المثقف - قضايا

الرؤية المختلة والسلوك المضطرب!!

لكل مشروع يُراد إنجازه رؤية تحدد معالم المسارات اللازمة لنجاحه، وفي الحالة العراقية ومنذ دخول (مود مدعيا التحرير لا الفتح) إلى بغداد وحتى اليوم، هناك إختلال في الرؤية، أدى إلى تداعيات سلوكية متواصلة ومتفاقمة، وإنهيارات متنوعة ذات تأثيرات متعاظمة.

وقد وضع الحجر الأساس لهذه الرؤية المختلة، قوى ذات مصالح ستراتيجية بعيدة المدى أسهمت في الحفاظ عليها وتطويرها، ولاتزال تسعى في مسيرة تعميق الإختلال والإستثمار الأقصى فيه.

وقد تحدّث أول ملك للبلاد بالرؤية التي أريد لها أن تتنامى وتتطور، فعمل بها جميع الذين أعقبوه، ومضت البلاد تجتهد في منطلقات ومفاهيم الإختلال، حتى إنتهى بها الحال إلى ما أصابها من مساوئ الأحوال وخسران المآل.

وبسبب إختلال الرؤية، أصبحت البلاد عرضة للقوى التي تريد تنمية مصالحها وبناء حالتها المطلوبة. وانطلقت الأجيال بتوصيفاتها وتحليلاتها وإجتهاداتها المقيَّدة بالرؤية المختلة أو المنحرفة، والتي ما قدمت بسببها ما هو نافع للبلاد والعباد.

وخلاصة تلك الرؤية نفي وجود الشعب والوطن، وهذا يعني إنتفاء بناء الدولة والدستور والقانون، والتفاعل وفقا لمفاهيم ومعايير قبلية وعشائرية وعائلية وغيرها، لتحقيق قدرات الشعور بالأمان للذين يتحركون في صحارى وغاب الزمان.

مما أدى إلى ميوعة مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية، وتحويل الناس إلى مجاميع تعاني من وجودها في بلدها، وحدى بنسبة كبيرة من أبناء البلاد إلى الرحيل والغياب في مجتمعات أخرى.

وأصبحت التفاعلات ذات إندفاعات تحزبية وفردية وإستبدادية قاهرة ومهلكة، ودامية في مسيرة الحياة السياسية، التي ما عرفت معنى السياسة أبدا، وإنما هي إنقلابات وصراعات وإنتقامات وقتالات للإستئثار بالمناصب والقوة، والإستحواذ على المال الذي يوفره النفط بلا عناء.

ولا يمكن تبرئة أي نظام حكم في البلاد من الخطايا والآثام والجرائم التي إرتكبها بحق ذاته وموضوعه، لأنها جميعا، مشوشة الرؤية، وإن عرفتها فأنها تنحرف بها إلى ما يحقق الإختلال المطلوب، الذي يُراد تأمينه لتحقيق أهدافه الخفية والعلنية.

ولهذا فلا يمكن لأية قوة داخلية أن تعمل بما يحقق المصالح الوطنية، وإنما لا بد من التداعيات والخسران، وهذا واضح بسطوع متنامي منذ سقوط الحكم الملكي وحتى الآن.

فالرؤية الوطنية يتم الإجهاز عليها ومناهضتها وتحويرها وترويضها وإتلافها ونسفها، وتحويلها إلى حالة أخرى تتناقض مع ما تنطق به وتريد الإنطلاق إليه.

وهذا يلخص ما جرى ويجري وسوف يجري على أرض البلاد، التي يدور فيها ناعورالتفاقم والإحتدام على مدى عقود قاسيات وأخرى آتيات، ولن يتوقف هذا الناعور، إن لم تتحدد الرؤية الوطنية الصادقة التي يؤمن بها الإنسان، ويتعهدها بالحرص والتفاني والعمل الوطني الجماعي البنّاء، الذي يؤكد إرادة المصلحة الوطنية الجامعة، التي ترعى حقوق المواطن وتحمي معاني المواطنة وتصونها من الإنحرافات والتشويه والإمتهان، لكي يشعر الإنسان بقيمته ومسؤوليته ودوره في بناء الحاضر والمستقبل.

وقد نُشِرَتْ المقالات والتحليلات على مدى العقود، وما تغير الحال، بل يُنسج بذات المنوال، فلا بد من الإرتقاء إلى رؤية حضارية إنسانية وطنية معاصرة، تكفل مصالح الإنسان وتصونه من أعاصير الويلات والعناءات التي أثقلت كواهل الأجيال كافة!!

فما هي رؤيتنا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3413 المصادف: 2016-01-08 23:57:05