المثقف - قضايا

إجازات الاجتهاد وقانون الزيّ الموحّد

في سياق مساعيه الرامية لتذويب الفوارق العرقيّة والدينيّة [كما يُظهر ويَدّعي]، أصدر الشاه الإيراني رضا البهلوي في عام: (1928م) مرسوماً يُجبر فيه المواطنين الإيرانيين الرجال على لبس الملابس العصريّة الموحّدة، وترك جميع الأزياء القوميّة والدينيّة والريفيّة القديمة، وهو زيّ عصري معروف شخّصته ما تُعرف بالقُبّعة البهلويّة. تدرّجت حكومة رضا شاه في تطبيق القرار، فبدأت بموظفيّ الدولة، ومن ثمّ إلى جميع المواطنين في المدينة، ومن ثمّ إلى القرى والأرياف، لكن الحكومة استثنت في المادّة الثانية من هذا المرسوم ثمان فئات مجتمعيّة، وهي:

الفئة الأولى: رجال الدين الذين لديهم إجازة اجتهاد خطّيّة من مراجع دين (معترف بهم) لدى وزارة الداخليّة، وتشير الوثائق التاريخيّة إلى اشتراط عمر خاصّ أيضاً في من يحملها.

الفئة الثانية: المفتوّن الشرعيّون الذين يعملون في القرى والأرياف، شريطة أن يخضعوا لامتحان علميّ من قبل الوزارة.

الفئة الثالثة: المفتوّن من أهل السنّة والجماعة، شريطة أن يجلبوا إجازة إفتاء من أثنين من المفتين ممّن تعترف بهم الوزارة.

الفئة الرابعة: أئمة الجماعة الذين لديهم مساجد خاصّة.

الفئة الخامسة: المحدّثون الذين لديهم إجازة رواية من أثنين من المجتهدين المعترف بإجازاتهم لدى الوازرة، [ومن هنا كثرت إجازات الرواية أيضاً، والتي لا قيمة علميّة لها كما سنوضح لاحقاً].

الفئة السادسة: طلّاب الفقه والأصول الذي يتجاوزون امتحانات الوازرة حصراً.

الفئة السابعة: مدرّسو الفقه والأصول والحكمة الإلهيّة، ممّن تجاوزوا امتحانات الوزارة أيضاً.

الفئة الثامنة: رجال الدين غير الإيرانيّين.

ووفقاً للمادّة الثالثة من هذا المرسوم، فإنّ عقوبة من يخالفه هي: الحبس أو الغرامة الماليّة، وتحوّل مبالغ هذه العقوبات إلى البلديّات المختصّة لشراء الزيّ الموحّد للفقراء ممّن لا يتمكّنون من ذلك، وقد تحمّلت بلديّات المحافظات الإيرانيّة مسؤوليّة مقاضاة ومعاقبة التّجار الذين يبيعون الملابس الممنوعة وفقاً لهذا القرار، كما أخذت الحكومات المحليّة مواثيق وعهود من أصحاب الفنادق وحمّامات المدينة العامّة على عدم تقديم خدماتهم للمواطنين المتمرّدين والمتخلّفين عن هذا المرسوم.

كانت وزارة المعارف الإيرانيّة حينذاك تجري بين الفترة والأخرى امتحاناً علميّاً للطلّاب والمحدّثين، فتجدّد لبعضهم لبس العمامة، وتمتنع عن تجديدها لآخرين؛ كلّ ذلك يأتي ضمن مساعي سياسة حكومة الشاه الإيراني الأقدم الرامية إلى تقليص عدد رجال الدين قدر الإمكان، وبالتالي الحدّ من نفوذهم وسطوتهم، وإثر هذا القرار خلت بعض المدارس الدينيّة من الطّلاب، حتّى إن وزارة الثقافة والأوقاف الإيرانيّة حوّلت بعض غرف هذه المدارس إلى مخازن، وآجرتها إلى التجّار كما تنصّ الكتب المختصّة!!

أضف إلى جميع ذلك فقد جعلت حكومة الشاه رضا البهلوي عائقاً آخر أمام مسيرة رجال الدين؛ فدون إبراز ورقة إجازة اعتمار العمامة لن تُروّج معاملات المعمّمين في دوائر الدولة عموماً وحتّى المدارس، الأمر الذي يجعل المتمرّد على هذا المرسوم الملكي بمثابة المنتحر الذي أُغلقت جميع منافذ الحياة بالنسبة إليه، بل نلحظ إن بلديّة مدينةٍ كأصفهان مثلاً كان تشترط على رجال الدين المسافرين إليها، ممّن يملكون إجازة اعتمار العمامة من محافظاتهم، أن يستصدروا إجازة جديدة حين دخولهم إلى أصفهان، أو أن يتخلّوا عن لباسهم في فترة إقامتهم!!

وفي سياق هذه المنحى القمعي الذي انتهجه رضا شاه أردف ذلك بمجموعة من الإجراءات الأخرى في سبيل التخلّص من سطوة رجال الدين، فتقّلص إثر ذلك عدد المدارس الدينيّة، وتوسّع في بناء المدارس المُدنيّة، وقد صاحبت قراراته حملة دعائيّة ضد ما أسماه خرافات وتخلّف رجال الدين، واتّهمهم بالعمالة للأجانب، واجتذب عدداً كبيراً منهم للعمل في الوظائف الحكوميّة والقضاء، وأصبحوا يتقاضون رواتبهم من الشاه الذي وصفه بعض صغارهم بصاحب الفضل في ديمومة عملهم، وهكذا مارست حكومة الشاه تطويقاً على مراسم العزاء، وهو أمر سبّب ضائقة ماليّة شديدة جدّاً للمعّميين الذين كان المنبرُ مصدرهم المالي الوحيد، ولهذا السبب تخلّى بعض طلّاب الحوزة آنذاك عن العمامة، ودافعوا عن قانون الزيّ الموحّد، وهكذا استمر الحال حتّى جاءت ما يُسمّيه بعض الباحثين بالضربة القاصمة لموارد المؤسّسة الدينيّة؛ حيث استولى رضا بهلوي عامّ (1935م) على ممتلكات الأوقاف التي كانت تابعة للمؤسّسة الدينيّة، وهي المصدر المهمّ لدخلهم، وأحد أعمدة استقلالهم عن ماليّة الدولة وحكوماتها، وفي عامّ (1936م) أقدم جملة من رجال الدين على التخلّي عن عمائمهم، وطلبوا توظيفهم في دوائر الدولة.

إن فئة رجال الدين من أكثر الفئات المجتمعيّة تضرّراً من هذا القرار الجائر؛ فالمؤسّسة الدينيّة الشيعيّة المستقلّة في (أغلب) قرارتها عن الدولة على مرّ التاريخ، أضحت ببركة هذا القرار أداة من أدوات الدولة؛ إذ لا يحقّ لأيّ واحدٍ من رجال الدين اعتمار العمامة دون مجوّز من الدولة، وعليهم أيضاً: المشاركة في الامتحانات التي خصّصتها الدولة لذلك، وعليهم كذلك: أن يستجيزوا الدولة في إمامة الجماعة، والوعظ الديني، وغير ذلك من الأمور الدينيّة، غير أن استبداد رضا البهلوي ودكتاتوريّته وقمعه كانت تمنع رجال الدين من الاعتراض، فيشير بعض الباحثين إلى: إن التمرّد الوحيد [حسب قراءته] الذي شهدته المحافظات الإيرانيّة من قبل رجال الدين إزاء هذا القرار هو: ما قامت به مدينة تبريز، والذي قُضي عليه واُعتقل رجالاته وسُفّروا؛ جراء دكتاتوريّة وسلطويّة الحكومة الشاهنشاهيّة.

وجرّاء هذا القرار هاجر أغلب طلّاب الحوزة إلى النجف لإكمال دروسهم، وأخذ إجازة اجتهاد والعودة إلى بلدانهم، فرجع بعضهم، واستقرّ بعضهم الآخر، وقد حمّل أصل هذا القرار الحوزة العلميّة في النجف مسؤوليّة كبيرة حينذاك، فكان عليهم أن يكثّروا سواد الطّلاب المعمّمين مهما كلّف الثمن، فقام السيّد ابو الحسن الأصفهاني (1946م) والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1954م) وغيرهم أيضاً بمنح إجازات اجتهاد دون التحقّق من اجتهاد الشخص الذي يطلبها؛ بغية الحفاظ على كيان الحوزة من الاندراس إثر هذا القرار الجائر، بل ساد في تلك الفترة وإلى يومنا هذا إن وراء هذا التساهل في منح إجازات الاجتهاد بُعداً غيبيّاً يرتبط بعنايات الحجّة المنتظر (ع) كما هي الطريقة السائدة في تمرير أمثال هذه القضايا؛ إذ يَنقل بعض الكتّاب المعاصرين: إن قريباً من السيّد أبو الحسن الأصفهاني اعترض على إعطاءه إجازات الاجتهاد بهذه الطريقة؛ وقال له: إن هذا التساهل يُفقد إجازتك قيمتها، ويميّعها بين الأوساط العلميّة، فأجابه السيّد أبو الحسن على ما تنقله الحكاية: إن هذا الأمر خارج عن إرادتي، وإنّما أوامره من مكان آخر، في إشارة إلى الإمام الحجّة (ع)!! بل نقل بعض الكتّاب الحوزويّين عن الشيخ الغروي (1998م) صاحب أهمّ تقرير للسيّد الخوئي، إنّه قال له مباشرة وبلا واسطة: إن كثيراً من طلاب الحوزة في ذلك الوقت، كانوا يذهبون إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لطلب الاجتهاد؛ للتخلّص من التجنيد العسكري الإجباري، وكان الشيخ يجيزهم بالاجتهاد لهذا الغرض، رغم عدم أهليّة بعضهم!!

وهذا الأمر ليس رجماً بالغيب، وليس اتّهاماً للمرجعيّات الدينيّة كما يحلو لبعض السُذّج أن يروّج لذلك، وإنّما وثّقته كتب تاريخ تلك المرحلة، ومن عايشها من المعاصرين، لنأخذ أمثلة حسيّة على ذلك؛ فقد نقل بعض المراجع المعاصرين (دام ظلّه) في موقعه الرسمي [ونتحفّظ على ذكر اسمه] قصّة حصوله على إجازة اجتهاد في تلك السنوات، والعهدة عليه في نقل ذلك، إنّه طلب إجازة اجتهاد من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ولم يكن يعرفه حينذاك، فطلب إجراء امتحان له قبل إجازته بذلك، فأشار إليه أن يكتب بحثاً فقهيّاً في مسألة: إن التيمّم مبيح أو رافع، فكتب هذا المرجع المعاصر رسالة حول هذا الفرع الفقهيّ، وقدّمها للشيخ كاشف الغطاء، وسأله بعد ذلك بعض الأسئلة حول مبحث العلم الإجماليّ من علم الأصول، وهكذا منحه الاجتهاد بعد ذلك!!!

ملاحظة: لعل أفضل مصدر يمكن للأخوة الذين يجيدون الّلغة الفارسيّة مراجعته في هذا الموضوع، والذي احتوى على جميع الوثائق التي ترتبط بتلك المرحلة بشكّل مفصّل هو كتاب: سياست ولباس اسناد متحد الشكل شدن البسه (1307ـ1318ش)، للسيّد محمد حسن منظور الاجداد، وهناك مزيد من الكتب الفارسيّة الأخرى.

ميثاق العسر

....................

لمشاهدة الوثائق الخاصّة بهذا الموضوع إسلك الرابط التالي:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=878232042299121&id=100003369991996

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3451 المصادف: 2016-02-15 23:07:18