المثقف - قضايا

نقد الحضور الفلسفي العراقي المعاصر

raid jabarkhadomيشغلني كثيراً التساؤل عن مدى حضور الفلسفة والفيلسوف في الواقع العراقي المعاصر، وما مدى وجود المشاريع الفلسفية والفكرية للمفكرين والاساتذة والمثقفين العراقيين، وما مدى تقارب او تباعد الفكر والخطاب الفلسفي العراقي من الخطاب الفلسفي الغربي والعربي المعاصر، وهل هناك مشاريع فكرية فلسفية عراقية معاصرة ام لا وجود لذلك، وأين وجودنا في خارطة الفكر والفلسفة والثقافة العربية والعالمية؟ فمثل هذه الاسئلة والاجوبة عليها تقودنا الى أثبات هويتنا الفكرية العراقية، ومدى رؤيتنا لمشكلات العصر، والتحديات الكبرى التي تواجه العالم. وهذا ما نريد الاجابة والتعرف عليه ولو بشكل بسيط في مقالنا هذا، والوقوف على كل ذلك بعمق واستقراء يحتاج الى دراسة مستفيضة وجادة نتمنى معالجتها في مقام آخر.

قصة الفلسفة، الاكاديمية في العراق بدأت بافتتاح اول قسم للفلسفة في العراق في العام 1949 في كلية الآداب ـ جامعة بغداد، في فترة الحكم الملكي، وقد تخرج منه مجموعة من الطلبة ممن اصبحوا اساتذة وباحثين فيما بعد، وافتتحوا اقساماً للفلسفة في جامعات عراقية مختلفة، وكان ذلك بدءاً من العام 1992، حيث تم تأسيس اقسام الفلسفة في جامعات المستنصرية والكوفة والبصرة والموصل وواسط والسليمانية واربيل، وهي اقسام تخصصية، فضلاً عن تدريس الفلسفة في اقسام علمية اخرى من الجامعات، وتدريس مادة الفلسفة في المدارس الاعدادية. والمعروف ان لقسم الفلسفة في جامعة بغداد الريادة الكبرى في اسبقية التأسيس، وفي تزويد اقسام الفلسفة الجديدة بالكادر التدريسي من حملة الشهادات العليا.

وقد كان الكادر التأسيسي والتدريسي لقسم الفلسفة في جامعة بغداد من الاساتذة العرب والاجانب، وترأس البير نصري نادر، قسم الفلسفة، وكان لهم الاثر الكبير في التأسيس والتدريس .

ولا نريد هنا العرض لقصة تأسيس اقسام الفلسفة في العراق، وتسليط الضوء على اساتذتها ومناهجهم الفلسفية ومؤلفاتهم ومنجزاتهم البحثية في مجال الفلسفة، فقد كَتب وكُتب في هذا المجال من قبل الاساتذة والباحثين، في كتبهم ودراساتهم، ولكننا هنا نؤد السؤال وبجرأة هل لاساتذة الفلسفة والمختصين بها من مشاريع فكرية وفلسفية كبرى استطاعت ان تشغل حيزاً فكريا واجتماعياً وثقافياً، وهل كانت لطروحاتهم ثقل يوازي الطروحات الفلسفية الغربية والعربية المعاصرة، ام اكتفى اساتذة الفلسفة بالبحث والتأليف والتدريس، في مجال عملهم الوظيفي، وبعد ذلك حين غادروا العمل وتقاعدوا، تركوا الفلسفة والقراءة والتواصل الفكري والثقافي، واكتفوا بالحياة العائلية والاجتماعية، والعيش بهدوء واطمئنان ما تبقى من حياتهم المباركة ؟ ما الذي اضفناه للفلسفة بقدر ما اضافته لنا، وهل فعلاً اضافت الفلسفة لنا شيئاً في ممارسة حياتنا وطريقة سلوكنا وكيفية التفكير بصورة منطقية وسليمة جادة ونافعة ومخلصة، وهل انقذتنا من ذواتنا ورواسبنا القبلية واوهامنا، هل قمنا بمسك معول الفكر والفلسفة لهدم اصنامنا ومسلماتنا ويقيناتنا المطلقة، وهل مارسنا الفلسفة وطبقناها كما تعلمناها، هل صيغت رؤانا الفكرية والجمالية والسياسية والاخلاقية والمنطقية والتربوية والاجتماعية، وفق اسس فلسفية، كما تعلمنا ذلك، ام كنا ببغاوات نردد تلك الافكار والنظريات والفلسفات ونهضمها لا لشيء الا لنحصل على شهادات في الفلسفة فقط ؟ أي عار هذا وأي حال سيء يمارس بحق الفكر والحياة والذوق والوجدان، ندرس لنحصل على شهادة جامعية او لنتوظف بها، نرتقي بأنفسنا دون ان نرتقي بحياتنا ومجتمعنا، أي ان عامل التفرد والفردانية والفردية، محرك للبعض منا بقوة، متناسين ان الحياة اكبر من الذات والفرد، وينبغي ان يكون للآخر مكانة ومساحة في ذات الانسان، لأن وجودنا مشترك في هذه الحياة وليس منفرداً، ويصل حد التفرد والفردانية الى مرحلة الاستبداد بالقرار والرأي والسلوك، لأنه لا يعير اهمية للآخرين وآرائهم ووجودهم، وهذا ما نجده بقوة في مجتمعاتنا العربية والمجتمع العراقي ايضاً، على مستويات كبيرة انطلاقاً من العائلة ووصولاً الى المؤسسة والدولة، وهذا ما يؤدي الى كوارث كبرى لا يحمد عقباها.

اننا نفتقر وبكثرة للشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وهذا طبع تطبعنا به، ليس على المستوى الاجتماعي فحسب، وانما وصل بصورة كبيرة ومؤثرة على المستوى الفكري والثقافي، وهو الاشد تأثيراً على الانسان والحياة والمجتمع، لأن عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين يجعلنا مغتربيين لا عن الآخرين فحسب، وانما عن الحياة ايضاً، والانسان كما قيل (كائن اجتماعي) وهذا ما يميزه عن غيره من الكائنات، كما تميز عنها بالعقل وقيل عنه (كائن عاقل)، أي ان الانسان تميز بعقله وأجتماعيته، عن غيره من المخلوقات، وان فقد هذين العنصرين او احدهما فعلى الانسان مراجعة ذاته لانه غير سوي، وبالتالي فهو يخرج من دائرة الانسانية للدخول في عالم الحيوان، عالم التوحش والافتراس والغاب.

المشروع الفلسفي العراقي المعاصر خجول جداً، سواء كان على الساحة العراقية او على الساحة العربية والعالمية، ولا اقصد بذلك حجم المشاركة في التأليف والبحوث والندوات والمؤتمرات، فهذا الامر وان كان في طور التقدم البسيط والنامي، لكنني اقصد ولادة مشروع فلسفي وفكري عراقي، يحمل الموضوع والفكر والواقع والانسان والمجتمع العراقي اولاً والعربي ثانياً، و النظرة الى مشكلات العالم ثالثاً، بعيون عراقية ناقدة وفاحصة ومحللة، وكيف يقرأ المفكر العراقي مشكلات الواقع والعالم، وما الذي قدمه طوال سنين مضت او للسنين القادمة، ان المشروع الفلسفي العراقي غائب عن الوجود، فمهما كانت الاسماء البحثية والالقاب العلمية، الراحلة منها او الباقية اليوم على الساحة الثقافية والفكرية والجامعية، فأننا نفتقد ونفتقر لوجود مفكر عراقي معاصر ذو مشروع فلسفي وفكري ينتمي للحظة الزمكانية التي نعيشها، وأنا هنا لا هنا لا ادعو لولادة فيلسوف او مفكر موسوعي شامل كما عهدناه في سالف الازمان، بقدر ما اريد وجود مفكر وفيلسوف ينظر للامور نظرة فلسفية ناقدة وفاحصة، نظرة حكيم ومقوم وناقد يبغي تقديم الخير والحق والجمال لنفسه وللآخرين، وهذا ما تحتمه عليه مسؤوليته تجاه الآخرين، وواجبه العلمي والاخلاقي والوجداني ايضاً.

وما ينطبق على الفلسفة في العراق من دور خجول وضعيف وغياب للمشاريع الكبرى، ينطبق على العلوم والفنون الآخرى، فقد غابت المشاريع الفكرية في علوم الاجتماع والنفس والسياسة والاقتصاد واللغة والتاريخ والفن، أي لا وجود لمعالجة القضايا والمشكلات المحلية والعربية والعالمية بعيون عراقية فاحصة وثاقبة، ولا وجود لنظريات وافكار جديدة توازي ما مطروح عربيا وعالمياً، وحضورنا ضعيف جداً سواء في التمثيل للمؤتمرات العربية والعالمية او في طرح الموضوعات وتناولها، وكأننا قد الفنا الحصار والطوق المحاط حول اعناقنا منذ زمن طويل ولم نخرج من عنق الزجاجة، ونحطم ذلك القيد لنحلق في سماء المعرفة والفكر ونثبت وجودنا الفاعل في ممارسة هذه الحياة والتعاطي مع مشكلاتها المتعددة بشكل عقلاني وفلسفي كبير، لا مغادرين للحياة وتاركين لها ومكرهين انفسنا للسير وراء اجوبة تاريخية عنفية وتطرفية جاهزة، صاغها لنا فقهاء الجور ووعاظ السلاطين وعلماء السوء والكراهية.

انني لم اجد في تاريخ الفكر والثقافة العراقية المعاصرة شخص ذو مشروع فكري وثقافي وعلمي رصين، نظر للامور بعين عراقية، وأنطلق من محليته نحو العالمية، غير الدكتور علي الوردي، الذي احدث نقلة نوعية في طريقة تفكيره ومنهجه ومشروعه الفكري، فهو المفكر الوحيد الذي قدم نظرية وفكراُ ومشروعاً عراقياً يشار له بالبنان عراقياً وعربياً وعالمياً، وذلك على مستوى علم الاجتماع والتفكير الاكاديمي، وكانت دراساته قائمة على اساس التاريخ والسياسة والفلسفة وعلم النفس واللغة ايضاً، فهو من وجهة نظري كان يعمل وفق المنهج الفلسفي ويحمل روح الفيلسوف ومعوله، في طرحه ومعالجته موضوعاته وتقييمه للامور. فالوردي هو المشروع العراقي الفريد الذي طٌرح في الزمن المعاصر، في دراسته للفرد والمجتمع العراقي، وكيفية تأثير المجتمع على طريقة تفكير الانسان، وان ظل المشروع الوردي رهين الكتب والبحوث والدراسات، ولم يتم تنوير الفرد والمجتمع العراقي، ولم نتعض او نتعلم من مشروع الوردي شيء يذكر، ولكنها اصبحت حلماً واملاً نشتاق الى تطبيقه في حياتنا ومجتمعاتنا، لأن الوردي ناقد كبير للفكر والتاريخ والسياسة والفرد والمجتمع العراقي المعاصر. وقد اقتفى اثر الوردي مجموعة من المفكرين للتعبير عن افكارهم ومشاريعهم الفكرية، وقد كان مدني صالح احد الاسماء الفلسفية والفكرية الذي سعى لاقامة مشروع فلسفي عراقي، من خلال ما طرحه من أفكار ونقد وتحليل للواقع الثقافي والفكري والادبي العراقي والعربي المعاصر، كما هو في مقالاته وكتاباته ومنها (بعد الطوفان) و(بعد خراب الفلسفة)، وان كنا نطمح بأستكمال مشروعه الفكري والفلسفي، ولكنه رحل عنا وفي روحه وعقله الكثير من المشاريع النقدية الفاعلة لدراسته للواقع ومشكلات العصر واحداث الدهر المتسارعة. ولم اجد من اساتذة الفلسفة والكتاب والباحثين العراقيين المعاصرين ـ رغم كبر قاماتهم البحثية والمعرفية والثقافية وكثرة مؤلفاتهم ـ من يحمل صفة المفكر او الفيلسوف، وانما غلبت عليه صفة الباحث والاستاذ والمعلم، واعطينا مساحة لتاريخ الفلسفة وتدريسها وتعليمها بطريقة ببغاوية، اكثر مما نعطي اهمية للتفكير الفلسفي الصحيح، او لتعليم ذلك التفكير، والدليل على عدم تأثر مجتمعاتنا العراقية والعربية بالفلسفة انها اكثر المجتمعات تقبلاً للتطرف والعنف والكراهية، وعدم تقبلنا للآخر ممن لدينا معه مشتركات وطنية وتاريخية وثقافية ومصيرية ودينية، فكيف بنا نتقبل الآخر الذي لا تربطه بنا سوى رابطة الانسانية، اذن لابد من اثر ايجابي وكبير تتركه الفلسفة على مجتمعاتها ومؤسساتها، سواء في طريقة التعامل والسلوك، او في طريقة صياغة القرار وتطبيقه، او في حق الاعتراف والتنوع والاختلاف واشاعة ثقافة الحوار والسلام والتعايش.

ولا ادري ما هو السبب في توقف الفكر العراقي من انتاجه لمشاريع فلسفية او فكرية عراقية، كما هو في المشاريع العربية والغربية، ولماذا هذا الغياب المزمن دون شعور بالمسؤولية تجاه واقعنا ومشكلاتنا الراهنة؟ رغم ان واقعنا ومجتمعنا فيه من الظواهر والاحداث والموضوعات ما يكفي لصياغة المئات من المشاريع الفكرية والثقافية والفلسفية.

وتبقى مسؤولية اهل الفلسفة اكبر من كل مسؤوليات الآخرين، لأنهم يحملون مشعل الفكر والنقد والتحليل، ولأنه مطلوب منهم، من فكر ونظر وتأمل ومشاريع، اكثر مما هو مأمول من الآخرين، وليس لأهل الفلسفة عذر في ذلك، من خشية سياسية او اجتماعية او دينية، فعلى الفيلسوف تقديم رؤيته وفكره في كل زمان ومكان، ولكن بطريقة فلسفية تحافظ على حياته ومجتمعه وعلى الحياة برمتها، اننا نحتاج لمن يتصدى لذلك كما فعل الفلاسفة في كل عصر ومصر تجاه مشكلاتهم الكبرى وازماتهم المعرفية والاجتماعية والسياسية. نحتاج الى وقفة فلسفية جادة تسهم في انارة الحياة والانسان والمجتمع، لاننا نشهد سيادة للجهل والعنف والكراهية والتطرف والتكفير، يجب ان يكون للفلسفة وقفتها وكلمتها وموقفها تجاه كل ما يحيط بحياتنا المعاصرة من مشكلات وأزمات تربوا يوماً بعد يوم، وتأزم حياتنا وتهدد وجودنا ومستقبلنا، وتنهال علينا افكار عنف وأرهاب وتطرف وكراهية ما انزل الله بها من سلطان، تتغذى على افكار ونظريات مشوهة لا تمت للعقل والمنطق والوجدان بصلة، وتنتشر في مجتمعاتنا انتشار النار في الهشيم.

يجب ان نتخلص من الاسيجة المعرفية والعقائدية والايدلوجية التي تحيط بنا والتي تغلفنا وتوجه افكارنا وسلوكنا، وتعمي عيوننا عن رؤية الحقيقة، ينبغي لنا ان نرتقي بحياتنا ووجودنا ومجتمعنا وواقعنا، عن طريق الشعور بالمسؤولية، ومحاولة انقاذ نزعتنا الانسانية من نزعة العنف والتطرف والكراهية.

وأعول كثيراً على جيل الشباب من اساتذة الفلسفة والفكر والعلوم، ومدى انفتاحهم على الآخرين، ووعيهم بمشكلات عصرهم، وسعة تواصلهم اليوم في ظل التقدم المعلوماتي والمعرفي والثقافي الهائل، من ان يقدم هؤلاء اجوبة وحلول لواقع مجتمعنا وفكرنا العراقي، والسعي الجاد لتصحيح مسارات الفكر والدولة والمجتمع، وهي فرصة ثمينة لأثبات وجودنا وتحقيق هويتنا، واغتنام الحرية الفكرية التي نعيشها اليوم، لبناء مشاريع وصياغة ستراتيجيات فكرية تنويرية تنقذنا مما نحن فيه من ظلام دامس. فواقعنا ومجتمعنا وعالمنا يحتاج منا اليوم وقفة جادة وصادقة، لأصلاح تلك المنظومات التدميرية التي تسود العالم، واشاعة خطاب العقل والحياة والتنوير ضد خطاب الجهل والقتل والدم والارهاب، حقاً ان الحياة ووجودنا المقدس يحتاج لمثل تلك الوقفة المشرفة، والتي يمسك زمامها المفكر والفيلسوف والمثقف المتسلح بالحب والخير والجمال، لبناء عالم انساني يقوم على اساس التسامح والسلام والتعايش.  

 

د. رائد جبار كاظم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3417 المصادف: 2016-01-13 00:31:30