المثقف - قضايا

الاحتجاج سلوك بشري !!

hamid taoulostالإنسان ليس آلة من حديد بلا تفكير أو إحساس، تؤمر فتطيع، بل هو كائن من لحم ودم ومشاعر وإحساسات، عضة بعوضة تؤلمه، وكلمة جارحة تؤرقه، وابتسامة صادقة تنسيه كل همومه، لكن حين تضيق به الظروف، وتتأزم عليه الأوضاع الاجتماعية، ويحس بالضغط والظلم، ويشعر باليأس والقنوط وفقدان الأمل، ويعجز عن رد الاذى عن نفسه ودويه بامكانياته الخاصة، المادية والروحية والفكرية، فإنه، يلجىء للاحتجاج، ويستخدم طاقة الصراخ الكامنة بدواخله، للتعبير عن تمرده على واقعه، ورفضه لما يتعرض له من ظلم وتعد، وتحديه للقهر المسلط عليه من طرف الانظمة الحاكمة والسطات السياسية او الاقتصادية، طلبا لرفع الحيف عنه، وتحقيق مطالبه الشعبية السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية او الثقافية، الشخصية،الفردية منها او الجماعية، ويقودم بذلك، عادةً، في الساحات أو الميادين أو الشوارع أو المناطق ذات الشهرة الواسعة، الكفيلة بايصال صوته إلى أغلب شرائح المجتمع، كالشوارع والساحات المقابلة للبرلمانات والقريبة من الوزارات وباقي المؤسسات الحكومية المسؤولة عن شأنه، كميدان التحرير بمصر، أو الهايد بارك Hyde Park بالمملكة المتحدة ،الذي اشتهر بوُجودِ ما يُسمَّى محليًا زاوية المُتحدثين" Speakers Corner وهو المكان الذي يجتمعُ فيهِ المُتحدثون كل يوم أحد لإلقاء كلماتهم أو مُحاوراتهم حول موضوعٍ مُعيَّن بِكُلِّ حرية..

والاحتجاج سلوك سائد في معظم المجتمعات البشرية المتقدمة والمتحضرة، التي يعد فيها التعبير عن الرأي سمة أساسية وحضارية، وتقدما إنسانيا لدى الدول الديمقراطية، التي يكون فيها التفاههم والتفاوض والقانون هو الحكم والمرجع في كل الخلافات والإتفاقات .

وقد عرفت الاحتجاجات أشكالا متعددة وأنماطا متنوعة قد لا تخطر على بال، وصلت في بعضها إلى حدود لا يمكن قبولها في مجتمعاتنا، نظرا للعادات والتقاليد المتوارثة، كالاحتجاج بالعري " la nudité" الذي له جدور ضاربة في تاريخ الحركات النضالية الألمانية التي تجد منهلها من ثقافة فلسفية معروفة في ذلك العصر، والذي يعني معنى " أكره "عند مناضلي اليسار الالماني الأكثر تبنيا لهذا الاجراء، حيث كانوا يخرجون نساءا و رجالا حفاة عراة للتعبير عن ارائهم ومواقفهم ورفضهم خاصة في القضايا الاكثر اثارة للغضب الشعبي، إذ ليس هناك من طريقة انجع للتعبير على مناهضة القرارات السياسية والنخبوية - حسب اصحاب هذا الاسلوب - أكثر من اظهار عورات المحتجين، وهذا الأسلوب ليس جديدا،كما يتبادر للأذهان، بل يعود تاريخ الاحتجاج بالتعري إلى فترة ما قبل العصور الوسطى وتعتبر الليدي جوديفا أول مثال على ذلك عندما قامت بركوب صهوة حصانها عارية في مدينة كوفنتري البريطانية وذلك من أجل إقناع زوجها حاكم المدينة بتخفيض الضرائب على سكان المدينة. وقد عرفت ساحل العاج في عام 1949، خلال عهد الاستعمار الفرنسي تجرد المئات من النساء من ملابسهن احتجاجا على السلطات المحتلة مطالبةً بحرية القادة السياسيين وأزواجهن المعتقلين،

وفي عام 1992 انضمت الناشطة الكينية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام وانغاري ماثاي الى احتجاج مجموعة من الأمهات المسنات من المناطق الريفية لإطلاق سراح أبنائهن وعندما هاجمت الشرطة المتظاهرات بالعصي والغاز المسيل للدموع، تجردت وانغاري والنساء الأخريات من ملابسهن كأسلوب ضغط على السلطات الكينية.

وقبل أيام تعرى البرلماني المكسيكي في البرلمان إحتجاجاً على فساد حكومته، ونفس الشيء فعل قبله ادريس الراضي رئيس الفريق الدستوري بمجلس المستشارين الذي عرى كرشه احتجاجا على اسفزاز رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، له بكلام قاسي بسبب اعتراض الراضي عن خروج بنكيران عن الموضوع .

وبعيدا عن الاحتجاج بالتعري بشكل كامل أو جزئي كوسيلة لإثارة الانتباه أو إظهار السخط من سياسة أو قانون ما بطريقة سلمية، الذي مارسه عدد كبير من المواطنين حول العالم، نساءًا ورجالًا.

انتشر في السنوات الأخيرة أسلوب احتجاجي جديد وخطير لافت ومثير للاهتمام، أنتجته الثورة المعلوماتية والإعلامية التي حدثت في السنوات العشرين الاخيرة، وهو الاحتجاج عبر الشبكة العنكبوتية وما رافقها من شبكات أسطورية مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب ومحركات البحث الجهنمية والفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي عموما، التي أحرجت الحكومات التي مازالت تعيش خارج التاريخ، والمتمسكة بالمبادئ البالية التي لا تساير القيم الكونية مثل الحديث عن المؤامرات الخارجية والمارقين والغوغاء والفئة المندسة والمخربين وهي لغة قديمة لم تعد تنطلي على أحد، ووضعتها في مآزق شديدة، لا تخرج منها إلا بافتعل صراعات دامية بين المجتجين والشرطة،تدق فيه رؤوس المحتجين، كالصراع الذي عاشه الأساتذة المتدربين المحتجين، ليس على الصعيد السياسي فحسب، وانما على جميع الاصعدة بحيث بات الأمر أشبه بدراما تعددت مواضعيها، يذكرنا بما عرفته الاحتجاجت إبان القرن الماضي، من عنف يقود إلى السجن من جانب القائمين على الأمر،

 

حميد طولست

         

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3448 المصادف: 2016-02-12 23:34:49