المثقف - قضايا

المستقبل للنبلاء....

samir fadilفي 2009 حصل الروائي الكبير بهاء طاهر على جائزة حسني مبارك للآداب، لكنه ردها إلى مصدرها عام 2011، أثناء الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط نظام مبارك وقال أنه لا يستطيع أن يحملها وقد أراق نظام مبارك دماء المصريين الشرفاء.

وفي لقاء تلفزيوني للمفكر الكبير الراحل "محمود أمين العالم" مع إيمان مصطفى كانت أولى  كلماته بعد تقديمه من طرفها  تقول ما فحواه: إنني لست دكتورا فلقد تم فصلي من الجامعة المصرية عام 1954 بمعية الدكتور لويس عوض نتيجة مواقفنا  المزعجة لنظام عبد الناصر، ولقد أبغلنا خبر الفصل زوج سهير القلماوي الدكتور يحي الخشاب الذين كان عميدا لكلية الأدب والأسف يغمره، لكننا هدأنا من روعه وخرجنا من مبنى الجامعة إلى الشارع فوجدنا الجيزة مليئة بالناس فقلت للدكتور لويس: الجامعة فارغة وهؤلاء البشر هم مصر فلنخرج إلى الشارع من أجل هؤلاء الناس ... ومن ساعتها لا أزال في الشارع.

هكذا كان تعريف الرجل الكبير لنفسه، بعيدا عما  يمور اليوم من نرجسيات مفرطة تبعث على التقزز والغثيان.

عبد الناصر كان يقول علينا أن نصنع في 30 عاما ما صنعته أوروبا في 300 سنة، وبمثل هذا التفكير الأرعن كان ينتظر من أمين العالم وشهدي عطية ومختلف الكبار في مصر أن يحملوه فوق الأكتاف كزعيم واحد أوحد لا يشق له غبار ولا ينقد له قول ولا ينقض له عهد أبرمه.

لا يوجد تاريخ من غير مساءلة، ولهذا بدأت الحرب مبكرة بين الثقافة والسلطة في البلاد العربية مباشرة بعد نجاح حركات المد التحرري وانتصار فكرة القومية العربية، وبقي الأمر كذلك حتى جاءت هزيمة 1967 الساحقة، فمات التقليد الأدبي الذي درج عليه أدباء الستينات والذي كان يرى الكتابة الأدبية فعلا نبيلا، وتهاوى ذاك البطل الروائي الإيجابي الذي يغير الكون والذي طالما بشروا به، لأن العالم بدا لأول مرة مخيفا يحمل تهديدا وخطرا شديدا.

ساعتها كان يجب على الأدب والفكر العربيين أن يتعلما أن الآخر الذي لا يمكن إدانته لا يمكن تبنيه، وأن الفرق الجوهري بين المثقف عندنا والمثقف الأوروبي يكمن في كون المثقف العربي يعاني دوما من الظهر العاري على مستوى الحماية الاجتماعية، وأنه مهما قال وناقش وحلل واصطدم بمنظومات القهر فإنه لا يعدو أن يكون وردة في عروة الحاكم، وأن أفكاره سرعان ما يجري تناسيها لأنه لا يوجد في البلد من يستمع إليها.

جسد بهاء طاهر رفقة علاء الديب نموذجا لمثقف الطبقة الوسطى في علاقته مع السلطة التي ترفع شعار التقدمية والحداثة دون أن تعترف بمنتهى النقاء والصفاء والصدق مع الذات أن عملية ترييف المدينة لم تبدأ إلا مع صعود نجم الجمهورية العربية التي أسس لها العسكر على أنقاض الليبرالية العربية.

كانت أجمل منجزات الليبرالية  العربية  كفالتها للجامعة والقضاء حقهما في الاستقلال التام عن السلطة القائمة، تاركة إيانا نتعلم بمفردنا أن الجامعة الحرة من الوصاية والقضاء المستقل هما أول مظاهر الدولة المدنية.

أين كل هذه التجليات من مهاترات سياسية يتصدى لها مراهقون سياسيون، لو كانت الدنيا دنيا لما قبلنا بهم حراس ليل في حظيرة للسيارات.

في عام 1977  كان العالم يحوي 89 دولة ترزح تحت حكم الديكتاتور ، بينما نزل الرقم إلى 22 في أيامنا هذه،

وهو ما يعني أن هناك شيئا جميلا يكبر في صمت بعيدا عن حروب داحس والغبراء العربية، وتهارش الكبار شرقا وغربا، لأن موازين القرى تغيرت، والوعي الإنساني بلغ مستوى يبعث على الطمأنينة المفضية حتما إلى يقين مغاير لمختلف يقينات القرن العشرين الذي بدأ مجنونا وانتهى حزينا.

اليوم يتربع على عرش المال والأعمال بيل غايتس ووارن بافيت وكارلوس سليم حلو، ليس بحجم الثروة المكدسةّ، بل بحجم التبرعات الموجهة رأسا لفقراء الأرض وبؤسائها، وبدفاعهم المستميت عن جمال الحياة وروعة الكون الذي يمشي وراء هدي العلم والمعرفة والخلق الإنساني الرفيع.

الغطرسة والجبروت سقوط إنساني، وقد يستطيع البغي أن يقتل ويشرد ويعدم الرفاق ساعة غضب، لكنها لا يقوى على زراعة هلال خصيب يطعم الجوعى ويطفئ ظمأ الغليل، ولهذا فإن البؤس المتفجر في العروق سيخرج يوما إلى " ميدان للتحرير " ليقول للعبث كفى.

هناك اليوم قوة إنسانية ناعمة لكنها قوية تعمل في هدوء دون ضجيج على تنقية جو الدنيا من البطر الزمني وشبق الأباطيل، وإعادة الضمير الإنساني إلى رشده كي يتصدر الواجهة من جديد.

أنجيلا ميركل التي ورثت مقاليد ألمانيا عن بسمارك وهتلر ونيتشة، ورثت عنهم كذلك قهرا لفظيا يقول " ألمانيا فوق الجميع "، وها هي تدخل قلوب الناس في كل بقاع العالم لأنها فتحت أبواب برلين لملايين اللاجئين من آلاف المتابع وكأنها تحطم الشعار الموروث وتضعه مكانه شعارا آخر يقول " ألمانيا للجميع ".

لا مكان في خريطة العالم القادم لأمثال دونالد ترامب وأبي بكر البغدادي وقيصر الكريملين الحديدي وكل زراع الشر والفزع، لأن العالم  عرف البرازيل  من خلال كرة القدم بجوهرتها السوداء و جناحها الأيسر الطائر   غارينشا،  كما عرف روسيا من خلال جامعاتها والسينما وبساطة الملبس والمأكل ومن خلال الرياضة الجماهيرية، وما كان الدنيا لتسمع بإسبانيا العميقة إلا من خلال كهف سرفانتيس..

التاريخ يكتبه المنتصرون لكن الخلود لا يناله إلا النبلاء طال الزمن أم قصر.

تميمة الخروج تفيد: بدل أن تفوح بلد الإشعاع بعطور سياسييه كان من الواجب أن ينشر أريج حضارته وروحه الإنسانية في كل زاوية من زوايا الأرض وساعتها سنحسن التفريق جيدا بين الجزائر التي هي تصحيح لغوي لجمع جزيرة،  و" دزاير " السفلة والمجرمين والنيفو الهابط ....الأقوياء ينحسر مدهم ونحن لا نزال نتمثل بهم ولو من خلال لعبة ماريو ...شاهت الوجوه.  

 

بقلم: سمير فضل

      

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3465 المصادف: 2016-03-01 01:28:34