المثقف - قضايا

المُتَرْجِمُونَ خَوَنَةٌ

younis odaالتَّرْجَمَةُ فنٌ راقٍ- رَغْمَ مَشقَّتِهِ، أحْياناً- يَهْدِفُ إلى تَلاقُحِ الثّقافاتِ وَتَبادُلِ الأفْكارِ والتَجارِبِ بَيْنَ شُعُوبِ الأرْضِ قاطِبَةً، كَما يَهْدِفُ إلى التَّعارُفِ والتواصُلِ بَيْنَ الأفرادِ، سَواءٌ مَنْ في الجِوارِ، أمْ مَن هُمْ في أقْصى أنْحاءِ المَعمورَةِ. فَمُدبِّرُ هذا الكونِ، حَيْثُ كلُّ البَشَرِ عَبيدُهُ، يَتَجَلّى في مُحْكَمِ آياتِهِ:" ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير. الحجرات 3". فالتَّرْجَمَةُ تَصْهَرُ مُخْتَلَفِ الحَضاراتِ في بَوْتَقَةٍ واحِدَةٍ لأجْلِ الصّالِحِ العام، سِيَّمَا وَأنَّ العالَمَ الآنَ يَسيرُ بِوَتيرَةٍ متسارِعَةٍ نَحْوَ التَّقَدُّمِ في شَتّى المَجالات؛ عِلْميَّةٍ وأدبيةٍ وصناعِيَّةٍ، وزراعِيَّةٍ، وغَيْرِها. فَبَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرى، تُطالِعُنا مَوْسوعاتٌ وَنَشْراتٌ ثَمينَةٌ بِلُغاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلا سَبيلَ لتمَثُّلِها واستيعابِها إلا عَنْ طَريقِ التَّرْجَمَةِ، إذْ لَيْسَ مِنَ المَعْقولِ أنْ تَبْقى حَبيسَةَ الأدْرْاجِ؛ فَزَكاةُ العِلمِ نَشْرُهُ، وَمِنْ هُنا جاءَ التَّرْكيزُ عَلى إبرازِ أهَمِّيَّةِ التَّرْجَمَة. فَلا أجَلَّ وَلا أرْقى مِنَ الحُصُولِ عَلى نُسْخَةٍ مِنْ تَرْجَمَةِ مَعانِ القُرآنِ الكَريمِ لِتَشُقَّ سُكونَ الكَوْنِ، وَتَكونَ في مُتناوَلِ جَميعِ الشعوبِ مِنْ مُخْتَلَفِ الأعْراقِ والأجْناس، وَكَذلكَ حِينَ نَرى أعْمالَ شيكسبير، شَيْشَرون، تولستوي، وغَيرِها بَيْنَ ظَهْرانينا، فَذلكَ عَمَلٌ رائِعٌ تَقِفُ وَراءَهُ حَرَكَةُ التَّرْجَمَةُ، وإبْداعاتُ المُتَرْجِمين. وَالسُّؤالُ الهامُّ الآنَ، كَيْفَ يُتَرْجِمُ المُتَرْجِمونَ؟ وَهَلْ مِنْ سَقْطاتٍ أوْ هَفْواتٍ تَلْحَقُ بالبَعْضِ مِنْهُمْ أثْناءَ القِيامِ بِتَرْجَمَةٍ ما، وَخاصَّةً الفَوْرِيَّةِ مِنْها؟

الحَصِيفُ مِنَ المُتَرْجِمينِ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِمِهْنِيَّةٍ عالِيَةِ الدِّقَّةِ، تَحْكُمُها النَّزاهَةُ والأخْلاقُ؛ لا يَزيدُ في النِّصِّ وَلا يُنقِصُ، وَلا يَتْرُكُ أثَراً يوحِي بِشَخْصِهِ وِأَثَرِهِ في النَّصِّ قَيْدَ العَمَلِ، لا مِنْ قَريبٍ أوْ مِنْ بَعيد. وَمِنْ هُنا ارْتَأيْنا أنْ نُعَنْوِنَ هذا المَقالَ كَما هُوُ مُبَيَّنٌ أعْلاه. فَما نَقْصُدُهُ هُنا هُوَ خِيانَةُ النَّصِّ وَالتَّصَرُّفُ فيهِ بِطَريقَةٍ تَنالُ مِنْ أصْلهِ وَقُدْسِيَّتِهِ، وَتُغَيِّرُ مِنْ مَكْنونِهِ وَكُنْهِه، سَواءٌ بِالسَّلْبِ أمْ بالإيجاب، فَلَيْسَ مِنْ داعٍ للتَسَلُّقِ وَإبْرازِ البَراعَةِ على حِسابِ المُؤَلِّف. فَمَنْ يَتتبَّعُ تَرْجَمَةَ جَبْرا إبراهيم جَبْرا، يَقِفُ مَشْدوهاً أمامَ نَصٍ راقٍ بِكُلِّ ما تَعْنيهِ الكَلِمَةُ مِنْ مَعْنى، وَحَتّى القارِئُ للنَصّيْنِ- الأصْلُ وَالمُتَرْجَمُ- يَحارُ أيُّهُما الأصْلُ وأيُّهُما المُتَرْجَم، وَهذا يُحْسَبُ لِجَبرا المَوْهوب.

التَّرْجَمَةُ فَنٌّ وَمَوْهِبَةٌ، وَحُبٌّ وَتَماهٍ وَإِخْلاصٌ في العَمَلِ، وَلَيْسَتْ مِهْنَةُ مَنْ لا مِهْنَةَ لَه. وَلِأجْلِ إتْمامِها وَالقِيامِ بِها عَلى أتَمِّ وَجْه، فَلا بَدَّ مِنْ خَصائِصَ يَتَحلّى بِها المُتَرْجِمُ كَسِعَةِ الإطِّلاعِ عَلى ثَقافَةِ الكَلِمَةِ المُتَرْجَمِ عَنْها، إضافَةً الى ذَخيرَةٍ لا يُسْتَهانُ بِها مِنَ المُصْطَلَحاتِ والتَراكِيبِ والمُفرداتِ الشّائِعَة في تِلْكَ اللُّغَةِ. فالأمْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إحْلالَ كَلِمةٍ بِكَلمةٍ تَحْمِلُ ذاتَ المَعْنى- مَهْما تساوتا في الظّاهِر- إنَّما المَعْنى العميقُ قَدْ يَخْتلفُ جَذريّاً، وَهُنا تَحْصُلُ المُشْكِلات. فَالْفَهْمُ والإسْتيعابُ للنَصِّ الأصْليِّ مَطلوبانِ لأجْلِ إضْفاءِ الرُّقِيِّ فِي الحُصُولِ على المُنْتَجِ الرائِعِ. فَكَما يَذْكُرُ التاريخُ أنَّ حُنَيْنَ بنَ إسْحقَ لَمْ يَكُنْ يُتَرْجِمُ كَلِمَةً بِكَلِمَة؛ بَلْ كانَ يَتَمَثَّلُ المادَّةَ قَيْدَ التَّرْجَمَة بِكُلِّيَتِها، ثُمَّ يُخْرِجُها بِطَريقَتِهِ وأسلوبهِ الخاصَّين دونَ إجْحافٍ للمادَّةِ الأصْل، أوْ للمُؤلِّف الَّذي صاغَ هذا العَمَلَ، وَدونَ ظُهورٍ لَهُ- اسحق- بينَ ثنايا النَّصِّ. وَهنالِكَ عَصْرٌ هامٌ مِنْ أعْصُرِ أُمَّتِنا العَرَبيةِ كانَ للترْجَمَة فيهِ شأنٌ كبيرٌ واهتمامٌ مِنْ قِمَّةِ الهَرَم.

فَفِي العَصْرِ العَبّاسِيِّ اتَّسَعَ نِطاقُ التَّرْجَمَةِ بِشَكْلٍ يَتَوائَمُ و اتِّساعِ رُقْعَةِ الدَّوْلَة، وَازْدادَتِ العُلاقاتُ مَعَ شُعوبِ الجِوارِ كالفُرْسِ واليونانِ، وَبَرَزَتِ الحاجَةُ للتَلاقُحِ الثَّقافيِّ والحَضارِيِّ، فانْكَبَّ العَرَبُ عَلى تَرْجَمَةِ كلَّ ما تَصِلُ اليْهِ أيْديهِمُ مِنْ إنتاجِ الغَيْرِ كَكُتُبِ الطِّبِّ والفَلسَفةِ والفَلَك، والرياضِيّات، وَغَيْرِها. وَكانَ الرَّشيدُ ومِنْ بَعْدِهِ المأمونُ، قَدْ أوْلَيا التَّرْجَمَةَ رِعايَةً تَليقُ بِقَدْرِها وَقيمَتِها، وَكانَ المُتَرْجِمونَ يَتقاضَوْنَ وَزْنَ ما يُتَرْجِمونَ ذَهَباً، وَهذا دَليلٌ على قِيمَةِ التَّرْجَمَةِ آنَذاك. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ تَرْجَمُةً دَقيقةً وَنَزيهَةً، لَما عُمِّرَتْ وأثْمَرَتْ وَما زالَتْ تَعْبَقُ في النُّفوسِ إلى يَوْمِنا هذا، وقادِمِ الأيّامِ بِعَوْنِ اللهِ تَعالى. وَفي المُقابِل، فَلَوْ كانَ مِنْ بَيْنِ المُتَرْجِمينِ مَنْ حَوَّرَ وَغَيَّرَ وَأضافَ كلماتٍ مِنْ عِنْدِهِ إلى تِلْكُمِ النُّصُوصِ، لَما اسْتقامَ الأمْرُ، ولانْطَبَقَ عَليهِ حِينَها عُنوانُ هذا المَقال.

فَفي أحيانَ كثيرةٍ تأخُذُ البعضَ مِنَ المترجمينَ النشوةُ، أوْ الحَيْرَةُ، فيزيدُوا أو يُنْقِصُوا كَلِماتٍ في النَّصِّ الأصْليِّ ليَغدُوَ مُتَناغِماً وَمُتَناسِقاً- ظاهِرِياًّ-، وَلكنَّهُ في الواقِعِ حَلَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ الخِيانِةِ التي يَمَجُّها كُلُّ مُتَرِجِمٍ مُخْلِصٍ وَنَزيه. وَربَّما مِنْ أكْثَرِ النُّصُوصِ التي تَطالُها التَّحويراتُ الأَشْعارُ، خاصَّةً المَلاحِمُ القَديمَةُ. فَهُنا يَجْدُرُ بالمُتَرْجِمِ أنْ يَكونَ مُلِمّاً بِعِلْمِ العَروضِ لإِنْجازِ هذِهِ المَهَمَّة، وَأنْ يَكونَ دَقيْقاً في تَرْجَمَتِهِ دونَ تَحْميلِ النَّصِ ما لا يُطاق. فالبَعْضُ يُسْهِبُ في الزِيادَةِ، وَرُبَّما بَلَغَ ما يُضيفُهُ للنَصِّ ضِعْفَ العَدَدِ مِنَ الأبْياتِ الشِّعْرِيَّةِ التي صاغَها الشّاعِر. لَرُبَّما هُنا يَجْدُرُ بالمُتَرْجِمِ الذي لا يُتْقِنُ فَنَّ العَروضِ وَتَرْجَمَةَ الشِّعْرِ، يَجْدُرُ بِهِ أنْ يَتْرِكَ الأمْرَ لِمَنْ يَقومُ بِهِ عَلى أَتَمِّ وجْه. البَعْضُ مِنْ غَيْرِ المُتَمَرِّسينِ في مَجالِ التَّرْجَمَةِ قَدْ يَلجَأُ إِلى طَلَبِ المُساعَدَةِ مِنَ التِّكنُولوجْيا الحَديثَة.

" جوجل" عَلى رأسِ قائِمَةِ المَطْلوبينَ للمُساءَلَة، أَحْياناً. فَفي بَعْضِ الأحْيانِ يضْطَرُّ الفَرْدُ العاديُّ، والمُتَرْجِمُ في بَعْضِ الأحْيانِ، إِلى الرُّجوعِ إِلى " خِدْمَةِ جوجل للتَرْجَمَة"، وَهذا قَدْ يَكونُ مُجْدِياً إلى حَدٍّ ما، إنْ كانَ القائِم بِالعَمَلِ عَلى دِرايةٍ تامَّةٍ بِما يقومُ بِه. أحياناً كثيرةً يَحْصُلُ الفَرْدُ على مَعنىً مغايرٍ جِداً لِما أَرادَهُ مِنْ هذِهِ الآلَة، وَكَما يُقالُ، يَنْقَلِبُ السِّحْرُ عَلى السّاحِر، وَيَحْدُثُ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ، والأَمْثِلةُ كَثيرَةٌ في هذا المَجالِ، وَلَيْسَ مِنْ داعٍ لِسَرْدِها. وَمَجالُ التَّرْجَمَةِ الفَوْرِيَّةِ يَحْفُلُ كَذلكَ بالهَفْواتِ القاتِلةِ ،أحْياناً.

التَّرْجَمَةُ الفَوْرِيَّةُ قَدْ تُشْعِلُ حُروباً بينَ الدُّوَلِ. فأحْياناً تَغِيبُ كَلِمَةٌ ما عَنْ ذِهْنِ المُتَرْجِمِ مِمّا يَضْطَرُّهُ إِلى اسْتِبْدالِها بِكَلَمةٍ أُخْرى-إِجْتِهاداً- لا تَمُتُّ إِلى النَّصِّ بأدْنى صِلَةٍ، وَهُنا ثالِثَةُ الأثافِي، خاصَّةً إذا كانَ الضَّيفُ رَئيسَ دَوْلَةٍ قَوِيَّةٍ مُعْتَدَّةٍّ بِنَفْسِها إِلى أَبْعَدِ الحُدُودِ، وَتَأنَفَ سَماعَ كَلِماتٍ لا تَرغَبُ سَماعَها. هُنا تتدخَّلُ الخِيانَةُ المِهْنِيَّةُ لِتَكُونَ المِسْمارَ الأَوَّلَ فِي نَعْشِ المُتَرْجِم، الَّذي قَدْ يُمْحى ذِكْرُهُ وَيخْسَرَ حُضورَهُ في ساحاتِ التَّرْجَمَةِ الرَّحْبَةِ. فالمُؤَسَّساتُ الرَّسْمِيَّةُ فِي العالَمِ لا تَسْتَخْدِمُ إلا النَّزْرَ اليَسيرَ مِنْ المُتَرْجِمينَ، وَذلِكَ بَعْدَ عَمَلِيّاتِ فَرْزٍ دَقيقَةٍ جِداً. وَلِيَكونَ ناجِحاً في عَمَلِهِ ، فَيَجْدُرُ بالمُتَرْجِمِ الفَوْرِيِّ أنْ يَكونَ شَديدَ التَّرْكِيزِ أَثناءَ الأداءِ، إضافةً إلى هُدوءِ الأعْصابِ، وَسِعَةِ الإطِّلاع.

التَّرْجَمَةُ بِكُلِّيَّتِها عَمَلٌ رائِعٌ، وَلكِنَّهُ دَقيقٌ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَمَنْ يَتَّخِذُها مَجالَ عَمَلٍ فَلا بُدَّ لَهُ- إنْ أرادَ الإسْتِمْرارِيَّةَ وَالدَّيْمومَةَ، أنْ يَكونَ بِحَجْمِ الأداءِ وَالتَّحَدي. فَكَلِمَةٌ واحِدةٌ تَكادُ تُودِي بِمُتْرِجِمِها، وَتْمحُوَ كَلَّ ما شَيَّدَهُ عَلى مَرِّ السِّنين. فالدِّقَّةُ وَالأمانَةُ وَالنَّزاهَةُ جَميعُها تُعَدُّ مِنْ أسْبابِ النَّجاحِ في هذا المَجالِ، فَلْنَقِفْ سَدّاً مَنيعاً في وَجْهِ ما يَرْمي إِليْهِ عُنْوانُ هذا المَقالِ، وَلْتَكُنْ أَعْمالُنا الراقِيَةُ خَيَرَ ما يَتَحَدَّثُ عَنّا.

 

يونس عودة/ كلية العلوم التطبيقية بعبري/ سلطنة عمان

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3449 المصادف: 2016-02-14 11:13:19