المثقف - قضايا

زيــارة جــديــدة للـتــاريــخ

hasan zayedزيارة جديدة للتاريخ هو اسم كتاب للأستاذ محمد حسنين هيكل، الرجل القرن الذي توفي منذ أيام، استميحه عذراً في استعارته منه، معنوناً به هذا المقال ؛ لأن موضوعه يمثل زيارة هامة للتاريخ . لعل بعضنا يذكر، أو يتذكرالفيلم الهوليودي الأسطوري " لورانس العرب "، الذي قام ببطولته الممثل المصري الأسطورة عمر الشريف، وكان إلي جانبه أنتوني كوين ,وأليك غينيس، وبيتر أوتول، وكان قد كتب السيناريو روبرت بولت، وقام بالإخراج جيفيد لين، وهو يعد من كلاسيكيات السينما العالمية . وتحكي أحداثه قصة توماس إدوارد لورانس، ضابط المخابرات البريطاني، الذي اشتهر بمساعدة القوات العربية، إبان الثورة العربية الكبري، ضد الدولة العثمانية، التي كانت تحارب بريطانيا، خلال الحرب العالمية الأولي . وما يعنيني من هذا الفيلم، سوي محاولته صناعة صورة زائفة، لنبي زائف، علي خلاف الحقيقة، والإلتجاء إلي ممثل عربي للقيام بهذا الدور، هو عمر الشريف . وقد تضمن الفيلم إشارات تلمودية واضحة لتعطي للمشاهد هذا الإنطباع المزيف ، مثل عامود النارـ وهو في حقيقته عامود من الغبار ـ  الذي ظهر للورانس في سيناء، ويناظره عامود النور الذي ظهر لنبي الله موسي عليه السلام في سيناء أيضاً . وقد لعب لورانس دوراً خطيراً في توظيف الثورة العربية الكبري ضد خصوم بلاده العثمانيين، فأسهمت في إسقاط دولة الخلافة، وتقسيم المنطقة العربية وفقاً لاتفاقية سايكس / بيكو، وصدور وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين . وما يعنيني من شأن هذا الرجل هو وقوع العرب أسري الفخاخ التآمرية حتي اليوم ـ مع وجود إعادة رسم للخريطة العربية  وفقاً لسايكس / بيكو جديدة في المنطقة، خدمة للمشروع الصهيوني ـ  دون أن ينتبهوا من سباتهم . فلورانس ـ المنسوب خطاً إلي العرب تلبيساً عليهم ـ قد كتب سيرته الذاتية المعروفة بـ: " أعمدة الحكمة السبعة "، وتحوي تفاصيل ما كان منه مع العرب . وقد لفت الإنتباه في مذكراته تلك، ذلك الإهداء الغريب لشخصية مجهولة مرموز لها بالأحرف الأولي: " س . آ . " . وقد ذهب البعض إلي أن هذه الأحرف تخص صبي يسمي: " سليم أحمد "، كان علي علاقة مثلية مع لورانس الذي ظل أعزباً . وقد نفي لورانس ذلك، مدعياً أنه وضع الإهداء علي نحو عشوائي، وأنه لا يحمل أي دلالة واقعية . إلا أن هناك من ذهب إلي أبعد من ذلك، وربط بين هذين الحرفين وبين كتاب لصحفي تركي يدعي: " لطفي أكدوغان " معنون بـ: " سـارة ... المرأة التي هدمت الإمبراطورية العثمانية " . وقد راجع الكتاب وحققه المؤرخ " محمد محفِّل ". وكتب المحقق في مقدمته الطويلة ما مفاده، أنه مع سقوط الأندلس، فر اليهود مع العرب هرباً من محاكم التفتيش، بعضهم توجه إلي المغرب العربي، والتي يرجع إليها أصل حسن البنا، والبعض الآخر توجه إلي تركيا . وفي مدينة أزمير التركية، ظهر شاب يهودي، ادعي أنه المسيح المنتظر، وتبعه مريدون . وجعل يعيث في الأرض فساداً، فقامت السلطات بالقبض عليه لمحاكمته، إلا أنه أعلن اسلامه، وتبعه مريدوه أيضاً . غير أن هذه الفئة، أعلنت الإسلام، وأبطنت اليهودية . أطلق الأتراك علي هذه الفئة اسم " الدونمة "، وهو يعني بالتركية الكذابون . ومعظم أعضاء حزب " الإتحاد والترقي " التركي يرجع في أصوله إلي الدونمة . وهذا الحزب هو الذي انقلب علي السلطان عبد الحميد، الذي أبي أن يمنح اليهود وطن قومي لهم في فلسطين، رغم المحاولات المستميتة لهرتزل . وقد توسعت الهجرة اليهودية إلي فلسطين بعد تولي هذا الحزب لمقاليد الحكم في تركيا . وإبان الحرب العالمية الأولي، التي أعلنت فيها تركيا الحرب علي بريطانيا، جردت تركيا حملة بقيادة جمال باشا للتوجه بها إلي منطقة قناة السويس، إلا أن هذه الحملة فشلت، وعادت أدراجها إلي دمشق، بسبب تسريب أخبارها إلي الإنجليز، وذلك عن طريق شبكة جاسوسية في عتليت اشتهرت باسم " نيلي " وكان علي رأسها سيدة تدعي ساره آرونسون، كانت عشيقة لجمال باشا . وقد كانت هذه الشبكة علي علاقة وثيقة بالإنجليز، وخاصة لورانس . فإذا عدنا إلي إهداء كتاب "أعمدة الحكمة السبعة ". لوجدنا أن: " س . آ . " هي: " ساره آرونسون " . ولعل الإهداء يفصح عن الشخصية المجهولة بلا مواربة، فقد جاء فيه: " إلي: س . آ . لقد أحببتك، ولذلك جذبت بيدي هذه الجموع من الناس مسطراً إرادتي بالنجوم عبر السماء، كي استحصل لك علي الحرية، المنزل الجدير بك، منزل الأعمدة السبعة، لعل عينيك تشعان من أجلي عندما أجيء ... لقد بدا لي الموت خادماً في الطريق إلي أن اقتربت ورأيت من تنتظرين . لقد تبسمت حين سبقني إليك مدفوعاً بغيرته الحزينه، ليحملك ويلقي بك في سكينته ... " . وهنا يبدو التساؤل منطقياً: هل هذا إهداء يُكتب لصبي، أم أنه يكتب لامرأة، مستهدفاً، إبلاغ رسالة ما . فإلي من يشير بالجموع من الناس التي جذبها بيده؟ . ألا يقصد العرب في شبه الجزيرة العربية؟ . ولماذا يفعل هذا؟. أليس من أجل الحصول لها علي الحرية؟ . والمقصود هنا هو: " وعد بلفور " . وما المقصود بـ: "المنزل الجدير بك، منزل الأعمدة السبعة "؟ . أليس المقصود الوطن القومي لليهود في فلسطين:" إسرائيل "؟ . وهو بآداء دوره يكون قد أوفي، ومن ثم حق للغرب أن يصنعوا له فيلماً، وأن يجعلوا منه بطلاً، بل ويصلوا به إلي حد أن يكون نبياً، ذلك هو بالنسبة لهم، وتلك وجهتهم . فماذا يمثل لنا مثل هذا النبي الزائف؟ .هل من المستساغ قبول تلك الصورة التي يصدرونها إلينا علي علاتها؟ . إن هذه الرقعة من تاريخنا في حاجة إلي أكثر من زيارة جديدة، حتي يمكننا أن نكتشف كم لورانس يعيش بيننا في هذه الأيام الفارقة .

 

حــســـــن زايـــــــــد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3457 المصادف: 2016-02-22 01:48:38