المثقف - قضايا

النكوص "الارتداد" محاولة للتكيف

asaad alemaraالنكوص هو احد الآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان في مواقف حينما تشتد الأزمات ويحاول أعادة التوازن النفسي، يلجأ ليخفف من شدة الضربات القوية على مركز التوازن الداخلي لديه. والنكوص حيلة دفاعية يعود بها الفرد إلى اساليب طفلية في سلوكه، وثورة أنفعاله حين يعترضه موقف سبب أزمة أو مشكلة تستعصي على الحل، أو احباط شديد لرغباته تثير لديه قلقًا شديدًا. والبعض من الناس يلجأ إلى اساليب – حيل مختلفة منها الكبت، النقل، الإزاحة، التعويض، الاسقاط، التحويل، التقمص" التوحد – التعيين والتعيين الذاتي"، الاستدخال، التبرير، التكوين العكسي، الاستدماج، الانكار ..الخ لكي يعيد التوازن لنفسه، وهذه الحيل- الآليات- الميكانزمات الدفاعية ما هي إلا وسيلة "وسائل" مؤقتة لحل أشكال وقتي لصاحبها، وإن تعود عليها أصبحت مثل الادمان عليها ويكون تأثيرها سلبيًا، ومن الصعب التخلص منها.

 

ميكانزمات الدفاع Defence Mechanisms

الميكانزم – الحيلة الدفاعية- آلية الدفاع وهي التسميات التي تطلق على الوسيلة أو الوسائل التي يتخذها الأنا لا شعوريا لتجنب التعبير المباشر عن النزعات والوجدانات التي تهدد أتزانه وكأن ميكانزم الدفاع يعبر عن دافع لاشعوري ويهدف لتخفيف الحصر أو الدفاع ضد خطر ما، ويمكن ربط طبيعة الدفاع المتكرر بسلم الاضطرابات النفسية والعقلية. ولمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على موسوعة علم النفس والتحليل النفسي للاستاذ الدكتور فرج عبد القادر طه وآخرون،أو كتاب الأنا وميكانيزمات الدفاع تأليف أنا فرويد، لذا فإن النكوص أو الكبت أو التوحد، التقمص"التعيين والتعيين الذاتي، أو الانكار، أو الاسقاط ما هي إلا وسائل دفاعية نستخدمها نحن الأسوياء لمواجهة ضغوط الحياة والآزمات، ولا يقتصر استخدام آلية النكوص على الكبار فقط، بل يستخدمها الأطفال أيضا، فالطفل الذي يبلغ السادسة من عمره ربما يأخذ في مص أصبعه ويكثر من العناد ولا يطيع أوامر والديه، أما الرجل المسن الذي يعاني من مرضًا جسميًا نجد أنه في حالة مستمرة من استدرار العطف، آخذا في البكاء أو الغضب أو العناد وربما يكون سريع الاهتياج. وأحسن تطبيق لآلية النكوص والاكثر شيوعًا في الاوساط الشعبية هو المثل المعروف بين الناس (إذا ضاقت بك الدنيا، تذكر أيام عرسك "زواجك")

تؤكد الدراسات الكلينيكية أن النكوص أكثر ظهورًا في حالة الاضطرابات النفسية والعقلية، وإن كان في الاضطرابات العقلية يبدو في صورة تجهم وصراخ وغيرة عنيفه وغضب شديد، يتبول ويتبرز علنًا، وكل هذا تسيطر عليه الأساليب الطفلية.

أن كل حيلة "ميكانزم دفاعي" يختص بمرض نفسي أو عقلي، ومن هنا كانت إمكانية ربط دفاع بعينه بمرض نفسي أو عقلي بعينه وهو ربط دينامي يتحدد بطبيعة المرحلة التي نكص إليها (الأنا) ومراكز التثبيت وطبيعة الدفاع ونوعه، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الشخصية ومراحل تطورها. يقول "د.حسين عبد القادر" في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي هكذا وجدنا ميكانزم الكبت في الهستيريا والإزاحة (النقل) في المخاوف المرضية- الفوبيا والتكوين العكسي العزل أو الفعل ومحوه في الحواز، وبالمثل نجد الاستدماج في الاكتئاب والإنكار في الهوس، بينما يكون الأمر في الانحرافات تعبيرًا فعليًا واقعيًا، وهكذا تقدم لنا الدراسات الميدانية الكلينيكية المرضية عن سيكوباثولوجية المرض أن النكوص في الفصام هو وسيلة تكيف، وهو في الوقت ذاته وسيلة لحماية نفسه "الفصامي" من الموقف، وبدلا من مجابهة معركته التكيفية فهو يتراجع إلى الخلف ويمارس وجوده على مستوى أكثر بدائية ويعود إلى حالة تطور نفسي مبكرة كما يرى "د. محمد شعلان"، وهو يفعل ذلك بهدف إحداث التكيف مع الموقف، وهنا النكوص يحد من قدرته على المجابهة والمواجهة وربما تكون هذه المواجهة خسرانه، لأن مريض الفصام يكون فاقد الحيلة وربما قليل القدرة في المواجهة، لذا فهو يفضل المزيد من النكوص والارتداد ويدخل في فشل في المواجهة ويبقى يدور في حلقة مفرغة. يقول الطبيب النفسي "سيلفانو آريتي" إن المريض كلما فشل بالمواجهة عاد إلى الخلف، وكلما عاد إلى الخلف زاد فشله مما يجعله يستمر في العودة إلى الخلف.

نستخدم نحن الاسوياء الحيل الدفاعية في مواقف عديدة من مواقف حياتنا اليومية ومنها التعويض في الخجل والذي يسبقه الكف الشعوري لافكاره، والمعروف أن الكف يحبس الطاقة عند الإنسان، فالكف يدمر الذاكرة ويسبب التلعثم واللجلجة أو في آحيان آخرى الخرس، ويصبح الكف كبتًا "الكبت" بمرور الزمن. ويلجأ البعض منا إلى النكوص أيضًا بغية التخفيف من القلق، أو من البخار الزائد الذي ينتج من الصراع في حياتنا اليومية، أو من الاحباط الذي اصبح سمة واضحة في ثقافتنا وحضارتنا المعاصرة، فقد يلجأ البعض منا إلى الافراط في التدخين أو الافراط في شرب الخمر حتى الثمالة والفقدان، أو ممن يفرط في الأكل أو قضم الاظافر، والبعض منا يفقد السيطرة على انفعالاته فيقوم بخروقات كثيرة للقانون ومخالفة الاعراف السائدة في المجتمع، والبعض الآخر يكثر من الممارسة الجنسية الشرعية بنهم وشراهة وغير الشرعية أيضًا، ويجد تبريرًا لافعاله وممارساته تحت مسميات حيل شرعية وما أكثرها هذه الايام.

 

د.اسعد الاماره

استاذ جامعي وباحث نفسي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3454 المصادف: 2016-02-19 09:22:10