المثقف - قضايا

الدنيا مجرى الاختبار والآخرة دار قرار

mohamad ghaniلو أن رسالة الوحي أنزلت على دود القز لإخباره عن دورتي حياته، دورة حياة الدودة سابقة عن دورة حياة الفراشة لانقسم دود القز الى فريقين فريق مصدق بالرسالة وفريق مكذب، ذلك أن مقياس الحياة الأولى غير مقياس الحياة الأخرى، وإنما سيبني القريق الأول يقينه على الثقة بالمبلغ، فالثقة بين المبلغ والمستقبل هي السبيل الوحيد الى التصديق، ولذلك أسس الخالق أسس العلاقة بين رسولنا الأكرم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وبين قومه قريش هي الأمانة حيث اشتهر عندهم بالأمين، وما ذلك الا تأسيس إشاري لما سيقدم عليه فيما بعد من مهمة التبليغ بحياة أخرى لها مقاييس أخرى غريبة عن مقاييس الحياة الدنيا.

حياة أولى لدود القز لصيقة بالأرض وحياة أخرى في فضاء أرحب بأجنحة تساعد على الطيران. فلو أن الله اختبر دود القز بغرس الغرائز واستحكام الهوى ليصرفهم عن الاستعداد للحياة الأخرى بأكل ورق التوت الأبيض- والذي أثبت العلم الحديث أنه سبب تقديم أجود أنواع الحرير- بمقدار معين، وحرم عليها مثلا أكل ورق البرتقال، وورق الخس، حيث يثبت العلم أنه من مأكولات دود القز، لوجدنا أن الدود انقسم في طاعة الأمر الالهي الى قسمين، قسم خاضع وقسم متمرد.

و التصفية أو "قل هو اصطفاء" هي المقصود الأسمى من الاختبار ليعلم كل مجراه، فكذلك حال الانسانية مع الاختبار الإلهي حيث يقول عز من قائل على لسان رجل آمن" وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار "1.

و ما الحياة الدنيا في نظرنا حسب الآية المذكورة الا مجرى الاختبار لابن آدم حتى يخضع لمقياس الجودة، ولله المثل الأعلى طبعا، هل يصلح هذا الانسان أو ذاك للعيش بين شجر الجنة حيث هو نبات أنبته الله من الأرض نباتا "والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا"،2، أم لا يصلح من خلال كروموزوماته وجيناته الا للعيش بين شجر الزقوم،3، وغيره من النباتات الضارة التى لا تصلح للجنة وانما للعيش بين الشجر الضار، حيث من تدبر نسق المصطلحات القرآنية عن الظاهرة الانسانية يجد أن تشبيها الهيا غريبا دوما حاضر للمتوسمين للإشارة لهذا المعنى، فمثل المؤمنين في التوراة "كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار"،4، ومثل الفرية المغضوب عليها في هاته الحياة الدنيا "فجعلها حصيدا كأن لم تغن بالأمس"، يونس24، والمؤمن مدعو دوما لورود ماء التوحيد بواحة المسجد عند قول المؤذن، إن أردت أن يخضر زرعك ليعجب الزراع "من أنبياء وعلماء أولي البصيرة"، "حي على الفلاح".

و هكذا هناك دوما في المصطلح القرآني مقابلة بين صلاح الزرع وبواره ( وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ( الفتح 12، ومقابلة أيضا بين فلاح المؤمن أي اخضرار زرعه وكفره من"كَفَرَ اللَّيْلُ الْحُقُولَ : غَطَّاهَا بِظُلْمَتِهِ وَسَوَادِهِ" ، وتقابل بين مفهوم الشكر والكفر والشكر وهما مفهومان لهما ارتباط وثيق أيضا بالفلاحة والزرع حيث يقال شَكِرَتِ الشَّجَرَةُ : خَرَجَ مِنْهَا الشَّكِيرُ ، أَيِ الْغُصْنُ أَوَّلَ مَا يَظْهَرُ وشَكِرَ الضَّرْعُ : اِمْتَلأَ بِاللَّبَن، كما يقال كَفَرَ اللَّيْلُ الْحُقُولَ :- : غَطَّاهَا بِظُلْمَتِهِ وَسَوَادِهِ، الكُفْرُ : الجحودُ . ونكران النعم.5.

وهكذا فمما يمكن استخلاصه مما سبق، أن الحياة الدنيا هي مجرى اختبار لهذا الكائن الانساني حتى يصطفى المعدن الطيب منه اصطفاء، ليأخذ الصراط المستقيم المؤدي الى الجنة دار قراره، أو يخلط العمل الصالح بالطالح، فيرد حديقة العذاب ليصقل صقلا، فيصبح صالحا آنئذ لحديقة الجنة دار مثواه، أو يكون من صنف لا يصلح البته لجنة الخلد، فيرد صراط جهنم والعياذ بالله، ذلك أن مجرى الاختبار سيكون قد أثبت علميا أنه نبات غير صالح لجنات الخلد، وإنما سيكون عوض ذلك حطب لجهنم" وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا"6، وقد هدى الله النيتة الانسانية عبر شمس النبوة "القرآن والسنة" وقمر "الاجتهاد العقلي" الى المحجة البيضاء "الشريعة" ، فأصبحت واضحة ليلها كنهارها تقول لها "أي للنبتة الانسانية" عليك بورد لااله الا الله تفلحي،7، كما عليك بورد القرآن الكريم وورود واحات التوحيد رياض الجنة من مساجد وحلق الذكر لتكوني من نبات السقي لا من القوم البور، أو عفوا النبات البور،8.

 

د محمد غاني، أكاديمي وباحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا.

........................

الهوامش

1، غافر 38، 39.

2، نوح، 18،17.

3، يتحدث المصطلح عن شجرة الزقوم وأن ثمارها طعام الأثيم وتسميتها مشتقة من تزقم الطعام أي ابتلعه مما يفيد الألم القسر في الابتلاع وهو مصطلح يتعلق بما يتحدث عنه المقال من ارتباط الانسان بالفلاحة والزرع والاثمار أو البوار.

4، الفتح، 29.

5، انظر موسوعة قاموس المعاني الالكتروني.

6، الجن 15.

7، اشارة الى الحديث الشريف روى ربيعة بن عباد الديلي رضي الله عنه وكان جاهلياً فأسلم، قال( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا،

ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، وهو لا يسكت، يقول: أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 15448

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3442 المصادف: 2016-02-07 11:43:19