المثقف - قضايا

المرأة العربية.. حريتها بداية مشاكلها

mustafa almeghraouielقيل قديما عن المرأة: إذا أردت أن تعرف مدى تطور مجتمع من المجتمعات، فانظر إلى موقع المرأة منه ومكانتها فيه، وقيل عنها أيضا: إن التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها، ومن هنا نستطيع أن نلمس عن كثب أهمية مركز المرأة، وخطورة رسالتها ومحورية الدور الذي تضطلع به ، لتشكيل صورة مثالية لمجتمع القيم و الفضيلة.

إذا كان كل بناء لا يستقيم عماده الانهيار، فان ذلك ينطبق على وضعية المرأة، التي لا زال حل معضلتها مستعصيا على الأفهام، وذلك بسبب عدم الاعتراف الكلي بحقها الذي وهبته لها الطبيعة، على الرغم من التقدم الهائل في المنظومة الحقوقية الذي بلغه الإنسان، وهذا أمر قد يعوقها حتما عن القيام بوظيفتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية إلى جانب الرجل ، الذي يتفوق عليها كثيرا في هذا المجال.

فلكي تعزز حضورها بشكل قوي، يجب أن يُفسَح لها المجال وتُعَدَّ للقدرة على تنفيذ ما يُطلب منها ، ولن يتم ذلك إلا بتظافر مجموعة من الشروط، وعلى رأسها تحرر الرجال أنفسهم من روح الجمود العتيق الذي يُطوِّق بصرهم ويحد من بصيرتهم.

إذا كانت المساواة بين الجنسين أمرا يضمن سلامة المجتمع، من جملة أمراض ناتجة عن التخلف والجهل بطبائع الأشياء، فإن من حق المرأة أن تشارك المشاركة المثلى في الصالح العام بالخدمة والفكر والإرشاد والذين يعتقدون أنها تعاني نقصا في القدرة الموجودة عند الرجل، فلأنهم لا زالوا متشبثين بالآثار القديمة الموروثة عن أجيال الاضطهاد وعصور السلطة والجبروت والانحطاط، والتي أورثتها ضعفا في بنيتها الجسدية والذهنية بشكل جعلها تتوهم مـتأكدة من شساعة الفارق الفسيولوجي بينها وبين الرجل.

إن ما أفسدته الدهور والأعوام لا تصلحه الشهور والأيام، فلكي تتجاوز المرأة هذه الوضعية المأساوية، عليها بذل المزيد من الجهود المستمرة بخطى متوالية ثابتة، حتى تكون مهيأة للقيام بجلائل الأعمال وجسيم المهمات، فتحتل بذلك المكانة اللائقة والمركز المرموق لتكسير صورتها النمطية أولا، ثم اكتساح جميع قطاعات الحياة التي كانت ممنوعة عليها ثانيا، للوصول إلى أعلى المستويات، رغبة في محاربة كل أشكال الهيمنة البشعة الممارَسة ضدها.

لكن الذي ناسف له حقا في وطننا العربي، هو وجود شرذمة من المتعصبين الجامدين الذين يرفضون كل صالح، ويميلون إلى النيل من كرامة المرأة، مستغلين أية ثغرة مهما كان حجمها. لذلك نراهم لا يعتبرونها مثالا للفضيلة، لأنهم يعتقدون أن تمتعها بالحرية ، يقودها حتما للامتهان بأنواع الكسب غير البريئة، بسبب الحرية الجنسية المعروضة من خلال جسدها في الشوارع والطرقات، الأمر الذي عاد بها إلى وضعية الجواري، والتي لم تتخلص منها إلا بعد جهد جهيد، وذلك بسبب إذكائها لنشاط الجنس الآخر، ضاربة بعرض الحائط كل المواقف الأخلاقية والاجتماعية بل والدينية أيضا، مما جعل الوصول إليها على مرمى حجر.

ومع ذلك فالاستثناء لا يجب أن يطغى على القاعدة، بحيث أن الأدوار التي تلعبها المرأة كثيرة ومتعددة ومُركبة، وعلى رأسها دور الأمومة، الذي يجب أن يحتل موقع الصدارة من اهتماماتها اليومية، لتغذية الطفل بالغذاء الفكري والنفسي قبل كل شيء، بغية إعداد مجتمع سليم، أما دورها كزوجة فيتجلى في الحفاظ على نواة الأسرة الأولى، والتي نعتبرها مجتمعا مصغرا تنعكس صورته تلقائيا على المجتمع الكبير، أما خارج البيت فقد باتت نِداً للرجل في كل مناحي الحياة ، بل نجدها تتحداه وتتفوق عليه في الكفاءة والبديهة والالتزام.

وعلى الرغم من انتشار كثرة التقاليد الموروثة لتبخيس المرأة، فلابد من مضاعفة مقاومتها لانتزاع بقية الحقوق المهضومة، للتخلص من مشكلاتها والشعور بالثقة بنفسها، غير منقطعة عما يدور حولها، مساهمة في الحياة العامة بفعالية، وهذا أمر محمود ينعكس على شخصيتها، ويجعلها قريبة من صورة المرأة المثالية، بل هي المرأة المثالية ذاتها.

إن تحسين حال المرأة العربية، يجب أن يحظى بكثير من التفكير الاجتماعي، كمحاولة متقدمة لإصلاح المجتمع، وتحويله إلى مجتمع حديث ديمقراطي متساو، يستطيع أن يكسب الرهانات المستقبلية التي تنتظره، ولن يتأتى ذلك إلا بتحرير الرجال والنساء، والتربية على احترام الآخر، فالمصلحة العامة تقتضي استباق الحوادث، وتوجيه المرأة الوجهة الحكيمة العادلة، التي تضمن لها حريتها الكاملة، ككائن له مركزه المرموق وصوته المسموع.

 

مصطفى المغراوي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3421 المصادف: 2016-01-17 01:58:14