المثقف - قضايا

في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية هل يفقد العراق تنوعه الديني والإثني؟

العشرون من شباط هو اليوم العالمي للعدالة الإجتماعية، كانت الامم المتحدة قد طرحت شعار له لعام 2015 تحت عنوان "إنهاء الاتجار بالبشر وظواهر العمل القسري" ولم يتسنى لنا معرفة شعارها لعام 2016، عراقياً نقترح أن يكون شعارنا كعراقيين" معاً للدفاع عن تنوعنا الديني والإثني والعرقي " ونعمل بجد على تجاوز النظرة الفوقية، دينياً، التي يتم التعامل بها مع تلك المكونات التي طالماً رسمنا معها خارطة وطننا الجميل، نعمل على تحرير الارض وإعادة المسلوب من الممتلكات وتحرير الأسرى وضمان الحقوق وضمان الحريات الكاملة دينياً وعقائدياً لكل من حمل يومياً هويته العراقية الاصيلة .

العدالة الإجتماعية ليست نظاماً سياسياً كما يصفها البعض بل هي نظاماً فلسفياً يدعو فيما يدعو اليه من تنظيم في علاقة المجتمع مع فئآتة وضمان كامل الحريات في أطار تحقيقها، كما تعامل مع ذلك الفيلسوف السياسي "جون رولز"، 1921-2002، حيث أعتبر العدالة كفكرة فلسفية لا كفكرة سياسية، رولز في كتابه نظريّة في العدالة a theory of justice   أوضح أن “العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسّسات الاجتماعيّة، كما الحقيقة بالنسبة للنظريّات”. والعدالة هنا ليست إلاّ فكرة الصلاح في العلاقة مع الآخر. وقاعدة العدالةلا توجد إلاّ بشرط أن البشر يشكّلون مجموعة، ليس على قاعدة العرق أو اللغة أو الطبقة الاجتماعيّة فحسب بل على أساس اجتماع مؤلَّف بحجة غاية وفي كنف تنظيم يكون في خدمة هذه الغاية.

وطننا يعاني منذ عقود عدة من عقدة عدم القدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية بمفاهيمها الحقيقية، أو أننا نكاد نجزم أن لا عدالة إجتماعية تم تحقيقها على مستوى ما تقدمة المؤسسات الحكومية كافة، ولا حتى تمكنت العملية السياسية من ذلك في نظامها الديمقراطي الهش .

الأمم المتحدة تنظر الى العدالة الاجتماعية على أنها "مبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي داخل الأمم وفيما بينها الذي يتحقق في ظله الازدهار. ومن ثم فعندما نعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين أو تعزيز حقوق الشعوب الأصلية والمهاجرين يكون ذلك إعلاءً منا لمبادئ العدالة الاجتماعية. وعندما نزيل الحواجز التي تواجهها الشعوب بسبب نوع الجنس أو السن أو العرق أو الانتماء الإثني، أو الدين أو الثقافة أو العجز نكون قد قطعنا شوطا بعيدا في النهوض بالعدالة الاجتماعية ".

حتى اللحظة، العراق قارب على فقدان تنوعه الإثني والديني، والذي يمكن إعتباره مصدر قوة لا مدعاة للفرقة، فالمسيحيين اللذين يشكلون نسبة أكثر من 3% من مجموع سكان العراق أجبرتهم العمليات الإرهابية وما جرى لهم بإحتلال مدينة الموصل وأعمال العنف التي واجهت مناطق العراق بتفجير الكنائس والخطف بدافع الفدية والقتل لعدم إتباع الإسلام من قبل الجماعات التكفيرية بأنواعها وخلال الثلاثة عشر سنوات الماضية تسببت في هجرة الكثير منهم بحثاً عن ملاذ آمن خارج العراق، حيث تقول المحللة السياسية كاثلين ريدولفو في تحليلها، عام 2014، انه " خلال هذه السنة فقط تم تفجير عشر كنائس على الأقل وقتل رجلا دين إضافة إلى الاستهداف المستمر لمعتنقي الديانة المسيحية. يؤكد المسيحيون استهدافهم من قبل الإرهابيين بصورة لم يسبق لها مثيل وأعتبر البعض ذلك حملة إبادة جماعية تتم تحت بصر المسؤولين العراقيين والأمريكان. ورغم ان المسيحيين يشكلون أكثر من 3% من سكان العراق لكن عدد المسيحيين العراقيين الذين هاجروا وهربوا من العراق يبلغ نصف المجموع الكلي للمرحلين والمهجرين من العراقيين حسب آخر إحصائيات جمعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتشير الأرقام إلى إن عدد المسيحيين في العراق الذي كان يقدر بما بمليون نسمة قبل 2003 وصل الآن إلى نصف مليون نسمة.

وحدها موجة الهجرة الأخيرة التي حدثت عام 2015 وبعد إحتلال مدينة الموصل حيث صودرت كل أملاكهم وهدمت كنائسهم في أبشع حملة تطهير لهم في تلك المدينة المغصوبة ولا زالت التصريحات تتواتر حتى اليوم بشأن سيطرة البعض على أملاك المسيحيين ممن هجرو بلدهم وتعرضهم للإستفزازات بكل انواعها . وأعترف السيد ويس روفائيل الأول ساكو بأن الموصل قد خلت من المسيحيين لأول مرة في التأريخ منذ تأسيسها .

ليس المسيحيون وحدهم من تعرض لهذا الانتهاك الصارخ لحقوق الانسان بل أن الإيزيدين نابهم ما ناب المسيحيين من ظلم وإضطهاد بفعل تعرض مدنهم لسيطرة الإرهابيين حين قتل من قتل وهُجر من هُجر مع أشد المعانات التي يندى لها جبين الانسانية، لقد تعرض الإيزيديون للإبادة الجماعية بأشد أنواعها وأنتهكت الاعراض في أبشع سابقة سوداء بتأريخ الانسانية، حيث لازالت المقابر تفتح لتكشف عن صور لعظم المأساة التي تعرض لها رعايا تلك الطائفة.

طوائف كثيرة تعرضت لإضطهاد وإبادة كاملة أو جزئية ترتقي لمرتبة الجينوسايد جعلت من مفهوم العدالة عقيماً وصعب التحقيق، ناهيك عن ما مر به البلد من أزمات حالت دون توفير مقومات كاملة وصحيحة للعدالة الاجتماعية التي رسمت صورها الامم المتحدة حين عبرت عنها في مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية ودورة الجمعية العامة الاستثنائية الرابعة والعشرين حين سلمت بالحاجة إلى زيادة تدعيم جهود المجتمع الدولي في مجال القضاء على الفقر وتعزيز العمالة الكاملة والعمل اللائق والمساواة بين الجنسين وتحقيق الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية للجميع.

العدالة الاجتماعية المفقود في بلدانا بحاجة الى جهد كبير ونخص بالذكر من مفرداتها المبتورة، إنتشار البطالة، فمئآت الالاف من طلبة الجامعات من حملة شهادة البكالوريوس والدبلوم وبكافة الاختصاصات تلفظ بهم الجامعات والمعاهد سنوياً وبدون تمكينهم من تحقيق حلمهم في العمل ليصبحوا بعد حين عالة على المجتمع بدلاً من أن يقوموا هم برفعه، كما ارتفاع نسبة الفقر وارتفاع نسبة الاعمال الجرمية وتواتر الازمات الأقتصادية والامنية وضعف شديد في مستوى الخدمات العامة كلها تسببت في إتفاع مؤشرات السلبية وانخفاض في مستوى جودة الحياة .

العمل الشاق أمام الحكومة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتعميق مفاهيمها في مجتمعنا يتطلب، خطط بعيدة المدى تستهدف الاطفال أولاً لكونهم الاجيال التي من المؤمل لها قيادته مجتمع المستقبل الذي نصبو اليه مجتمع تختفي فيه الفوارق الطبقية الكبيرة التي تسببت فجواتها الواضحة بين فئآت الشعب في شيوع التذمر فالخوف، الحسد، الكراهية، الانتقام، الطمع، التوهّم، الحزن، الاحباط، الغضب، القلق والأذى البدني، كلها مشاعر تقود الى التدمير البطىء للبنية المجتمعية وتتسبب في خراب النفوس .

اليوم نحتاج الى الدراسات النفسية والفلسفية أكثر من ذي قبل بعدما تشمعت عقولنا وتجمدت لحد الحفاظ على البقاء على قيد الحياة، يجب أن نخصص وقتاً طويلاً لتأسيس المجتمع السعيد الذي يثرى بمشاعر الفرح وهذا جزءاً كبيراً من محاربة الارهاب ومكافحة الجريمة المنظمة، ولنحاول من خلال زرع بذور الوطنية الحقيقية أن نحصل على كل ساعد من أبناء شعبنا ليساهم في بناء وطنه، نحن بحاجة الى الجميع من كل القوميات والطوائف والملل، وحاجتنا تلك يجب أن يقابلها محاربة التطرف والتهميش بكل اشكاله ومساعدة الاقليات في النهوض ومنحها كل الفرص للمساهمة في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فضاء الديمقراطية لنظامنا السياسي.

في واحدة من أهم حقائق النظرية العلمية في تفسير التأريخ أن الناس في قيامهم بالانتاج الاجتماعي لوسائل الحياة يدخلون في علائق ضرورية مستقلة عن إراداتهم، لتقرر بعدها الوعي الكامل بأهمية العلائق بين أفراد المجتمع .

الشعب العراقي الكريم وفي ظل فقدانه للعدالة الاجتماعية وما تكفله من تكافىء في الفرص والحقوق ؛ قد يتعرض لفقدان تنوعه الإثني والديني فالخطر الذي تمر به تلك الأقليات بعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها يحمّل الحكومة المسؤولية الكاملة في الحفاظ على أمنهم الشخصي وأمن ممتلكاتهم من المصادرة والعبث وتلك الخطوة الاولى تتبعها خطوات في إعادة الثقة في نفوسهم بقدرة الدولة على مساعدتهم للنهوض بواقعهم بصورة عامة وبكافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ولا ضير، سياسياً، من إعطائهم مقاعد أكثر من إستحقاقهم الانتخابي في مجلس النواب لتكون لهم المساهمة الحقيقية لحماية مكوناتهم، أما غير ذلك فإستشعارهم للخطر الدائم يعرضهم للهروب من وطنهم الذي كانت تسكنه لمئآت الآلاف من السنين وهي بأغلبها من الشعوب الاصيلة في البلد، وإذا فقدنا صفة التعايش معهم فسوف نفقدها في التعايش مع المذاهب للدين الواحد وستزيد الفجوات وتندثر القدرة على محاكات العالم أجمع فأنت إن لم تستطع التعايش مع مجتمع من أقلية كيف ستتعايش مع العالم الذي تكون فيه تلك الاقلية قوة حاكمة وكبيرة .. حفظ الله العراق .

 

زاهر الزبيدي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3453 المصادف: 2016-02-18 01:41:11