المثقف - قضايا

الميزات التخطيطية للمدن الاولى في العصر الاسلامي

amar alshaheenأنشئت أولى المدن في الحضارة الاسلامية نتيجة للفتوحات لتكون مستوطنات للجيش يرجع اليها، لهذا تجدها على اطراف الصحراء لتتيح للجيش حرية الحركة والتنقل  اي ان المدن الاولى مدن عسكرية في الدرجة الاساس وهي اشبه بثكنات عسكرية للجيش وعائلاتهم، واول مدينة انشئت خارج شبه الجزيرة العربية في الدولة الاسلامية هي مدينة البصرة سنة (15ه)، في زمن عمر بن الخطاب، واختيار الموقع كان من قبل القائد العسكري عتبة من غزوان، وموقعها قريب من الصحراء وقريب من المراعي، لأن المياه  والاراض الزراعية حاجتان رئيسيتان لنمو وازدهار المدن، وقد خط عمر بن الخطاط اول المميزات لتخطيط المدينة بقوله (أن اجمع اصحابك في موقع واحد وليكن قريبا من الماء والمراعي واكتب الي بصفته)، وعلى نفس المحددات انشئت مدينة الكوفة سنة 17ه، من قبل القائد العسكري سعد بن ابي وقاص، وقد يكون سبب الخراب في هذه المدن اختيار مواقعها بناء على محددات جغرافية تراعي المكان دون التحصينات العسكرية، التي اخذت بنظر الاعتبار في تخطيط المدن التي انشئت لاحقا كواسط وبغداد كما سياتي ذكره.

تعد مدينة البصرة والكوفة متشابهة من حيث التخطيط فالمسجد الجامع في الوسط ، تحتوي على شوارع رئيسية اتساعها بحدود 300 متر(40ذراع) ، والشوارع الثانوية اتساعها بحدود 15 متر (20 ذراع) ترتبط بأزقة بعرض 5 متر (7 ذراع )، تكون الدور متلاصقة، مقسمة الى محلات تتوسط كل محلة ساحة او رحبة بحدود 45 متر ( 60ذراع) وترتبط بشوارع بعدد القبائل ، وتسمى باسمها، وكل دار لا يقل فيها عدد الغرف عن ثلاثة . ولهذا يقال عنها مدن قبلية.

المدينة التي انشئت بعد الكوفة هي مدينة واسط ، انشئها الحجاج سنة 75(ه)، وهذه المدينة تعد حلقة وصل بين التطور في تخطيط المدينة الاسلامية، تحديدا بين الكوفة والبصرة منجهة وبين المدن الاحقة مثل مدينة بغداد في العصر العباسي، من المفيد ذكر الوضع السياسي في العراق خلال فترة الحكم الاموي عموما والحجاج خصوصا، حيث بعد ان استولى معاوية على الخلافة، ونقض العهد الذي قطعه للامام الحسن (ع)، اذا قال بعد ان الت اليه الخلافة من على من منبر الكوفة :(ان جميع ماعاهدت به الحسن ابن على من عهود ومواثيق تحت قدمي، ولا افي له باي شرط منها اشترطه على واعلموا يااهل العراق انا ماقاتلناكم لتصلوا او تصوموا او تحجوا، ولكن قاتلناكم لنتأمر عليكم)، بعدها استمر تسلط بني امية على اهل العراق فافرطوا بظلمهم وقتلهم، لهذا رفضوهم وثاروا عليهم، وجاء بعد معاوية زياد وعبيد الله ابن زياد الذي ارتكب ابشع مجزرة بقتل الامام الحسين(ع)، واستمر الوضع السياسي في العراق غير مستقر وصولا الى ولاية الحجاج على العراق، وكان اقسى حاكم عرفه اهل العراق في الحكم الاموي، وعرفت فترة حكمه بانها فترة دموية ،ولذلك فان الحجاج لم يستطع اتخاذ البصرة او الكوفة مقرا لجيش الشام لكراهيتهم له، وبعد ان يئس الحجاج  من كسب مودتهم، وتيقن انه لايمكن للجند العيش بامان وطمئنينة في البصرة ولافي الكوفة، لانه لا يئمن ثورتهم عليه، فدفعه ذلك الى انشاء مدينة واسط لتكون مقرا لجيشة، وفيها دار لامارته، واختارموقعها بحيث تكون محصنة طبيعيا، اذ اقيمت المدينة على الضفة الغربية لنهر دجلة ليكون حاجزا طبيعيا في شرق المدينة لا يمكن للثوار عبوره اذا ما قطعت الجسور، وبشكل شبه دائري، وموقع يتوسط بين الكوفة والبصرة والاحواز لمسافة تقريبة 350 كم ، ويقال ان اسمها قد اشتق من ذلك. وبهذا ابتعدت مدينة واسط عن الصحراء بعكس المدن السابقة ، ولزيادة القوة الدفاعية امر الحجاج ان تسور بسوريين وخندق، تحتوي الاسوار على ابواب رئيسية ضخمة لايمكن دخول المدينة الا من خلالها ، ومن ناحية التخطيط الداخلي لم ينشا وفق التقسيم القبلي، بل خططت شوارع رئيسية سعتها ضعف سعة الشوارع في الكوفة والبصرة، عددها اربعة فقط ، تفضي الى مركز المدينة الذي يحتوي على المسجد الجامع ودار الامارة متجاوريين للتدليل على وحدة الخطيين الديني والسياسي ، ولكن في مدينة واسط قصر الامارة اكبر من دار الامارة في البصرة والكوفة، وجعله مركزا للمدينة بدلا من المسجد الجامع، ومساحته ضعف مساحة المسجد في واسط والكوفة، ومن المؤكد ان الحجاج رغب في ان يكون مبنى دار امارته، متميزا بضخامته واتساعه ليعكس هيبة السلطة، ومدينة واسط مدينة اقرب ماتكون مدينة امير منها الى مصر او مخيم.

وخلاصة القول ان اختلاف استقرار الوضع السياسي في بداية الدولة الاسلامية، وطبيعة التركيبة القبلية للجيش وحاجته الى ثكنات عسكرية وسطية، ينطلق منها عبر الصحراء الى وجهات الفتوحات، وكون الجيوش قبلية قسمت المدن تبعا لذلك ،ادى الى انشاء مدن البصرة والكوفة بتلك الميزات التخطيطية، وبتغير الوضع السياسي واضطرابه في الحكم الاموي وازدياد اعدائهم تطلب زيادة الاستحكامات الدفاعية لتحمي الجيش و تحمي الامير اكثر منها نقاط انطلاق للجيش، انشئت مدينة واسط.

 

المهندس عمار شِنتة الشاهين

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3470 المصادف: 2016-03-06 22:58:01