوب الغربي لشبه الجزيرة الإيبيرية. ويتشكل هذا الخزف من الصحون الفينيقية ذات اللون الأحمر والقصاع الرمادية والثريات وكؤوس بشكل صليب أسود وبعض الحاويات المشبكة اللامعة التي تدخل في نطاق الديكور وغيرها.

جدير بالذكر التنبيه على وجود لوحة مستطيلة مصنوعة من الحجر تم تأويلها على أنها حجر طقوسي والذي يمكن ربطه بالشواهد أو اللوحات التي كان يشهرها الفينيقيون في بعض المواقع المتوسطية تخليدا لتأسيس مستوطنة ما.

كخلاصة، نتبين أن هذا التأثير لمنطقة قاديس في مواقع الساحل الأطلسي المغربي كما في الموقع البرتغالي ينم عن أمرين مهمين: الأول هو أن قرطاجة لم تمارس أي تأثير لا اقتصادي ولا حتى سياسي على المستعمرات الفينيقية على طول الساحل الأطلسي الإفريقي، وهو الأمر الذي لا نستطيع قوله فيما يتصل بالمستوطنات المتواجدة في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، كما يشير إلى ذلك سقوط "أوتيكا" خلال القرن السادس قبل الميلاد أمام التأثيرات السياسية لقرطاجة القوية حنذاك. أما الثاني فهو وجود مجتمع فينيقي منذ زمن غابر بين الحضارة الفينيقية المستوطنة في جنوب إسبانيا، بحيث تبرز "كادير" كمركز دينامي هنا، وباقي المستوطنات في الغرب الأقصى الإفريقي.

وكي نختم، فإنه من اللازم الإشارة إلى اكتشاف موقعين فينيقيين صغيرين حاليا في وهران، أي جزيرة رشقون ومرسى مداخ واللذين من المحتمل أنهما كانا مخصصين للتجارة والصيد وفي نفس الوقت كانا يلعبان نقطة دعم وارتكاز من أجل الإبحار نحو قاديس وجبل طارق. وقد أثبتت الحفريات في هذين الموقعين كذلك نفس التأثيرات القاديسية التي أشرنا إليها سابقا.

*بيبليوغرافيا:

        Grass, M. et alli, El universo fenicio. Mondadori.

        Corzo, R., Los fenicios, señores del mar. Historia 16. Madrid 1994.

        Lancel, S., Cartago. Crítica. Barcelona 1994.

        Liverani, M., El Antiguo Oriente. Historia, sociedad y economía. Crítica. Barcelona 1995.

        Belén, M. y Chapa, T. La edad del Hierro. Síntesis. Madrid 1997.

        Wagner, C. G., Los fenicios. Akal Historia del Mundo Antiguo. Madrid 1989.

      El próximo Oriente Antiguo. Vol. I. Síntesis.

        Blázquez. J. M. y Castillo, A. Manual de Historia de España. Vol. I. Prehistoria y Edad Antigua. Espasa-Calpe.

        Montenegro, A., et alii, Historia de España. Vol. II. Colonizaciones y formación de los pueblos prerromanos (1200-218 a.C.). Gredos.

        García Alfonso, E., Los fenicios en la costa de Málaga. Revista de Arqueología. Año X. Número 103. Noviembre 1989.

        Torres Ortíz, M. La cronología absoluta eoropea y el inicio de la colonización fenicia en occidente. Implicaciones cronológicas en Chipre y el Próximo Oriente. Complutum, 9, 1998. pp. 49-60.

        Aubet, M. E., El comercio fenicio en Occidente: Balance y perspectivas. En I Fenici: Ieri oggi dommi. Riserche, scoperte, progetti (Roma 3-5 Marzo 1994). Publicado por el Istituto per la Civitá Fenicia e Punica del Cosiglio Nazionale delle Riserche. Roma 1995.

      Tiro y las colonias fenicias de Occidente. Edición ampliada y puesta al día. Crítica. Barcelona 1997.

- Frankenstein, S., Arqueología del colonialismo: el imperialismo fenicio y griego en el sur de la Península Ibérica y el suroeste de Alemania. Crítica.

Montenegro, A., et alii. Historia de España. Vol. II. Colonizaciones y formación de los pueblos prerromanos (1200-281 a.C.). Gredos. p. 81.

Blázquez, J. M. y Castillo, A. Manual de Historia de España. Vol I. Prehistoria y Edad Antigua. Espasa- Calpe. pp. 88-89.

Wagner, C. G., El Próximo Oriente Antiguo. Vol. I. Síntesis. pp. 155-157.

Liverani, M., El Antiguo Oriente. Historia, sociedad y economía. Crítica. Barcelona 1995.

Liverani, M., op. cit.

6 Liverani, M., op. cit.

7 Frankenstein, S., Arqueología del colonialismo: el imperialismo fenicio y griego el sur de la Península Ibérica y el suroeste de Alemania. Crítica.

8 Aubet, M. E., Tiro y las colonias fenicias de Occidente. Edición ampliada y puesta al día. Crítica. Barcelona 1997. pp. 70-91.

9 Aubet, M.E., op. cit. p. 78.

10 Aubet, M. E., op. cit. p. 89.

11 Aubet, M. E., op. cit. p. 90.

12 Corzo, R., Los fenicios, señores del mar. Historia 16. Madrid 1994.

13 Aubet, M.E., op. cit. p. 144.

14 Aubet, M. E., op. cit. p. 150.

15 Corzo, R., op. cit. p. 81.

16 Aubet, M. E. op. cit. p. 152.

17 Corzo, R., op. cit. p. 81.

. Aubet, M.E., op. cit. pp. 156-157.

19 Aubet, M.E., op. cit. pp. 177-187.

20 Lancel, S., Cartago. Crítica. Barcelona 1994.

21 Torres Ortíz, M., La cronología absoluta europea y el inicio dela colonización fenicia en occidente. Implicaciones cronológicas en Chipre y el Próximo Oriente. Complutum, 9, 1998. p. 50.

25 Grass, M. et alii., El universo fenicio. Mondadori.

26 Grass, M. et alli., op. cit. p. 70.

27 Grass, M. et alli., op. cit. p. 76.

28 Grass, M. et alii., op. cit. p. 71.

29 ibidem.

30 García Alfoso, E., Los fenicios en la costa de Málaga. Revista de Arqueología. Año X. Número 103. Noviembre 1989.

31 García Alfoso, E., op. cit., p. 35.

32 Grass, M., et alli., op. cit. pp. 79-80.

33 ibidem.

34 Aubet, M. E., El comercio fenicio en Occidente: Balance y perspectivas. En I Fenici: Ieri oggi dommi. Riseche, scoperte, progetti (Roma 3-5 Marzo 1994). Publicado por el Istituto per la Civitá Fenicia e Púnica del Consiglio Nazioale delle Riserche. Roma 1995. p. 232.

35 Aubet, M. E., Tiro y las colonias fenicias de Occidente. Edición ampliada y puesta al día. Crítica. Barcelona 1997.

36 Aubet, M. E., op. cit., pp. 54-57.

37 Aubet, M. E., op. cit. pp. 185.

38 Aubet, M. E., op. cit. p 193.

39 Aubet, M. E., op. cit. pp. 202-203.

40 ibidem.

41 Corzo, R., op. cit. p. 96.

42 Corzo, op. cit. p. 97.

43 Aubet, M.E., op. cit. p. 205.

44 ibidem.

45 Corzo, R., op. cit. p. 96.

46 Aubet, M. E.,op. cit. p. 206.

47 ibidem.

48 Aubet, M. E., op. cit. p.207.

49 Aubet, M. E., op. cit. pp. 211-213.

50 Aubet, M. E. op. cit. pp. 227-228.

51 Aubet, M. E., op. cit. pp. 255-258.

52 Aubet, M. E., op. cit. pp. 258-260.

53 Lancel, S., op. cit. pp. 25-27.

54 Aubet, M. E., op. cit. 266-267.

55 Belén, M. y Chapa, T., op cit. pp.201-202.

55 García Alfonso, E. op. cit.

*هذا اسم مستعار للذي بعث هذه الدراسة لموقع إلكتروني إسباني هو: (El rincón del vago). وهي دراسة من 31 صفحة في ملف (pdf). وسيد الأريكة هي ترجمة حرفية للأصل: (El señor del Sofá ). والعنوان الأصلي للدراسة هو (الاستعمار الفينيقي أي Colonización fenicia)، وقد اقتطفنا منها هذا المحور الذي يحمل العنوان أعلاه فقط.

بقلم: سيد الأريكة

ترجمة: لحسن الكيري

كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء - المغرب.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3409 المصادف: 2016-01-05 01:43:35