المثقف - قضايا

في البحث عن ميثاق أخلاقي للمثقف

said akyourيعد الميثاق بمثابة رابطة من أجل عمل مشترك، وله تعريفات كثيرة لغوية وعلمية وفلسفية ليست هذه الورقة مكانا مناسبا لبسطها ولا موضوعا لها؛ لكن يمكن القول إجمالا أن كل ميثاق كيف ما كان نوعه يحدد الأهداف والوظائف والمسؤوليات أو المبادئ والقواعد الأساسية المتفق عليها من أجل احترامها في الممارسة العملية، ويصبح بناء على ذلك وثيقة مرجعية مؤسسة على تعاقد مختلف الأطراف. فلماذا صفة     الأخلاقية وليست السياسية؟

المعيار هو الصدق مع الذات في البحث عن المشترك مع الغير وتدبير الاختلاف والتسامح باعتبار هذه القيم غاية في ذاتها، خصوصا في ظل ثقافة انقسامية سائدة تثير قضايا شائكة في غير سياقها المناسب، مما يؤجج الصراعات الطائفية والمذهبية ..

إن من دواعي صياغة ميثاق أخلاقي يتوافق عليه المثقفون التحولات التي يمر منها العالم العربي المتسم بفشل المسار السلمي لثورات الربيع العربي، وعودة الأنظمة السابقة بعناوين جديدة وببطش أشد، مما ينذر باحتماء الناس بانتماءاتهم الهوياتية، ولجوئهم للسلاح الذي ما عاد محتكرا من قبل الدولة وخاصية مميزة لها كما يتصور ماكس فيبر، وهو ما يشكل تهديدا للدولة القومية التي تغدو أقرب إلى الدولة الهشة. فهناك " مصادر عديدة للقلق بشأن قدرة مرحلة ما بعد الثورة على تطبيق أهدافها، من دون نشوء تفاهم عام بين الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية الفاعلة حول الأهداف غير المصاغة للثورات".

فجل الدول التي قطعت مع الاستبداد والرأي الأوحد حصنت مسيرتها بالتعاقد السياسي المؤسس على أرضية فكرية وفلسفية من خلال مشاركة فاعلة للمثقفين، ففي فرنسا مثلا سبق الميثاق المذهبي بثلاثية: الحرية والأخوة والمساواة الميثاق الدستوري، كما ضمن اتفاق "التسامح في إطار التعاون" بإسبانيا التوافق حول موقع الدين ودوره في الحياة السياسية. ومن غايات هذا الميثاق الأخلاقي: التأسيس الفعلي لمنظومة فكرية تعترف بالمختلف معه؛ وتترجم من خلال وجود أصوات متعددة لمثقفين ذوي خلفيات إيديولوجية متباينة في أعمال ومؤسسات مختلفة، وهذه المقاربة تحصن المكتسبات وترفع سقف المطالب السياسية والاجتماعية، وتجعل البوصلة النضالية موزعة "على جبهات ثلاث: جبهة الديمقراطية والكرامة والحرية: ضد نظام الاستبداد وهو التحديث الثوري. وجبهة السيادة: ضد التدخل الأجنبي لكون السيادة الوطنية وجهه الآخر. وجبهة المواطنة: ضد مطابقة الانتماءات السياسية بالهويات الطائفية والمذهبية والقبلية، أي ضد تشظية المجتمع المدني والكيان السياسي" الموضوعية وتجاوز أحكام القيمة؛ والتي من أهدافها التقليص من غلواء الايديولوجيا وبناء جسور للتقارب وآليات لتفعيل العمل المشترك. البعد عن الدعائية؛ لأن المثقف في الأصل ليس بشاعر مديح للسلطة أو الحزب أو الطائفة خلاف مثقفي السلطة المدعومين بالدعاية والمال... الخروج من سجن التخصص والخبرة، والالتحام بالناس والدفاع عن حقوقهم ومناهضة الظلم والفساد بشتى أنواعه وألوانه، وهو ما يجعل المثقف ضمير المجتمع. ونقترح كمضامين للميثاق: عدم تشجيع الإرهاب باعتباره استعمالا للعنف المادي في مواجهة الخصم أو تحريض على استعماله مهما كان الاختلاف الفكري أو السياسي، وقد كان موقف سارتر من 'المكارثية' الأمريكية قويا، وكان موقف الكثير من المثقفين معارضا لحكم القضاء الأمريكي بإعدام "آل روزنبرج" بتهمة نقل أسرار ذرية إلى السوفيات سنة 1951. وكانت سابقة أن يحكم بالإعدام على شخص متهم بالشيوعية، وتهديده للأمة الأمريكية. كتب سارتر "يبدي تعجبه لما حدث: "عندما يحكم بالإعدام على اثنين من الأبرياء، فإن ذلك يصبح قضية العالم كله"، كما قال إن الفاشية "ليست بعدد ضحاياها، وإنما بالطريقة التي تقتلهم بها". عدم التكفير العقدي أو التخوين السياسي؛ لأن تكفير المخالف أو تخوينه سيقود حتما إلى حسم الخلاف بالعنف، والدخول في اقتتال داخلي ينذر بنتائج كارثية يؤدي الجميع ثمنها باهضا. عدم إثارة النزعات الطائفية والعرقية والإثنية والقبلية واللغوية بما لا يفسح المجال للاحتراب الداخلي والتدخل الأجنبي وترسيخ التبعية. الانحياز لقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومقاومة التطبيع؛ فالمثقف لا ينبغي أن يحصر نفسه في سجن الدولة القطرية. التأسيس لفضاء التداول الفكري المؤسس للتوافق وحفظ السلم المجتمعي، بما يعزز فاعلية مؤسسات المجتمع المدني وتأثيرها. حل النزاعات بعيدا عن السلطة الحاكمة وليس عبرها، بما يضمن استقلالية المثقفين ومصداقيتهم؛ فالاحتماء بالسلطة وتجيشها ضد الخصوم سيجعل السحر ينقلب على الساحر لاحقا، ولنا في الكثير من التجارب عبرة لمن يعتبر. كل هذا ليحصل لدى المثقف الوعي بذاته ويقتنع بضرورة "إجراء تغيير مثلث: يطال أولا مفهومنا للتغيير ذاته، إذ العالم يتغير الآن، ليس وفقا لنماذجنا بل على نحو يفاجئنا. ويطال ثانيا صورتنا عن أنفسنا، إذ لا يعقل أن يستمر المثقف في تقديم نفسه بوصفه يمثل النخبة الواعية والمستنيرة أو المتقدمة، ممارسا وصايته على القيم والحقوق والحريات، في حين أصبح هو الآن الأقل فاعلية وحضورا على المسرح، قياسا على بقية الفاعلين الاجتماعيين، كرجال الإعلام والأعمال، أو كمهندسي الحواسيب ومصممي الأزياء، أو كلاعبي الكرة ونجوم الطرب. وأخيرا لا مهرب من إجراء فحص نقدي يطال شبكة المفاهيم التي يقرأ من خلالها المثقفون الأحداث". إن اتفاق المثقفين على ميثاق مرجعي والعمل على إنجاحه سينهي صراع الثنائيات المغرضة التي جعلت الكثيرين مصابين بعمى الألوان، فلا يرون إلا الأبيض والأسود: الإسلام في مقابل العلمانية، والديمقراطية لا لقاء لها مع الشورى...كما أن التوافق على ميثاق جامع يتوخى تجاوز الثقافة الانقسامية التي استنفدت طاقة النخب في صراعات لا تنتهي إلا لتبدأ وتتجدد؛ كما يتيح التأسيس للتنافس الفكري والسياسي بأدوات حضارية كمقدمة شرطية لبناء أمة حرة ذات سيادة.

 

الدكتور سعيد أقيور/ المغرب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3442 المصادف: 2016-02-07 02:26:31