المثقف - قضايا

هل يحقّ للإمام الاعتراض على الإمام؟!

ربّما لا تسمح المنطلقات الكلاميّة للفقيه الشيعي بقراءة بعض النصوص الروائيّة قراءة تجريديّة فاحصة، فيضطر الفقيه في أغلب الأحيان إلى تأويلها أو إسقاطها عن الحجيّة؛ بغية الحفاظ على تلك المنطلقات الكلاميّة الموروثة، مع أنّنا بحاجة ماسّة إلى تحويل هذه النصوص إلى منبّهات منهجيّة تحدو بنا إلى إعادة النظر في تلك المنطلقات الكلاميّة، ومواءمتها مع الحقيقة كما هي، لا مع الحقيقة كما نريدها أن تكون.

سنحاول اليوم أن نتحلّى بشيء من الجرأة (البحثيّة) وأتمنّى التركيز على ما بين معقوفتين؛ لنقرأ روايةً صحيحة السند، قراءة (ربّما) تختلف عن النظرة الشيعيّة لطبيعة علم الإمام (ع) واجتهاده، ونعود بعد ذلك إلى ذكر الاستفهام الأساس الذي حدا بنا إلى ذكرها:

روى الشيخ الطوسي في الاستبصار والتهذيب عن شيخ الطائفة ووجيهها: سعد بن عبد الله القمّي، عن الإماميّ الثقة: أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، عن الإماميّ الثقة: الحسين بن سعيد الأهوازيّ، عن الإماميّ الثقة: حماد بن عيسى الجهني، عن الإماميّ الثقة: عمر بن أذينة، عن الإماميّ الثقة: زرارة بن أعين، قال:

«كنت قاعداً عند أبي جعفر الباقر (ع)، وليس عنده غير أبنه جعفر [الصادق (ع)]، فقال [لي الباقر]: يا زرارة إنّ أبا ذرّ وعثمان تنازعا على عهد النبيّ (ص)، فقال عثمان: كلّ مال من ذهبٍ أو فضّةٍ يُدار به ويُعمل به ويُتّجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول [السنة]. فقال أبو ذر: أمّا ما اُتّجر به أو دِير وعُمل به فليس فيه زكاة؛ إنّما [تثبت] الزكاة فيه إذا كان ركازاً أو كنزاً موضوعاً، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة... فاختصما في ذلك إلى النبيّ (ص)، فقال: القول ما قال أبو ذر».

ولا مشكلة مع هذا النصّ إلى هذه الّلحظة من حيث ما نريد، وإنّما تبدأ المشكلة مع بقيّته؛ فحينما سمع الإمام الصادق (ع) هذا الكلام من أبيه الباقر (ع) وبحضور زرارة فقط، اعترض عليه بشدّة، ورأى إن إظهار هذا الكلام إلى الناس يحمل لازماً غير مستساغ؛ إذ سيمتنع الناس حينئذٍ عن دفع زكاة أموالهم إلى الفقراء والمساكين بحجّة عدم وجوب الزكاة فيها ما دامت متحرّكة، [كما هو حاصل عند الشيعة بالفعل اليوم]...، وبالتالي فالظاهر: إن الإمام الصادق (ع) يرى: إن الصحيح الذي ينبغي أن يسود في ظلّ ظروفهم ومعاناتهم (عليهم السلام) هو رأي عثمان... لنقرأ معاً نصّ الاعتراض الذي ينقله لنا زرارة بن أعين:

«فقال أبو عبد الله [الصادق] (ع) لأبيه [الباقر] (ع):

ما تريد إلى أن تُخرج مثل هذا فيكفُّ النّاس أن يعطوا فُقراءَهم ومَساكينَهم؟!

فقال [له] أبوه [الباقر] (ع): إليك عنّي، لا أجد منها بُداً». تهذيب الأحكام: ج4، ص70ـ71.

أي: تنحّ وكفّ عن طرح مثل هذا السؤال؛ فليس لي خيار آخر غير ذكر ذلك.

وفي ضوء هذه الرواية ذات السند الأعلائيّ الصحيح أقول:

مهما كان التفسير الذي سنختاره لتفسير الاعتراض الذي سجّله الصادق (ع) على أبيه الباقر (ع) في تلك الجلسة، ومهما كان التأويل الذي سنختاره في توجيه انسجامه مع العصمة بقراءتها الشيعيّة المعاصرة، وسواء أ كان للإمام (الأبن) الحقّ في الاعتراض بهذه الطريقة على الإمام (الأبّ) أم لم يكن له مثل هذا الحقّ أصلاً... جميع ذلك لا يهمّنا في هذا المقال، ولكن الذي يعنينا هو التفتيش عن إجابة للسؤال التالي:

لنفترض جدلاً إن الإمام الصادق (ع) لم يكن حاضراً في مجلس زرارة والباقر (ع) في أثناء هذه المحاورة، وقدّم له زرارة بن أعين بعد ذلك استفتاءً حول زكاة النقدين، فهل سينقل له الصادق (ع) نفس فتوى أبيه الباقر (ع) التي اعترض عليها في هذه الرواية، أم سيُقدّم له (فتوى) أخرى تنطلق من رؤيته الاجتهاديّة التي طرح مستندها أثناء مناقشته لأبيه الباقر (ع)، أي فتوى: لا تُعطي للناس مبرّراً للكفّ عن إعانة فقرائهم ومساكينهم؟!

وبغض النظر عن جميع الأجوبة التأويليّة التي ستُطرح لهذا الاستفهام الجادّ، إلّا أنّي كنت أصغي إلى هذه الرواية في بحوث الخارج الفقهيّة مع حذف هذا الذيل من الرواية عادةً، أي: الاعتراض الذي سجّله الإمام الصادق (ع) على أبيه الباقر (ع)، وقد كنت حينها أتمنّى على الفقهاء من أساتذتنا أن يفتحوا كوّة للنقاش الحرّ حول هذا الذيل المهمّ من الرواية، لكنّهم لم يذكروا الرواية إلا للتفتيش عن حكم فقهي جزئي، وتجاوز (أغلبهم) ذكر هذا الذيل أصلاً؛ لمجموعة أسباب ربّما يكون أهمّها: إن سياقات الحوزة والمذهب لا تسمح بذلك، ولكونه خارجاً عن صلب الموضوع الفقهيّ، وهذه من آفات البحث الفقهي الذي يحيّث النصوص الدينيّة؛ ليسقط جميع الحيثيّات ليحتفظ بالحيثيّة الفقهيّة فقط، وسأبقى أنافح من أجل تخليص نصوص أهل البيت (ع) من سطوة المنهج الفقهي المأوّل لها، مع أنّها أجلى من الشمس في وضح النهار.

ملاحظتان أساسيّتان:

الأولى: لقد وظّفت مفردة (الفتوى) في وصف (بعض) الأحكام الصادرة من أهل البيت (عليهم السلام)، مع إن هذا الأمر خلاف توجّهات المذهب الشيعي بقراءته المعاصرة، وإنّما قمت بذلك: انسياقاً مع تعبيرات الشهيد الأوّل في كتابه القواعد والفوائد، حينما نصّ بصريح العبارة قائلاً: (إن فتاوى أهل البيت (ع) مشحونةٌ بالتقيّة)؛ وربّما يساعد مثل هذا التعبير على تقديم تفسير معقول لذيل الرواية، ولا يعني ذلك إيماني به بشكل مطلق وعامّ.

الثانية: علمتنا هذه الرواية على ثقافة الحوار والاعتراض؛ فقد اعترض فيها الصادق (ع) على أبيه الباقر (ع) وبشدّة أيضاً، فلماذا يعقد (بعض) المنتفعين مجلساً للبكاء والعويل حينما نقدّم نقداً (علميّاً) لبعض الفقهاء والمراجع مثلاً، أو ليس هذه الثقافة كانت سائدة بين الأئمة أنفسهم (عليهم السلام) فكيف بمن هو دونهم بآلاف المرّات؟!

 

ميثاق العسر

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) قرآن كريم .
..................................................................
الرواية في جزئها الأوّل تقلب الأمر، فتمنح عثمان دوراً هو لأبي ذرّ (رض) ، و هذا ما يُلقي ضوءاً من الشكِّ عليها، و إنْ كان السند صحيحاً !!
أبو ذرّ نُفي لأنّه ثار على سياسة عثمان في توزيع الثروة، أفليس عجيباً أنْ تقلب الرواية الدور على صعيد التوجّه النفسي ؟!!
...................................................................
المهمّ أنّ القرآن قبل هذه الرواية يفتح الباب على سعة العلم و تطوّره، لا جموده، و هو ما نشهد نقيضه هذه الأيام، على صعيد فقهٍ يستنسخ نفسه لدى بعض الفقهاء على مرّ العصور !
تحياتي لك.

عمّار المطّلبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3410 المصادف: 2016-01-06 01:36:31