المثقف - قضايا

هل من لقاء تأريخي بين الشيعة والسنة؟

أخيراً أجتمعت الكنيستان الشرقية والغربية في لقاء تأريخي بعد مسيرة ألف عام من الإنقسام الكبير بينهما ليرأب الطرفان الصدع الذي فرق المسيحيين، هافانا كانت مسرحاً للقاء تأريخي جمع بابا الفاتيكان فرنسيس وبطريرك روسيا كيريل، إجتمعا ودعا العالم للتوحد في مواجهة موجات الإرهاب والعنف وتحقيق السلام الاجتماعي في أسرع وقت ممكن عن طريق الحوار، الوثيقة التي وقعها الطرفان عبرت عن دعمها لأولئك اللذين يقعون ضحايا للحروب "نحن إذ نرفع صوتنا دفاعا عن المسيحيين المضطهدين، فإننا نقاسم أتباع التقاليد الدينية الأخرى معاناتهم، وهم يقعون ضحايا للحروب الأهلية والفوضى والعنف الإرهابي"

الأنشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية حدث في القرن الخامس فأصبحت كنائس الشرق تحت قيادة كنيسة الإسكندرية تُعرَف بالكنائس "الأرثوذكسية"، وكنائس الغرب تحت قيادة كنيسة روما وسميت بالكنائس الكاثوليكية. إلى أن جاء القرن الحادي عشر حيث انفصلت كنائس القسطنطينية واليونانية وشقيقاتها عن الكنيسة اللاتينية وأصبحت هي الأخرى تعرف بالكنيسة الأرثوذكسية.

لقد دخلت أوربا في صراعات دامية خلال تلك الحقبة وأهما ماحدث في ثلاثين عاماً، في ألمانيا، من المواجهات الدينية بين عامي 1618 – 1648 التي بدأت اولا كمواجهة دينية اندلعت عام 1606 في مدينة دوناوفورت الحرة إحدى مدن ألمانيا التابعة للإمبراطور الروماني الكاثوليكي، وفي عام 1617 حاول (فيرديناند) حاكم بوهيميا(جيكيا الحالية) الذي كان كان كاثوليكيا متعصبا أن يفرض العقيدة الكاثوليكية على السكان الذين كانوا بغالبية بروتستانتية. تسبب منعهم لبناء عدد من الكنائس البروتستانتية في ثورة عنيفة عام 1618 بلغت ذروتها عندما تم إلقاء اثنين من ممثلي الإمبراطور من نوافذ القصر الملكي في براغ، وأشعل هذا الحدث شرارة حرب الأعوام الثلاثين .

كان الأثر الرئيسي لحرب الثلاثين عاما والتي استخدمت فيها جيوش مرتزقة على نطاق واسع، تدمير مناطق بأكملها تركت جرداء من نهب الجيوش . وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلاك العديد من سكان الولايات الألمانية وبشكل أقل حدة الأراضي المنخفضة وإيطاليا، لقد فقدت ألمانيا لوحدها قرابة 6.5 مليون نسمة خلال السنوات الثلاثون مما ادى الى زيادة عدد النساء عن الرجال حينها شرع الزواج بأكثر من أمرأة لتعويض النقص الحاصل في الرجال .

بلغت الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت ذروتها في فرنسا في عام 1562 وإستمرت قرابة الـ 40 عاماً، ثماني حروب قضت على مملكة فرنسا، عندما هجمت الجماهير الكاثوليكية على الاقلية البروتستانتية في مختلف المدن والأرياف الفرنسية، ونتج عن هذه المواجهة الكثير من المعارك، من اشهرها تلك المجزرة الشهيرة باسم مجزرة سانت بارتيليمي التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسة آلاف شخص، فما كان من البروتستانت الفرنسيون إلا الفرار إلى مختلف أنحاء أوروبا.

تلك الصراعات الشرسة أنتهت بحكمة المراجع لدى الكنيستين حينما آمنوا أن السيف لايصنع السلام والدمار حتمياً لا محالة على نصول السيوف وفوق رؤس الرماح وما نجده اليوم في أوربا من ثورة صناعية وإستقرار مستدام أمني وأقتصادي ومجتمعي ما هو إلا نتاج حقيقي لما أفرزته الحروب الدينية والحروب العالمية التي طالت أغلب دولها ـ لقد أمنو الأوربيون أن السيف لا يصنع شيء وكما قال غاندي، السن بالسن والعين بالعين تجعل كل العالم أعمى،

على الرغم من إنتهاء الحروب الدينية في أوربا من نصول السيوف ورائحة الدماء وربما هناك حرب جديدة تختلف كلياً من الحروب الطاحنة السابقة التي ذهب ضحيتها الملايين من البشر وأفقدت تلك البلدات الثروات الطائلة التي تسببت في ظلام دامس، ربما هناك حرب تنأى بنفسها عن المدافع والبارود هناك حرب باردة ترتكز على أساس القبول بالآخر وإحترام رأيه والبدء بحياة جديدة نراها أكثر من مزدهرة بعيداً من أولئك اللذين يفقدون البشر الرؤية الحقيقية لوجه الله الكريم الواحد كما يقول جبران خليل جبران : "” أيها المراؤون .. توقفوا عن الدفاع عن الله بقتل الانسان، ودافعوا عن الإنسان كي يتمكن من التعرف إلى الله.”

المسلمون لم يهنئوا بدينهم ويتسامحوا تحت رايته العظيمة، لا نختلف عن أوربا كثيراً بل قد نكون نحن الأقسى على شعوبنا من أولئك اللذين صنعوا الفرقة بين المسيحيين هم ذاتهم من صنعوا الفرقة بين المسلمين، على الرغم من قناعة المراجع العليا لدينا بأن الاختلاف في الدين هي الفروع لا في الأصول، لازلنا نموج بين سنة وشيعة، كما قال أحدهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي "سنة مهمشون وشيعة مهشمون "، كل حروبنا التي مررنا بها منذ مقتل الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) في عام 61 هـ وحتى يومنا هذا قادتنا الى هلكتنا .. بعد أربعة عشر قرناً من الزمن دخلنا حروباً طاحنة وحتى يومنا هذا .. العراق، اليمن، سوريا، لبنان، حروب تشحنها الطوائف بسلاح التخلف وعدم القدرة على تجاوز عقد السيف الذي قطع رأس الحسين (ع) ولا الرمح الذي علق عليه رأسه .. لازالت ملايين الرقاب تقطع من كلا الطائفتين وملايين الرؤس تحمل على الرماح .. نساء تسبى وحرم تنتهك، في حين أن الحسين وقاتله أمام الله الآن وهو كفيل بهما، ولكننا أعمتنا وأدمنا رؤية الدماء في مركبة حقد دفين تتوارثه الاجيال وقد يستمر حتى قيام الساعة، سنهلك وتهلك معنا ذرارينا وحرثنا ونسلنا، لأن الجميع يقاتلون سبيل الله، بفتاوى كأنها قوانين للذبح والقتل.

بين نواصب وروافض ومرتدين وكفار، ملل المسلمين تفترق عند أطراف كتاب الله متناحرين لم يعد يجمعهم الدين ولا الإلاه الواحد والا اللغة المشتركة ولا أي شيء يمكن ان يجمع من شدو نطاق سيوفهم منذ اربعة عشر قرناً هامين بذبح من يروه لا يميل اليه، وتستمر القضية مفتوحة قبورنا لأستقبال أجساد شبابنا واطفالنا، مهمشون، نازحون مقتولون، ومقطعون، هاربون من جحيم الموت وغارقون في البحور، كل أنواع القتل كان سبباً في نفوق الغيرة على الدين في داخلنا وتغيير صورة الغرب عن دين التسامح والهداية والوئام وصحبة السلام والكل منا يعتقد أن الجنة مأواه ما قتل من الهجمات الوهابية على مدينتي كربلاء والنجف والقتل والتسليب والتكفير، نقاط يذكرها التأريخ سوداء فاقعة في مسيرته .

وحتى اليوم لازال الموت مستمراً تدور طاحونته بقوة الشيطان الذي مزق بقرنية كل ذرة رحمة في قلوب أبناء الشعب، الكل قادر على القتل وكل الأدوات متاحة لكل الطوائف أصبحنا نشم رائحة الدماء حتى أصبحت تلك الطوائف غير قادرة على منع أبنائها من قتل الآخرين فقد أنقسمت الطوائف الى طوائف وتيارات أصغر .

اليوم وبعد تلك الوثيقة التأريخية التي حكمها عقل من وقعها، بابا الفاتيكان فرنسيس وبطريرك روسيا كيريل، نتسأل بألم وبصوت خافت، هل من لقاء بين مراجع الشيعة والسنة في العالم ؟ ليرأبوا صدع قلوبنا ويهموا بغسل ايدهم من دماء المسلمين، دماء أربعة عشر قرناً من القتل والتهديم، وليحقنوا دماء المسلمين ودماء الأديان الأخرى التي أختلطت بدماء المسلمين على أرض الاسلام، قد تكون دعوة متأخرة وقد سبقتها دعوات أكبر ولكننا أمام تجارب لدين المسيحية ممن تعيش أرضهم بسلام كبير، أي أن لا دماء كدماء المسلمين اليوم تراق على جدران الكنيستين وتصالحا بتلك الوثيقة التأريخية في هافانا، فلماذا لا نتواثق على السلام والوئام عند استار الكعبة الشريفة أو حتى تحت جدرانها، ولماذ كل هذا الخلاف الذي لايحكمه إلا التخلف المقيت الذي يعصبنا، مراجعنا الرشيدة من كل الطوائف ستصل يوماً الى عدم طاعتها إلا من بيوت أهلها، فقد قارب الجميع على نكران دورها بعدما ثقلت الارض بالدماء واسودت بلونها وتخثرت دماء اربعة عشر قرناً فسود وجه الارض المسلمة، لقد أصبحنا مدار نكتة وفكاهة ونحن نتصارع على مَنْ قتل مَنْ، وكلاهما ذهبنا الى الله يتخاصمنا عنده والله خير الحاكمين .. ونحث الخطى نحو هلاكنا بتلك القضية التي لا خاسر فيها إلا الشعب المسلم المرابط على تقوى الله لم يدنس قلبه حقد أو ضغينة، فمن يموت اليوم هم البسطاء من المسلمين، أطفال ونساء وشيوخ، ومنذ زمان طويل هم وقود كل أتون المعارك المستعرة التي لم تسطع مرجعية من مرجعياتنا إيقافها، العشرات من المرجعيات الدينية تواترت على الحوزات العلمية وعلى المشيخة والخلافة والازهر الشريف لم تعمل جهدها ولو بالسيف لإيقاف القتل، لقد غرقنا بالدماء فما من قلب لم يكلمه قتيل وما من أحد ما لم ينبه من تلك المآسي شرر .

نحن سائرون لو تعلمون الى طريق حتفنا لا محالة، وعلينا أن نجّد الخطى نحو سلام دائم، فالمسلمون يفقدون جل ثرواتهم من اجل الحروب التي تستنزف طاقاتهم وشبابهم في حروب لا تجر إلإ الحروب .

فالحروب التي تهدف الى تدمير العقائد أشرس وأعنف من تلك التي تجر الدول لإسقاط حكومات دول أخرى فبأنقلاب عسكري من مجموعة ضباط ممكن أن تسقط حكومة ولكن حروب الطوائف حروب طويلة تستنزف الدم قبل الثروات وتولد الثأر المستمر في قلوب الآخرين والثأئر يستمر وبأستمراره تستمر الدماء وتعمق الجراح التي تنكأ بين الحين والأخر بقتل رجل أو حتى ذبح بهيمة . أننا أمام مفترق طرق فالمنطقة تموج بأبشع صور الدمار من العراق الى لبنان ومن اليمن الى البحرين وهناك دول مرشحة أن يتم الفتك بها طائفياً إذا لم تلحق بنا المرجعيات لتوثيق محبتهم، إذا كانوا صادقين، وبالتحديد هي دول الهلال الشيعي المزعون .

بركان الطائفية ما فتىء يدفع من فوهته منصهرات الموت الزؤام يجتث من يقف أمامه من ضعفاء القوم وخيرتهم ويستمر سيله يدفع بالارواح الى مصلبها حارق لكل المثل الانسانية التي دعى الحبيب المصطفى (ص) اليها ومن سبقه من رسل الله، ونحن نستمر بالتوحش وإكتساب القبلية والعشائرية وبطريقنا لها بسرعة تفوق التصور لنفقد حينها كل خطوط العودة ونقفل مستقبل الإسلام وأمته .

على الجميع من المراجع الدينية من كل الطوائف والملل أن يعيدوا قراءة التأريخ كل يوم وما حفلت به سوابق السنين من أحداث دامية كان من الممكن تجاوزها إذا ما عقدنا العزم والنية الصادقة على ذلك لنمسح، بعد حين، الحزن عن آلاف من القلوب التي سيأتي عليها لتجرح وندفع بالسيف عن ملايين الرقاب التي ستقطع ونكسر المقاصل التي طالما نصبها أعداء الاسلام وننزع فتيل عبوة بإنتظار أطفالنا وننقذ أجيال ستأتي تشعر بالفخر بنا لأننا حقنا دماء المسلمين حتى لو تنازلنا عن بعض الكبرياء الأجوف والعنجهية الطائفية الفارغة التي لاتغني عن سعادة ولا تدفع خوف .

 

زاهر الزبيدي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3450 المصادف: 2016-02-15 01:05:30