المثقف - قضايا

المُلحد والموت

safaa alhindiأشدّ ما يخشاه الإنسان المُلحد هو لحظة الموت، وأكبر عقبة في حياته هي مشكلة الموت، حتى أنه قد يلجأ للإنتحار أحيانا للتخلّص من رهبة هذه اللحظة التي تقلقه، فالإنسان المُلحد يحار في مشكلة الموت ولا يجد حلا لها، ويُساق قسرا إليه وهو منزعج. بخلاف الإنسان المؤمن فهو مطمئن يشعر أن الحياة والموت في يد الله، وأن ساعة الإنتقال لا تخصّه على الإطلاق، إنما تخص الله الذي آمن به وهو الذي يدبّرها على أحسن ما يكون. وفي اللحظة المناسبة يُنقل الإنسان المؤمن من أرض الشقاء والعناء إلى الآخِرة أرض الراحة والنعيم، ولا تقف نظرة الإنسان المؤمن عند القبر والتعفّن والتحلّل والتراب، إنما ينظر المؤمن للجسد كواسطة ينتقل وينطلق منها إلى الآخِرة والحرية الأبدية، والجسد في نظره مثل آلة يستطيع التحكّم بها لتوصله الى النهاية المنشودة. الموت بالنسبة للمُلحد هو قبر وظُلمة وتراب وفناء، أما بالنسبة للإنسان المؤمن فهو سماء ونور وخلود.. القبر بالنسبة للإنسان المُلحد هو مستقرّ ونهاية مؤلمة أما بالنسبة للإنسان المؤمن فهو مرحلة وعبور الى الآخِرة..

لذا كان الموت ولحظات عذاب الإحتضار الاخيرة في حياة الملحد هو الهاجس الذي طالما أثار خوفه وضيّق صدره وأشعره بالرهبة والتهديد الدائمة. لم يكن هذا الشعور بالرعب والخوف من النهاية المحتومة ليأتي ويُداهم من فراغ أو من أن الموت هو النهاية الطبيعية لكل الأحياء في الدنيا كما هو مفترض في إيمانه لو لم يكن من سبب آخر وجيه وأصح إنبثق إلتماسه من الإحساس والشعور بأن هناك حياة أخرى أبدية بعد الموت. فحقيقة إيمان الملحد العبثيّة نابعة من تجبّر ومكابرة وأنانيّة فارغة على حساب حقيقة الإله صانع الروح، والجسد من ناحية، وعلى حساب العقل وفطرة الإنسان التي فُطِر عليها من ناحية ثانية، وأظن، مامِن ملحد قط لم يتعرّض بنفسه لهذا التساؤل والإعتراف بجوابه ولو في لحظاته الأخيرة.. وأظن ايضا، مامِن ملحد لم يعاني ويرى الأهوال عند الإحتضار ولم يقرّ ويعترف بالحقيقة في النهاية.

فهذا "فولتير "Voltiare قبيل موته بثلاثة أشهر أخذ يعاني من تبكيت الضمير، حتى أن زملائه أقرُّوا بأن موته كان أشد فظاعة من موت أي شخص آخر، وقد طلب قسّا وأظهر رغبته في الرجوع لله، وكتب إقرارا يعلن فيه رفضه للإلحاد والمُلحدين، وكان يقول لمن يحيط به من المُلحدين "أذهبوا.. انصرفوا.. ما أحقر المجد الذي جلبتموه لي" وكان يلتمس الرحمة أحيانًا فيقول "لقد هجرني الله والبشر وليس أمامي سوى الجحيم. يا سيدي، أيها المسيح. يا يسوع المسيح" وأحيانًا أخرى كان يجدف على اسم الله المبارك، وقال للطبيب الذي يعالجه أنني مستعد أن أُعطيك نصف أملاكي لو جعلتني أعيش ستة أشهر، وعندما قال له الطبيب: يا سيدي لا يمكنك أن تعيش ستة أسابيع، قال فولتير "سأذهب إلى الجحيم" ومات بعد فترة وجيزة (1). وقال " فرنسيس نيوبورت "Francis Newport" أنني أعلم بوجود إله، لأنني أتأثر دائما بتأثيرات غضبه. كما أنني أعلم أيضا بوجود جحيم لأني قد تناولت الآن في قلبي عربون ميراثي هناك. قد أهنتُ خالقي، وأنكرتُ مخلصي. قد انضممت إلى صفوف المُلحدين والكافرين، وظللت في هذا الطريق رغما عن تبكيت ضميري المتكرر - إلى أن صرخ - أثمي متطلبا دينونة الله العادلة. إلى أين أنا ذاهب؟ إني محكوم عليَّ بالهلاك الأبدي، قد أصبح الله عدوّا لي وليس لي معين.. " ثم صرخ بأنين يُمزق الأحشاء - كأنه قد خرج عن نطاق البشر قائلًا "يا لها من آلام لا تُطاق آلام الجحيم والهلاك. ومات كذلك" (2).

فظيع ومُزعج هو موت الملحدين، أما الإنسان المؤمن فهو واثق عند موته، مهمى كانت آلام الجسد ومهمى كانت العذابات التي يعانيها في الدنيا، فالذين جازوا في عذابات رهيبة جرّاء إيمانهم كانوا يتمسكون بهذا الإيمان حتى النفس الأخير، فهم يرجون الله الرحمة والمغفرة في هذه اللحظات كما كانوا يرجونه ويسألونه دائما في حياتهم. يقول "ريتشارد وورمبراند": "حينما كنت بين جدران السجن.. كنت أسمع أنين البعض في لحظاتهم الأخيرة، وكنت أصغي إليهم في النهاية وهم يرددون {هو الله. الله موجود} وما أحلى أن تنتهي حياتنا وهذا التأكيد العظيم على شفاهنا مشيرا إلى اليقين الثابت في أعماقنا" (3) ويقول أيضًا: "وأولئك وسط العذابات والاضطهادات في قلب السجون، إذ بالله يُشرق عليهم بنور الإيمان في ساعاتهم الأخيرة فيهتفون {الله الله وليس سواه}"(4).

في نهاية حياة الملحدين وعند النزع الأخير، غالبا، أكثرهم يرون حقيقة الله ووجوده يتجلّى أمام أعينهم ويذكّرهم بهذه النهاية المحتومة التي لامحيص منها ليقول لهم "وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ" (5)، والموت بطبيعته أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ ويفرّ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره، ولكن أنّى له ذلك والموت طالب لا يملّ الطلب، ولا يُبطيء الخطى، ولا يخلف الميعاد، ومجرّد ذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدبّ في الأوصال، وبينما المشهد معروض للإنسان في تلك اللحظة يسمع: (ذلك ما كنت منه تحيد). وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات..؟، فقط الأيمان بالله (سبحانه) وحده وبرسله وأنبيائه (عليهم السلام) هو ما يُهديء النفوس المؤمنة ويفيض عليها أشراقات نوره فتُنير قلوبهم وتُطمئنها وتسكِّنها.

فالموت والتفكير بالموت الذي هو نهاية طبيعية لكل حي، أقلقهم وأقضّ مضاجعهم ومثّل مشكلة المشاكل لدى الملحدين، بسبب أن قلوبهم مُظلمة وخالية ليس فيها أي إشراقة من نور الأيمان بالله، ورغم التذكير الدائم، تبكيت الضمير، الذي إعترف ويعترف به جلّهم إلّا أنهم أبوا الرجوع الى حضيرة الإيمان وبقوا عُصاة وجنوا على أنفسهم وهم يعرفون جيدا أنهم مرجّفين وطالما كانوا أعداء الله في حياتهم. لذا إذا كان الموت ونهاية حياة الإنسان تتعلّق وتنتهي فقط بفناء الجسد.. فلماذا إذا تبكيت الضمير، ولماذا الصراخ والخوف من الموت أيها الملحد؟. فهذا "تاليران" في مواجهة الموت كان يصرخ " أنني أقاسي ويلات اللعنة" (6). أو "ميرابو" كان يهمس جزعا من هذه النهاية "هيا إليَّ بالمُخدر.. حتى لا أفكر في الأبدية" (7). وأيضا شارل التاسع ملك فرنسا كان يصرخ "يا للدماء.. يا للمذابح.. يا للمشورات الرديئة التي أتبعتها.. لقد ضعت للأبد" (8). أو "توماس باين "Thomas Paine صاحب كتاب "عصر العقل" قال في لحظاته الأخيرة "آه إني على استعداد أن أدفع كل العوالم - لو أُعطيتها - في سبيل سحب كتابي "عصر العقل" آي يا رب ساعدني، يا يسوع المسيح أعني، كن معي. أنه الجحيم بعينه أن تتركني وحيدًا" (9). وكان يصرخ "يا رب ساعدني. اللهم ساعدني. يا يسوع المسيح ساعدني". وأيضا "ياروسلافسكي "هتف وهو على فراش الموت أمام ستالين قائلًا "أحرقوا كل كتبي. أنظروا. أنه هنا ينتظرني. أحرقوا كل مؤلفاتي" (10).

إذن الملحد ورغم تبكيت الضمير في بعض حياته لم يتنبّه الى أنه غارق في كذبة الفناء واللا أبديّة، ويعترف فقط في لحظاته الأخيرة بالأبديّة التي طالما كان ذكرها وتذكّرها يؤرقه ويخيفه، وأيقن ويوقن أن بموت الإنسان وفناء جسده لاتنتهي حياته، وإنما هناك حياة أخرى تنتظره، وأن الموت هو عبارة عن إنتقالة من الحياة الدنيا الى حياة الآخرة، الأبديّة، حيث إمّا النعيم وإمّا الجحيم.

 

 

 

..........................

(1) نورمن أندرسون - العقل والإيمان.

 (2) المصدر السابق.

 (3) جواب المسيحية على الإلحاد الشيوعي.

 (4) المصدر السابق.

 (5) سورة ق: الآية: 19.

 (6) جواب المسيحية على الإلحاد الشيوعي.

 (7) المصدر السابق.

 (8) المصدر السابق.

 (9) المصدر السابق. (10) المصدر السابق.

 

 

صفا

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3471 المصادف: 2016-03-06 23:21:25