المثقف - قضايا

المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر .. عنوان مزيف لسياسات وممارسات استعمارية همجية ووحشية (1)

جاء في كتاب ليل الاستعمار لعباس فرحات ما يلي: "لا بد أن نكرر مرارا بأن الاستعمار لا يمت للمدنية ولا للقيم الأخلاقية بأي صلة، إنه يثير في الإنسان غرائزه الدنيئة الكامنة في الصدور وتجعله لا يؤمن إلا بشريعة الغاب وحكم الظفر والناب" 01 .

 

مقدمة

 هذه الدراسة جاءت كرد فعل مباشر على قانون 23 فيفري 2005 والذي أصدره البرلمان الفرنسي وأكد فيه على الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي في المستعمرات عامة، وفي شمال إفريقيا خاصة وفي الجزائر منها على وجه الخصوص . ونحن هنا لا نتخذ موقفا محددا تجاه هذا القانون فالفرنسيون أحرار فيما يصدرونه . وبيننا وبينهم الحجة والدليل والحقيقة التاريخية ولا شيء غير هذا وهي من سوف تشهد لصالح هذا القانون أو ضده .

وهذا الأمر ليس بالجديد علينا فالطفل الجزائري قد كان يتعلم في المدرسة الفرنسية بأن من نِعَـم القدر عليه أن الجزائر أصبحت فرنسية، وإلا لكان يرزح وإلى يومه ذاك في الهمجية وفي التوحش . ولذلك فالقائمون على المدرسة خلال الحقبة الاستعمارية المظلمة كانوا يجهدون أنفسهم في عملية إقناع له بخيرية الاستعمار وبنبالة المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر . ويعملون على إقناعه بأن أهله كانوا مجرد همج وبرابرة ومتوحشين وأن فرنسا قد جاءت لتحضيرهم . وهذا الكلام قد أصبح دين المعمرين في الجزائر وهذا ما نجده في ذلك الكلام الذي وجهه طالب من أصل مالطي قدم من ناحية سوق أهراس إلى عباس فرحات وحاول به أن يحط من قدره وينال من خلاله من كل الشعب الجزائري فقال له : " لو لا فرنسا يا فرحات عباس لكنت راعيا للماعز في دوارك ". ويخبرنا هذا الأخير أي عباس فرحات بأنه قد رد عليه بالقول :"  قبل مجيء الفرنسيين كانت أسرتي لا تعرف الجوع كان لجدي حقله وقطيعه ولكن أنت هل يمكنك أن تقول لي ماذا كان آباؤك يفعلون في مالطة ؟ أليس البؤس هو من جعلهم يهاجرون إلى الجزائر ؟ " 02 . كما توجب على الطالب الجزائري أن يتعلم محبة فرنسا وطنه وأمه الحنون والعطوف وأن يحترم تضحياتها التي أدتها له في سبيل أن تحضره وتخرجه وتنتشله من الوحشية ومن الهمجية . وبالفعل فقد نجحت إلى حد ما في غسل أدمغة الكثير من الجزائريين حتى أن البعض منهم قد أصبح يشعر بالفخر لكونه قد عاد جزء من فرنسا شعلة الحضارة وإغريق العالم الحديث .

علما بأن أكذوبة المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر قد بدأ الترويج لها في الفترة ما قبل غزو الجزائر وهذا من قبل الدعاية الفرنسية الكاذبة . حيث ادعت هذه الأخيرة بأن فرنسا قادمة لتمدين وتحضير الجزائريين وإنقاذهم من الجهل ومن الجهالة ومن التوحش ومن البربرية . علما بأن كل هذه المساوئ قد انتشرت حسبها بسبب الحكم العثماني الظالم والمستبد والغارق في ظلمات الجهل . ونحن هنا لن نناقش في دراستنا هذه تلك الأحكام التي يدين بها الفرنسيون أتراك الجزائر فهي ليست موضوع دراستنا اليوم . وإنما نحن سنحاول معرفة هل وفت فرنسا الاستعمارية بوعودها الخاصة بالمهمة التحضيرية والتمدينية في الجزائر أم لا ؟ . وهل بالفعل كانت لنا المنقذ والمخلص الذي انتشلنا من غياهب البربرية ومن مخالب الهمجية وقذف بنا في عوالم المدنية والنور والأنوار والحضارة هذا ما سنراه في دراستنا هذه . ولنعرف أيضا هل إشادة أعلام فرنسا من أمثال ألكسي دو طوكفيل A- De Toqueville  وإسماعيل أوربان Ismayl Urbain وفكتور هيجو  Victor Hugoوتوفيل غوتيه Gautier Théophile بالمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر في محلها أم لا؟.

كما وأننا في دراستنا هذا لا نستغرب من تصريحات الجانب الفرنسي عن المهمة الحضارية لفرنسا في الجزائر . ولا عن المعجزة التي خلقتها الحقبة الاستعمارية في وطننا فمن حق الفرنسيين الافتخار بما يرونه ماض مجيد خاص بدولتهم وللرئيس الفرنسي جاك شيراك  Jacques Chiracالحق في أن يقول ما يشاء وأن  يتجنى على الحقيقة كما يشاء أيضا وهذا عندما يقول : " بأن فرنسا لم تعمل سوى الأشياء الجيدة في الجزائر " 03 . والفيصل بيننا وبينه اليوم ليس في تلك التصريحات الرنانة وإنما الأحداث التاريخية وكما هي موجودة في الوثائق الرسمية . وغير هذا فهو حديث نسوان وعجائز في الحمامات العامة بهدف التسلية أو لغرض التباهي الفارغ والأجوف ولتمضية الوقت لا يعبأ به التاريخ ولا يلتفت إليه . وتحت ذلك العنوان البراق " الأعمال الجيدة في الجزائر " نجد ما يَدَّعُـونه من مظاهر عن المهمة الحضارية الفرنسية في الجزائر . وهنا من حقنا أن نتساءل هل الرئيس الفرنسي السيد جاك شيراك واع بما يقوله حقا ؟ أما أن اللوم يقع على من درسه لتاريخ فرنسا الأسود في الجزائر والذي لا يختلف عن تاريخ محاكم التفتيش الملعونة ومعها كنيسة العصور الوسطى . تلك المدرسة  التي زيفت له التاريخ فأصبح ينظر بعينها العوراء إلى جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر ؟ على أنها فتوحات بطولية . وهذا نتيجة لعوار مدرسته التاريخية المتأصل فيها فأصابه داء عمى الألوان فلم يعد يميز بين الإجرام وبين العدالة وبين الحق وبين الباطل وبين المصلحين وبين المجرمين والقتلة؟ .

ترى ما هي الأشياء الجيدة التي أقامتها فرنسا في الجزائر أهي تلك السلسلة من المظالم والتي لها بداية وليس لها نهاية والمسجلة والموثقة في كتب التاريخ ولمدة قرن و32 سنة . ربما هو لم يسمع بكتاب المرآة لحمدان بن عثمان خوجة فضلا على أن يكون قد قرأه . وربما لم يسمع أيضا برسالته إلى الوزير البريطاني اللورد قراي  Lord Grayفي العام 1833 . وربما لم يقرأ أيضا تقرير اللجنة الإفريقية في العام 1834 وربما لم يقرأ كتاب رسائل جندي لديمونتنياك  Demonitagnacأو هو كذلك لم يقرأ كتاب مطاردة الإنسان للكونت هيرسون hérisson Compte أو ربما هو لم يقرأ أيضا كتاب المجرم والسفاح بول أوساريس  Paul Aussaressesوالذي يحمل عنوان الأجهزة الخاصة الجزائر 1955-1957 والقائمة طويلة جدا يا سيد شيراك وكل من ينحو منحاك . أو ربما هو لم يسمع أيضا بما قاله الجنرال بيجو Thomas Robert Bugeaud وهذا عندما صرح بأن من : " أراد أن يكون ظالما عليه أن يكون قويا وقد كتب علينا أن نكون ظالمين في إفريقيا – الجزائر – لكيلا نكون مظلومين في فرنسا " 04 . وربما لم تقرأ يا سيد شيراك زيادة على ما سبق كتاب ليل الاستعمار لسيد فرحات عباس أو كتاب الجزائر الأمة والمجتمع لسيد مصطفي الأشرف . ففي كل منهما الكثير من الاعترافات لقادة الاستعمار الفرنسي في الجزائر من أمثال الجنرال دو روفيقو De Rovigo  Jean Marie  واللقيط يوسف Joseph والذي سيرقي إلى رتبة جنرال مكافئة له على جرائمه في الجزائر وغيرهما كثر . واعترافات هؤلاء جميعا كفيلة بأن تقنعك بالعدول عن رأيك السابق وتجعلك تخجل من تاريخ فرنسا في الجزائر ’ هذا فضلا عن كتب عميد المؤرخين الجزائريين السيد أبو القاسم سعد الله . وربما لم يدرسوك أيضا في المدرسة عن إبادة قبيلة العوفية المسالمة في العام 1832 ظلما وعدوانا، ولا عن جريمة غار الفراشيش بجبال الظهرة في 1845 . ولا عن إبادة واحة الزعاطشة في العام 1849، ولا عن جريمة الأغواط أو ما يسمى بعام الخلية في العام 1852 . إن تلك الأعمال الوحشية والإجرامية والشيطانية والسادية والتي اقترفتموها في الجزائر لا يمكن أبدا حصرها في مقال أو في مجلد واحد ومهما كانت حذاقة مؤلفه . سيدي الكريم لئن كانت تلك الأعمال البشعة مبعث فخر لك وللفرنسيين فهيئنا لك ولهم بها .

علما أنه وانطلاقا من نظرتهم الإيجابية للاستعمار فقد صادق البرلمان الفرنسي يوم 23 فيفري 2005 وكما مر أعلاه على القانون الممجد للاستعمار الفرنسي في الجزائر على وجه الخصوص وتقرر تدريسه للتلاميذ في المدارس وإن كان قد سحب تحت ضغط المعارضة على اعتبار أن المقرر السنوي وما يدرس فيه ليس من اختصاص البرلمان . كما تم رفضه لأنه وكما يقول معارضوه قد تقرر فيه تدريس التاريخ الاستعماري وهو شيء لا يليق بفرنسا . وفرنسا الرسمية هنا قد أصدرت هذا القانون لأنها لا تريد الاعتراف ببشاعة ماضيها الاستعماري في الجزائر والذي سيكلفها حتما الاعتذار للجزائر وللجزائريين . وهذا أمر مستبعد في الوقت الحالي حيث صرح الرئيس فرانسوا هولاند François Hollande في أحد المرات بأننا ومتى فتحنا باب الاعتذار فسوف نجد أنفسنا مجبرين على الاعتذار وبصورة يومية للجزائريين . وهنا نقول له : سيدي الرئيس هذا مشكلتك أنت وليست مشكلة الجزائريين وعليك أنت حلها وكما اعتذرت لليهود على ما طالهم من جرائم مستهم فوق الأراضي الفرنسية حتى ولو كان ما مسهم لهو من قبل النازيين وليس من قبل فرنسا والفرنسيين . نعم إنه ليس من حق أي كان أن يضطهد أي كان فكذلك من حق الجزائريين والذين قد عرفوا اضطهادا لا مقارنة بينه وبين اضطهاد اليهود المحدود في الزمان وفي المكان أي خلال الحقبة النازية . والفرق بين اضطهادنا واضطهادهم هو مسافات وبالسنوات الضوئية، فمن حق الجزائريين أيضا أن ينالوا اعتذارا رسميا لتجبر وإلى الأبد جراحات الذاكرة المريرة فلا يمكن وتحت أي ظرف أن ينسى الجزائريون جرائم الاستعمار الفرنسي في حق آبائهم وأجدادهم . 

ولكن هنا علينا الحذر فلئن كان السيد شيراك يفتخر بالأشياء الجملية على حد تعبيره والتي أنجزتها فرنسا الاستعمارية في الجزائر فإن هناك شرائح واسعة في المجتمع الفرنسي لا تشاطره ذلك الرأي وخصوصا ما تعلق منه بشطر حقوق الإنسان وبمسألة التعذيب . فماضي فرنسا في الجزائر عند هؤلاء أسود وأليم ويجب معاقبة من كانوا مهندسيه خلال الحقبة الاستعمارية . ولمعرفة المزيد أنظر سيدي الكريم كتاب جرائم فرنسا في الجزائر لسعدي بزيان الصفحة 129 وما بعدها أو كتاب عارنا في الجزائر لجون بول سارتر Jean-Paul Sartre أو كتاب جرائم الجيش الفرنسي في الجزائر .

وما دفعنا إلى كتابة هذه الدراسة أيضا هي تلك الحزمة من الأكاذيب والمغالطات التي لا يزال بعض أحفاد مستعمري الأمس يروجون لها حتى عادت عند البعض وكأنها حقيقة ومسلمة وبديهية . وعلى رأس تلك الأكاذيب ما يسمي بالمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر . وبدلا من أن يعتذر مجرمو الأمس عن خطيئة الاستعمار وما صاحبها من جرائم امتدت لقرن و 32 سنة فها هم يمجدون تلك الخطيئة ويجعلون من المجرمين ومن القتلة أبطالا . وهو كذب وتزييف واضح على وللتاريخ . ولذلك فمن واجبنا اليوم التصدي لكل تلك المغالطات وكشفها وفضحها حتى لا يفكر أحد مستقبلا في معانقتها من جديد . ولربما بالأمس كان صوتهم قويا ولكن الصوت العالي وحده لا يكفي ليغطي على الحقيقة والتي لا بد أن يكشفها الزمن . وبالفعل فها هم مجرمو حرب الجزائر قد اعترفوا وأقروا بكل جرائمهم وربما كان هذا تحت ضغط تأنيب الضمير ومن بينهم السفاح أوساريس وقاتل العربي بن امهيدي .

كما لا يجب أن ننسى بأن الادعاء بإيجابية الاستعمار والمهمة التحضيرية كان الهدف منه ومن وراء الترويج لمثل تلك الأكاذيب هو ما يخبرنا به عباس فرحات في كتابه ليل الاستعمار، والمتمثل أي الهدف في تشويه التاريخ وقلب الحقائق كجعل المستعمر بكسر الميم ملكا يغدق نِعَم المدنية على البشرية 05 . وهذا ما كان يدعيه الاستعمار الفرنسي في الجزائر وهذه هي الإشكالية التي سنعالجها في دراستنا هذه . كما أننا ننبه إلى أن غايتنا هنا ليست التأريخ للحياة التعليمية أو الدينية أو الزراعية أو الصناعية والتجارية أو الصحية للجزائر في أواخر العهد العثماني وطوال الليل الاستعماري الطويل . وإنما نحن هنا نلامس تلك المواضيع وبقدر ما تخدم موضوعنا المعالج في دراستنا هذه . كما أننا لن نكثر من الاستدلال والاستشهاد لكون الجرائم الفرنسية اليوم قد عادت من البديهيات التي لا تحتاج إلى قرائن وأدلة بهدف التحقق منها وسوف نتناول دراستنا هذه وفق الخطة التالية .

 - خلفية ومبرر أكذوبة المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

- ما وراء أكمة المهمة التحضيرية؟

- علقم ومهل وزقوم تلكم هي ثمار المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر 

- سياسة التجهيل للشعب الجزائري إدانة أبدية للمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

- سياسة التفقير عنوان لسياسة التمدين الفرنسية في الجزائر

- سياسة التمدين الفرنسية في الجزائر حرب على العربية وعلى الإسلام

- تهمة البربرية والهمجية أكذوبة استعمارية لتبرير الغزو الفرنسي للجزائر

- شواهد وأدلة تدحض المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

- المعمر الفرنسي في الجزائر هل كان مؤهلا لتأدية وظيفة الممدن والمحضر في الجزائر

- النظرة الاستعمارية الدونية للجزائريين تفضح زيف مهمتهم التحضيرية في الجزائر

- السان سيمونيون والمهمة التحضيرية في الجزائر

- وقفة مع الأسباب الحقيقية الواقفة خلف الغزو الفرنسي للجزائر

- خاتمة

 

خلفية ومبرر أكذوبة المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

 إن خرافة المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر قد كانت تستند إلى أيديولوجية معاقة تعتنقها فرنسا خاصة وأوربا عامة في القرن التاسع عشر وما قبله . ومفادها بأن أوروبا هي مركز العالم وهي أصل الحضارة والعلوم التقنية وما عداها فهو مجرد توابع وهوامش وأطراف تدور في فلكها . وكل هذا الكلام قد كان وليد الجهل والنقص في المعطيات وهما من أوحيا لأوروبا القرن التاسع عشر بمثل هذه القناعات المزيفة والمظللة والظالمة لغيرها . وهذه القناعة تطغى على كل الخلافات السياسية والأيديولوجية والدينية فهي تقترن لدى العالم المسيحي المحافظ بالدين المسيحي الدين المنزل الوحيد وبالقيم التي يدافع عنها ... وقيم ثورة 1789 وهكذا فإن الغرب بالنسبة للأولين يتمثل في المبشر المسيحي الذي يحمل الخلاص لبقية العالم وبالنسبة للثانين في الإدارة والطبيب والمعلم وهؤلاء يحملون العدل والمساواة والعلم ضد قوى التعسف والاضطهاد وبالنسبة لهم جميعا فإن الغرب يمثل النور أمام الظلمات " 06 . وهذه هي المسلمات والبديهيات الخاطئة والتي كنا نحن ضحايا لها فنحن أي الجزائريون كنا نمثل الوثنية في مقابل المسيحية الديانة الوحيدة الصحيحة وبها فقط يكون خلاص كل البشر وفي مذهبها الكاثوليكي بالتحديد . كما كنا نمثل الوحشية والبربرية في مقابل المدنية والحضارة التي احتكروا ملكيتها هم كذلك أيضا . فهي قد ظهرت في اليونان القديمة ولترثها عنها أوروبا وبصورة مباشرة وما عداها فهي جهالة وبربرية ووحشية فها هو فيكتور هيجو السعيد والمنتشي بالغزو الفرنسي للجزائر يقول : " إنها الحضارة تكتسح البربرية ... نحن إغريق العالم وعلينا أن نضيئه " . 07 أو كما قال المؤرخ راؤول جيرارديRaoul géraldi  من أن الغرب يمثل الأنوار في مواجهة الظلمات ولذا فهم يمثلون الأنوار والعلم والمعرفة أمام جهلنا وجهالتنا.

 ومن بعد رجال الفكر جاء دور رجال السياسة ليزايدوا عليهم هم الآخرون وكان على رأسهم جول فيريJules Ferry  والذي قال في خطابه أمام النواب الفرنسيين في العام 1885 من أن الأمم ليست كبيرة سوى بنشاطها لأن البروز بدون أي تأثير أو اهتمام بشؤون العالم هو تراجع وانحدار من المرتبة الأولى إلى الثانية أو الرابعة . إن للأعراق المتفوقة حق على الأعراق الدنيا لأن عليها واجب تحضير الأعراق الدنيا . وهو هنا يعطي شرعية للاستعمار وهذا انطلاقا من مبرر المهمة التحضيرية للأعراق الدنيا ويا له من تعبير عنصري مردود عليه .

 وما زاد الأمر سوء هو ظهور نظرية التطور لداروين Charles Darwin والتي نظـّـرَتْ لتفاوت الأعراق والأجناس وجعلت من هذا الزيف علما يقينيا يُحتكم إليه . ولهذا فكل نموذج غير النموذج الفرنسي فهو الوحشية والبربرية اللتين وجب محاربتهما فهم : " رجال بيض ينحدرون من عرق متميز وهم أعلى درجة من بقية البشر، يزعمون أن لهم رسالة هي عبء ثقيل لا بد لهم من تحمله، ولا بد لهم من تأديته فمن حقهم ومن واجبهم الأخذ بيد الأعراق المتخلفة والتحكم فيها للنهوض بها ولتمدينها . واعتمدوا في تبرير رسالتهم هذه على مقولات عنصرية مشكوك في نزاهتها لبعض العلماء والباحثين الذين كانوا أداة لرجال الحكم والسياسة ... وقدموا دراسات بثوها في أجيال من الأطباء النفسانيين خلاصتها أن لرجال الشمال الإفريقي منزلة دون الرجل الأبيض الغربي وأنه اعتبار لما يدعون أنها معطيات علمية : مجرم بالطبع هدام بالغريزة ... كسول كذاب ليس له تفكير منطقي وهو ميال إلى سفك الدماء ... وبترهاتهم هذه يدعم هؤلاء العلماء المزيفون التسلط الاستعماري ... وهم ينشطون بصفتهم أعوانا للحكم ولا يعملون بصفتهم رجال علم ... وسفهها الواقع والتاريخ وهي لا تعدو أن تكون حماقة كبرى من حماقات الاستعمار " 08 . 

علما بأن المدرسة التطورية ترى بأن التطور البشري قد مرّ بمراحل عدة وهذا مرورا بالمرحلة الحيوانية فالبدائية فالبربرية فمرحلة المدنية . وهذا الكلام فيه نظر ولا يستقيم مثلما هو الحال مع ما قاله أوجست كومت Auguste Comte من أن البشرية مرت بثلاث مراحل، المرحلة الغيبية فالمرحلة اللاهوتية فالمرحلة الوضعية . وهم يحصرون الحضارة في درجة التطور التقني فكل من هم دون درجة أوروبا في الجانب التقني فهم إما بدائيون أو متخلفون . وهذا هو الخطأ الفادح والذي راحت ضحيته شعوب إفريقيا وآسيا أي اعتبار الشق المادي هو الحضارة كلها وعن عمد غفلوا جوانبها الأخرى الغير مادية منها على وجه الخصوص . كما أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي غيرها من المستعمرات الأخرى لم يكن يؤمن إلا بما يراه هو حضارة . وما لم تنطبق حضارات غيره مع الوصفة التي حددها هو للحضارة فهي وبصورة آلية في خانة البربرية والهمجية والتوحش . ومن هنا فإننا لا نندهش عندما ينعتنا المستعمر بالبرابرة . ولئن لم نكن برابرة فقد أنزلنا وبالقوة إلى مرحلة التوحش والبدائية ليجد مبررا لمهمته التحضيرية الزائفة . وعملية حصرهم للحضارة في الجانب المادي التقني فقط لهو نتيجة مباشرة  للثورة الصناعية . في حين أن الحضارة كمصطلح مفتوح يثير الجدل فهو يتجاوز الجانب التقني إلى العلوم والفنون وأساليب العيش والحياة والنظم السياسية المتعارف عليها وعليه فالحضارة تعبير مطاط ولا يمكن أبدا حصره في جانب أو احتكاره لأن لكل شعب وأمة نظمها الحضارية الخاصة بها . وهذا ما غيبه وأخفاه الاستعمار الفرنسي في الجزائر عن جهل أو عن عمد .

وعليه فإن المشكلة الكبرى هي أن المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر، قد انطلقت من مسلمات خاطئة مفادها بأن سكان المغرب العربي لا ينتجون حضارة وهم يعيشون خارج إطار التاريخ . دوما ولا يدخلونها أي الحضارة إلا بفعل خارجي فالبداية كانت مع الفينيقيين Phéniciens فهم من لقن المغاربة فنون التصنيع والزراعة ومعهما الكتابة . ثم جاء دور الرومان فدور العرب إلى أن تم استعمار المنطقة من قبل الأتراك وهذا طبعا حسب وجهة النظر الاستعمارية وأخيرا . فقد جاء دور الفرنسيين ليتولوا هم هم كذلك أمر رعاية سكان المنطقة سواء كانوا بربرا أو عربا . والبربر كان ينظر إليهم دوما على أنهم قاصرون لم يخرجوا أبدا من طور مرحلة الطفولة الحضارية وهم هنا ينطلقون من فكرة أن : " كل تطور حضاري يقع في شمال إفريقيا يعزى إما لأولئك – الذين مروا من هنا - دون أن يذكر للمغاربة أي دور في الموضوع " 09 . أما العرب المغاربة فقد ألحقوا هم أيضا بالعنصر البربري وحجة المستعمر في هذا هي أنهم ومن بعد سقوط الأندلس قد ارتدوا هم كذلك إلى مرحلة البدائية والتوحش . ولذا توجب وجود من يأخذ بيدهم ويرجعهم إلى سابق عدهم ولكن كل هذا الكلام المزخرف والكاذب في آن واحد قد تم تفنيده وأصبح اليوم مجرد حماقات استعمارية .

إضافة إلى النظرية الداروينية نجد أيضا فكرة المركزية الأوروبية والتي ادعت بأن أووربا هي صاحبة الحضارة والمحتكرة لها دون سائر أمم العالم الأخرى . ولذلك فمن حقها وفرنسا جزء منها أن تستعمر كل العالم ومنه الجزائر لنشر هذه المدنية 10 . ولذلك فإن قطع رؤوسنا كان هو أقصر الطرق للثروة وللمجد يا له من تحضير وتمدين . وهي ضربات ضرورية لإخضاعنا حتى تتمكن فرنسا من تمديننا كما كانوا يقولون . خاصة وأن أوروبا الاستعمارية وكما يخبرنا بسام العسلي قد اعتبرت بأن قدرتها تسمح لها بفرض حضارتها حتى ولو كانت الشعوب الإسلامية الخاضعة لها ذات حضارات تفوق حضارتها أو تتعادل معها خلال فترة بداية الاستعمار 11 . وهذا قد جاء نتيجة النظرة العدائية والعنصرية بفعل نظرية المركزية الأوروبية تجاه كل ما هو ليس بأوروبي، فهو بربري همجي متوحش يجب القضاء عليه وإبادته . ولهذا فمهمة فرنسا التحضيرية لم تكن طوال فترة استعمارها للجزائر سوى حربا عوانا على اللغة العربية وعلى الدين الإسلامي وعلى الهوية والثقافة الجزائرية .

ومن جهة أخرى فإن الاستعمار الفرنسي قد كان ينطلق من مسلمة عنده ومفادها أن : " النشاط الفرنسي بإفريقيا ليس إلا استمرارا للآثار اللاتينية التي بادرت روما بالقيام بها منذ عشرين قرنا خلت، إن التاريخ سيضفي طابع المشروعية على غزونا لأننا لا نقوم إلا باستعادة عمل متوقف " 12 . توقف وكما يقولون وهذا ليس كلامنا بفعل الفتح العربي في القرن السابع الميلادي ثم في القرن السادس عشر الميلادي بفعل التواجد التركي والذي أجهض التوسع الإسباني في المنطقة . بل زادوا على ذلك وقالوا بأن الفتح العربي لشمال إفريقيا مجرد غزو لم يمس العمق البربري مطلقا سواء ما كان خلال التواجد الفينيقي القرطاجي أو العربي ويرون بأن المنطقة : " بقيت محافظة على أصالتها وفية لماضيها، والماضي غير خاف عن أحد إنه الماضي الروماني مع إرثه المسيحي إنها إفريقيا أبولي apoulée مع سان أوغسطين saint Augustin إنه مشروع ما يزال يعيش " 13 . والهدف هنا واضح فهو يتمثل في إحلال الفرنسية محل العربية مع فرنسة المجتمع الجزائري على منوال سياسة الرومنة إن وجدت تاريخيا طبعا وإحلال المسيحية محل الإسلام . وكل هذا مجرد خرافات وخيالات داعبت رواد الاحتلال الأوائل فلا الجزائر كانت مترومنة في يوم من الأيام ولا هي كانت مسيحية في يوم من الأيام أيضا . وإنما نحن هنا مع الاستعمار الذي يبحث على شرعية مفقودة لا ولن يحصل عليها مطلقا . وهذا إلى غاية خروجه من الجزائر . وستذهب كل عمليات التشكيك في تاريخ الجزائر ما قبل الحقبة الاستعمارية أدراج الرياح وهي اليوم مجرد سموم فكرية نفثتها الأفعى الاستعمارية لحقبة سوداء مظلمة أدانها التاريخ، وحكم عليها بأنها كانت مجرد جريمة في حق الجزائر والجزائريين . 

زيادة على ما سبق فالاستعمار الفرنسي في الجزائر قد كان يستند في تبرير ما يسمى بالمهمة التحضيرية إلى أن : " الجيش الفرنسي والذي استطاع أن يخضع الشعب العربي لا يزال مسئولا عن رعاية هذا الشعب فعليه أن يقوم بتربيته ... إنه كالطفل الذي وضع مستقبله أمانة في يديه وسوف يكون الجيش مسئولا عن ذك أمام التاريخ " 14 . وصدق مصطفي الأشرف عندما علق على هذه الفقرة بقوله يجب ربطها بإطارها التاريخي أي العام 1860 وهو تاريخ الزيارة الأولى لنابليون الثالث  Charles Louis Napoléon Bonaparteإلى الجزائر وهو محق في هذا فعندما يسقط هذا الإمبراطور فإن المستعمر سوف يكون له قولا آخرا . فما كان يبدو كحق للشعب الجزائري سيعتبره الكاردينال لافيجرى  Charles Martial Lavigerieومن معه أخطاء لا يجب العودة إليها مثلها تماما مثل فكرة المملكة العربية التي بشر بها نابليون الثالث ومشروع تعليم الجزائريين سيقبر كما قبرت كل تلك الأفكار والتي راودت بعض الخيرين من الفرنسيين وما أندرهم في تلك الحقبة المظلمة التي مرت بها الجزائر . والسبب هنا بسيط للغاية ذلك أنه وطوال القرن التاسع عشر قد انتصرت الأفكار الاستعمارية في فرنسا وراجت على حساب أفكار الثورة الفرنسية الكبرى أفكار العدالة والإخاء والمساواة وعلينا أن ننتظر زمنا طويلا حتى تشفي فرنسا من دائها ذاك . وإلى ذلك الحين سيبقى مشروع تمدين الجزائريين وتحضيرهم وفق النموذج الفرنسي مؤجلا . 

كما لا يجب أن نغفل بأن ادعائهم تحضيرنا لهو استنتاج مظلل ذلك أن القول بأن فرنسا جاءت إلى الجزائر في مهمة تحضيرية لهو ناتج عن النظرة القاصرة لخلفية الظواهر الاجتماعية . فالشعب الجزائري وكما يخبرنا عباس فرحات لم يكن وكما يزعمون تلك المجموعة من القبائل المتأخرة ولا تلك الغبرة من الأفراد التي أصبحت ميزة يتصف بها من جراء الاستعمار الفرنسي 15 . ولكن سياسة التفقير والتجهيل هي المسؤول الأول والأخير على ما آل له حال الشعب الجزائري من وضعية يعيشها لا فرق بينه وبين وضعية الحيوان مطلقا . فحتى لهذا الأخير كانت له زرائب وبياطرة وأعلاف وهذا ما لم يتوفر للجزائري خلال الحقبة الاستعمارية البغيضة والمظلمة ثم بعد ذلك يدعون أنهم جاؤوا ليحضروننا وليمدنوننا ! .

وقد يتساءل البعض منا ولما كل هذا التركيز على فكرة تحضيرنا الجواب نجده فيما يخبرنا به بسام العسلي من أن الأقوياء الاستعماريين قد انتحلوا حق تصحيح الأوضاع التي كونتها الطبيعة - وهذا حسب زعمهم طبعا – وهكذا أطلقوا على النوازع الاستعمارية الحق الشرعي لعمل غير شرعي وإلباس ذلك كله الرداء الإنساني وحرمان الشعوب التي تم إخضاعها للاستعمار من حق ارتداء هذا الثوب الإنساني ؟ 16 . وهذا الكلام يفضح زيف المهمة التحضيرية النبيلة لفرنسا في الجزائر حيث حجبوا وبالقوة عن الشعب الجزائري حقوقه الإنسانية الطبيعية كالحق في الحياة فما بالك بحقوقه الأخرى كالحق في التعليم مثلا . لأن الهدف من وراء غزو الجزائر ليس تحضيرها أو تمدينها وإنما الهدف نجده فيما كتبه الملك شارل العاشر  Charles Xإلى كل الدول الأوروبية في 12 مارس 1830 من أن غزو الجزائر هو في صالح النصرانية كلها ولأن احتلال فرنسا لعاصمة الجزائر يضمن انتصار كل من الحضارة والمسيحية في الوقت نفسه في أرض إفريقيا 17 . ذلك كونهم يرون بأن انتصار الإسلام والعربية في إفريقيا الشمالية ما هو إلا خطأ تاريخي وجب تصحيحه وهذا لصالح المسيحية والفرنسية . وهذا ما كانت جمعية العلماء المسلمين ومعها كل القوى الجزائرية الحية واعية له كل الوعي . وهو ما سوف يكون المحفز الروحي الخفي والدافع القوى للشعب الجزائري لطرد الاستعمار وإلى الأبد من الجزائر.

 

ما وراء أكمة المهمة التحضيرية:

علقم ومهل وزقوم تلكم هي ثمار المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر 

 بداية نقول بأن الاستعمار الفرنسي في الجزائر قد أمطرت سحاباته السوداء أمطارا سامة كانت نتائجها أن أرجعت وبموجبها فرنسا الشعب الجزائري قرونا إلى الوراء وإلى العصور الوسطى . وهذا ليس كلامنا نحن وإنما كلام الفرنسيين أنفسهم نقتبسه من كتاب الشباب الجزائري لعباس فرحات بحيث تضاءل اللباس والغذاء عند الجزائريين كما كان الحال عند سكان الكهوف في العصور الحجرية 18 . أي أن فرنسا قد فعلت بالجزائريين عكس ما كانت تدعي . فقد قذفت بهم في جحيم البدائية والتخلف وهذا مضاد للمدنية التي كانت تدعي بأنها قد جاءت لتنشرها بينهم . وطبعا لمّا قذفت بهم في هذا الجحيم انتشرت بينهم كل أنواع الأمراض والأوبئة النفسية والعضوية على حد سواء فانتشر بينهم السل مثلا بما نسبته 75 ٪ إلى 80 ٪ في بداية القرن العشرين 19 . وغيره من الأمراض التي استوطنت بلادهم وأجسامهم . فها هو جول فيري والذي زار الجزائر في العام 1892 يخبرنا وهذا نقلا عن كتاب ليل الاستعمار عن تلك القبائل البئيسة والتي تسلط عليها الاستعمار فأجلاها والحجز فأرهقها ونظام الغابات فطاردها وقوانينه فأفقرها . إلى أن يقول لم يتأثر قلبنا فحسب من رؤية هذه المناظر بل ثارت عقولنا فأدركنا بأن في الجزائر تجري أمور ليست أهلا بفرنسا 20 . نعم لقد فعلوا بنا ما فعلوا لكونهم كانوا يعتقدون بأن غير الأوروبي ليس إنسانا كاملا وهذا حسب نظريات القرن التاسع عشر كنظرية فلسفة القوة لنيشه  Friedrich Wilhelm Nietzscheأو النظرية التطورية لداروين . وهكذا فنحن وهم لسنا شركاء في الكرامة الإنسانية ولا نحن وهم في مستوى واحد تجاهها . فنحن أي الجزائريين لم نخلق إلا لنكون رعاة أو خماسة عند المعمر وهذا هو وضعنا الطبيعي كما هو الوضع الطبيعي للأسود في أمريكا أن يكون ماسح أحذية لسادته البيض، أما غير هذا فهم ليسوا على استعداد لتقبله أبدا .

 ومن جهة أخرى يخبرنا عباس فرحات في كتابه الشباب المسلم بأن الجزائري لا يعرف من فرنسا : " إلا حارس الغابة والدركي والخزناجي أي قابض الضرائب حيث يقوم الأول بتحرير مخالفات له لرعي بهائمه في غابات الدولة ويضع له الثاني الحديد في يده والثالث ينزع منه دريهماته التي اقتصدها بصعوبة " 21 . نعم هؤلاء هم رسل وممثلو المدنية والحضارة الفرنسية في الجزائر بدلا من الطبيب ومن الأستاذ الجامعي ومن المحامي . وأدواتهم طبعا هي الحديد والنار والقهر والإذلال والإبادة والتشريد بدلا من المدرسة والجامعة والقاطرة والمحفظة وما تحتويه من أدوات مدرسية هي مراكبنا صوب المدنية الحقيقية . والنتيجة أن تحولنا حقا على أيديهم إلى أثينا ثانية كما كانت أثينا في اليونان القديمة وتفجرت المعارف أنهارا بين الجزائريين أينما حل هؤلاء المستنيرين وشعلة الحضارة . ولكن واقع الحال يقول بجريان أنهار الدم نتيجة سياسة الإبادة الجماعية التي انتهجوها وتغول مظاهر التصحر والجذب نتيجة سياسة الأرض المحروقة الإجرامية التي طبقوها في الجزائر فهيئا لهم بإنجازاتهم العظيمة تلك . 

وهنا من حقنا أن نتساءل هل كان الغزاة الفرنسيين يحملون بالفعل مشروعا تمدينيا للجزائر أم هم يحملون مشروعا مضادا للمدنية وللتحضر في الجزائر . فها هو الجنرال بيجو يلخص مشروعه في كلمتين التعمير والمعمرين أما العرب فما عليهم إلا أن يذهبوا في أيدي سبا فإن الذعر الذي ينشره الجيش الفرنسي سيجبرهم على الخضوع والخنوع كما سيرغمهم إفقارهم ونزع ممتلكاتهم إلى الارتزاق عند المعمرين كخادمين عمال وإلا فليذهبوا شذر مدر هذا ما تقتضيه عظمة فرنسا 22 . وهذه هي حقيقة أهداف الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وما بقي فهي مساحيق لتجميل وجهه القبيح والبشع . فعظمة فرنسا تقتضي تفقيرنا وتجويعنا وتجهلينا ونشر الأمراض والأوبئة بيننا وكل ما هو سلبي وذميم وبعدها يتحدث البعض وبوقاحة عن إيجابية الاستعمار . هذه هي مدينيتهم التي يتفاخرون بنشرها بيننا يقول فليب دو طوكفيل : " أردت المجتمع المسلم أكثر حرمانا وأكثر فوضى وجهلا ووحشية مما كان عليه قبل أن يعرفنا " 23 .

ولأجل أن يجعلونا أكثر حرمانا وجهلا فقد داسوا على كل المواثيق وعلى كل القيم الأخلاقية ’ وتحولوا إلى ضباع برية متوحشة لا تعرف إلا لغة القتل والتدمير . ولنستمع معا ونقلا عن عباس فرحات إلى الدكتور بوديشون  Eugene Bodichon  في العام 1945 وهذا حينما يقول : " لا يهم فرنسا أن تخرق في سياستها الاستعمارية المقاييس الأخلاقية وقيمها ولكن الذي يهمنا قبل كل شيء هو تأسيس مستعمرة نملكها بصفة نهائية وننشر على الشواطئ البربرية المدنية الأوروبية ومن البديهي أن أقصر الطرق لبلوغ غايتنا هو نشر الرعب ففي استطاعتنا أن نحارب أعدائنا الإفريقيين بالحديد والنار وأن نضرم نار الفتنة بين قبائل التل والصحراء وأن نبلوا السكان باستهلاك الخمور ونشر الفساد وبث عقارب النزاع والفوضى بينهم " 24 . وهذا النص لا يبقي أدنى شك حول نوايا وأهداف المهمة القذرة والتي أوقف الاستعمار ذاته على تحقيقها في الجزائر . فلا حضارة ولا هم يحزنون فالهدف هنا واضح فهو امتلاك مستعمرة على الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط وقد يتساءل البعض عن سبب إلحاحهم وإصرارهم على استعمار الجزائر . إن والجواب عن هذا التساؤل . نجده في الفقرة التالية : " ... ولكن يجب أن تكون هذه البلاد - أي الجزائر – أرضا فرنسية يعمرها الفرنسيون في أقرب وقت ممكن ويملكونها ويحرثونها حتى تصبح بجانبنا قصد تسوية المشاكل العالمية " 25 . والهدف هنا واضح ويتحدث عن نفسه فهو يتمثل في امتلاك عناصر القوة سواء كانت بشرية أو اقتصادية كالأسواق والمواد الأولية، أو منافذ بحرية ومراكز إستراتيجية تستخدم وقت السلم والحرب على حد سواء، لتقديم العون للحليف وقهر العدو . وهذا ما رأيناه يتجلى وبصورة واضحة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهما وكما يقال قد كانتا معركة كسر عظم بين فرنسا وحليفاتها في معركة حياة أو موت لإمبراطوريتها ضد أعدائها والجزائر كانت تمثل إحدى أسلحتها في معركتها تلك . وذلك بموقعها الممتاز في قلب شمال إفريقيا وبعمقها الإستراتيجي وبخيراتها اللامتناهية وبخزانها البشري والذي جندته فرنسا وفي مختلف حروبها . 

ثم علينا أن ننتبه هنا إلى نقطة أخرى تشير إليها الفقرة السابقة الذكر، وهذا حينما يقول صاحبها بأنهم استعمروا الجزائر حتى تصبح بجانبنا قصد تسوية المشاكل العالمية . وهذا هو الهدف الحقيقي من وراء استعمارنا . فالقرن التاسع عشر هو قرن استعمار وقرن فلسفة القوة لنيشته والبقاء للأصلح حسب داروين وقرن مالتوس Thomas Robert Malthus والذي وبحسب نظريته يجب أن تفسح أعراق بكاملها الطريق لأعراق أخرى وأن تباد الأولى نتيجة لمحدودية موارد الكرة الأرضية . مما جعل القادة في أوروبا القرن الثامن عشر والتاسع عشر يفكرون في التوسع الاستعماري لضمان موارد جديدة يسدون بها العجز في إنتاج المواد الغذائية في بلدانهم . وقرن المركزية الأوروبية وقرن الدولة القومية في أوروبا، وكل هذه الأمور لا تتحقق إلا متى توفرت القوة . وهذه الأخيرة لا تمتلك إلا عبر السيطرة على الأسواق والمواد الأولية والقوة البشرية اللازمة لتمويل الحروب . ولهذا فقد كان معيار قوة الدولة في القرن التاسع عشر لا يتمثل في الجانب الاقتصادي والبشري والتقني فقط وإنما قوة الدولة وحسب معايير ذلك القرن لهي تكمن أيضا في شساعة مستعمراتها واتساعها وهذه العقيدة هي السر الكامن خلف ذلك التنافس الأوروبي المحموم على المستعمرات وإلى غاية 1945 كمظهر من مظاهر المجد والعظمة . وهذا ما كانت تسعى إليه فرنسا بعيدا عن كل ادعاء زائف حول نشر المدنية والحضارة في الجزائر .

 ونبقي دوما في نفس الفكرة وهنا علينا أن نتساءل ترى أي مدنية سينشرونها في الجزائر وما هي أدواتها ؟ الإجابة نجدها فيما اقتبسناه سابقا من كتاب ليل الاستعمار لعباس فرحات والذي جاء فيه : " ومن البديهي أن أقصر الطرق لبلوغ غايتنا هو نشر الرعب ففي استطاعتنا أن نحارب أعدائنا الإفريقيين بالحديد والنار وأن نضرم نار الفتنة بين قبائل التل والصحراء وأن نبلوا السكان باستهلاك الخمور ونشر الفساد وبث عقارب النزاع والفوضى بينهم " 26 . نعم إن المقصود هنا هي المدنية الأوروبية والفرنسية خاصة والدين المسيحي في نسخته الكاثوليكية . وهذا لكون نظرية المركزية الأوروبية قد أوحت لهم بأن ما عدا أوروبا فهي عبارة عن هوامش يسكنها برابرة ومتوحشون ولا خلاص لهم إلا عبر المدنية الأوروبية . وعليه فمنطقة الشمال الإفريقي في نظرهم ما هي إلا منطقة فراغ حضاري سده الرومان ثم هم آتون لسده مرة أخرى وحتى العرب في نظرهم لم يأتوا بحضارة وإنما أتوا بالدين فقط 27 . كما أن الوضع قبل 1830 قد كان يتطلب التدخل الخارجي لإقامة وضع طبيعي بالمنطقة . وهذا لأن الدول الأوروبية ومنها فرنسا قد كانت ترى بأن الوضع في الجزائر العثمانية يتميز ب : " الاعتداءات المتكررة لرجال البايلك والفوضى والاضطرابات التي كانت تعيشها المجموعات العشائرية حتى يكاد المتتبع لمثل هذه الدراسات يسلم بأن مثل هذه الحالة لا يمكن أن يوضع لها حد إلا بالتدخل الفرنسي المتمثل في الغزو الفرنسي " 28 . ولهذا فقد كانوا يفسرون تاريخ الجزائر لأغراض مغرضة الهدف منها : " خدمة الاستعمار وتبرير الوجود الاستعماري في الجزائر وذلك بتغيير صورة الماضي وتشويه الواقع التاريخي حتي يصبح متماشيا ومصالح الاستعمار ... مما يحط بمثل هذه الدراسات في بعض الأحيان إلى مستوى الدعاية المغرضة " 29.

 

سمير خلف الله بن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3460 المصادف: 2016-02-25 12:53:27