المثقف - قضايا

فلسفة الأعقاب والهوية المستبدلة

تاريخ البشرية، هو تاريخ هُويات، وإن متتبع تاريخ هذه الهويات، يجد أن ما هو مستبدل منها أكثر مما هو ثابت فيها، وهذا يعني أن قناعات البشر بالهويات القديمة والجديدة تأتي عبر عملية ترسيخ وإقناع تتم ببعد عملي ونظري معا، وهذا ما نجده في قصص كثيرة مثل معاجز الأنبياء أمام الأقوام التي أُرسلوا لها، كقصة عصى موسى وسحرة فرعون .التي تبين لنا حقيقة التمركز حول عنوانات هوياتية منطوية على أثر قد ترسخ في مخيلة ذلك المعتقد من أعضاء هذه الهوية أو تلك، وترسيخ هذا المعتقد الهوياتي سوف يجابه أي خطوة إصلاحية أو تغييرية، من شأنها أن تغيره أو تحرفه عن مراسم هويته وتشكلاتها التي تحولت الى قوالب دوغمائية، لا تقبل النقد ولا التفكيك، وهذا يوضح أن تكوين الهويات، لا يأتي من فلسفة بقدر ما يأتي من عقائد ساذجة أو مكتسبة، تشترك بها عوامل الفطرة والقناعة والتنشئة والتكوين، كأجزاء من تكوينها وظهورها وتصلبها ومواجهتها، فهي تولي للأثر أهمية سواء أكان سلبياً أم إيجابياً كجزء من تعريفها لهويتها، فالهوية تعني الموروث بل تعني الأثر بكل معانية ؛ لأنه يصبح جزءاً من الموروثات والآثار الجينية المتناقلة بين أفراد البشر، وكأنها عقيدة تناسخ حتمي لا يمكن أن تتجاوز فرداً من فصيلتها ومن هم على آثارها .

وبهذا الاستعداد الحائم حول مأوى العقيدة والاعتقاد والأثر، يصبح الحديث عن تفاعل الذوات مع بعضها، أمراً في غاية الصعوبة، ولاسيما بين الأجيال في المجتمع الواحد، والتي يكون لها نصيب من مغادرة أجواء تلك الآثار وهيمنتها المعنوية على ذواتهم، فكثير يذهب ضحية الاستسلام للمؤثر السلبي، وحتى هذا السلبي لم يُدرك بسلبيته أو يدركه ولكن يبقى جزء من أثره وتقليده وعادته وشعوره و سلوكه، يمانع به كل سلوك مغير ومصلح وثائر، فالهوية على صراع دائم مع الجديد والطارئ الإيجابي . وتتسم بالتحدي والمقاومة المتعنتة والرفض السلبي، التي يبقى الزمن فيها كعامل يتناغم مع متغيراتها الهادئة، وهذا ما حدث في مصاديق تاريخية عديدة، تحقق منها كثير وطمس بها هويات شعوب بأكملها وأهمها اللغة، مثل الأحتلال البريطاني للهند الذي أستمر أربعة قرون، فصناعة الهوية أو تسويقها، يحتاج إلى أحداث متغيرات مقبولة وناعمة تستطيع أن تنفذ إلى الآخر بقبول مرغم، نتيجة لعوامل التغير التي تستدعي استبدال الهوية باللاشعور، وهذا ما يحدث مع الأفراد وتفاعلهم مع الجديد، ولعل سوق العولمة بقدر ما فرض علينا التعريف بهويتنا، بقدر ما جعلنا نصنع هويات مشتركة، عبر منافذ مغرية، مثل الشركات المتعددة الجنسية والتعاقدات التجارية وسوق الأسهم وغيرها التي جعلت الفرد لا يكترث كثيرا لمعنى الهوية، لأنه قد يجد نفسه في حيرة عندما يحاول إن يعرف هويته أو ذاته، وهو يحمل جنسيتين من بلدين مختلفين بالثقافة واللغة والتاريخ والحضارة، أو يجيد لغتين أو أكثر .وهذه الإشكالية الهوياتية جعلتنا أمام خطر العودة إلى الأعقاب بمفهومها الرجعي، أو أمام أستبدال الهويات بشكل عفوي أو إنجراري نتيجة المتغيرات المتسارعة في عالم قد تعددت هوياته، نتيجة التواصليات، التي لا تشعرك بغربة الانتماء القسري أو العزلة الجغرافية، فالكل أخذ يتحدث عن الكل، وهذه الإنتمائية الجديدة جعلتنا أما فلسفة أو مهمة فلسفة جديدة، تقتصر على تحليل خطاب العودة للسلف المقيت والإنقلاب على الذات، في تفكير رجعي لا يتفاعل إيجابيا مع الحضارة الإنسانية الراهنة، بدعوى البقاء على الجذور وترسيخ الثابت والحفاظ على الأثر، فالتفكير المتقهقر أو المنكفيء على الذات التاريخية، لا يعكس معنى الهوية ولا يساهم بحيويتها، بقدر ما يشين عليها أو ينعتها بالهويات المغلقة التي لا تنتمي للبشرية، وعندها لم تعد هوية بالمعنى الحضاري، بل هوية بمعناها العصبي والقبلي وهذه تعد هوية ضائعة لا تمثل أصل الهوية ولا رونقها، مثل التيارات المتطرفة وانتسابها المدعي هوياتيا إلى الدين الإسلامي، أين هوية الإسلام الأولى؟ و أين هوية من يدعي الانتساب إليه اليوم؟ فالعودة إلى الأعقاب هو رجوع، لا يعني التبني الصحيح لكل ما كان فما هو كائن غير ما كان، وهذا يسمح بتبدل هوية التعامل والتعايش والحوار والتسامح وفق متغيرات العصر ولغة الخطاب .وهذا ما لم يفهم من قبل دعاة الأعقاب و مبدلو الهويات قسراً، واستبدال الهويات القسري، يعني هناك إبادة وجريمة وإلغاء وتعدي واحتلال وقتل، وهذا ما فعله داعش وغير داعش من أسلافهم، العقبيين، النكوصيين والمتقهقرين فكريا والعائدين بالتاريخ بهوياته التقليدية، لتكون جزءاً من هوياتنا المعاصرة والمستبدلين به هويات لشعوب قد عايشت التفاعل الحضاري ومتطلباته .فهم لا يؤمنون بسيرورة التاريخ ولا يأملون المستقبل، فهم يرسخون ويُتثقفون للثبات العقائدي والمذهبي، ويجعلوه إيديولوجيا وسلاح وعقائد دوغمائية، لا تعترف بالآخر حتى يكون جزءاً من هويتها، مستغلين بذلك ظواهر الأقوال وسذاجة الأفعال. ومن ذلك نبين أن الهوية الإسلامية اليوم تعاني من تمركزات ذاتية حول العقب والأجداد والسلف، ومن استغلال أممي أمبريالي لهذا النكوص التكفيري، فلو حللنا الهوية على ضوء ما تقدم نجد أنها تعاني بتفاعها مع الأثر والمتغير والثابت، كل سلبياتها التي توضح لنا طموح العودة إلى الأعقاب ذاتيا والاستبدال الهوياتي موضوعياً، فبين الرغبة بالعود والطموح بالاستبدال، شَّرعت كل مشاريع التدخل الخارجي والداخلي الذي أخذ يلطخ هوية الأمة بألوان العتمة والظلام.

 

رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3465 المصادف: 2016-03-01 01:46:10