المثقف - قضايا

المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر عنوان مزيف لسياسات وممارسات استعمارية همجية ووحشية (5)

شواهد وأدلة تدحض المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر

 بداية كلامنا في هذه النقطة ستكون مع شهادة إسماعيل أوربان في حق فرنسا وقومه. فهو يخبرنا بأنهم لا يريدون تمديننا ولا يهم عابئون بتحضيرنا فهو يقول إن : " الفرنسيين بالجزائر غير مهتمين بمهمة التمدين التي يقومون بها ويعاملون الأهالي كمنهزمين واقعين تحت الضغط السيطرة ولم يعاملوهم كمواطنين ملحقين بفرنسا " 180 .

ولقد صدق الرجل في كلامه هذا، فلو كانت فرنسا آتية لتمديننا لكان الشيء المنطقي والذي توجب أن يحدث هو أن الجزائر العاصمة ككل وليس الأحياء الأوروبية فقط في العام 1962 كان من المفروض أن تكون هي الأخرى عاصمة للنور، كما هو حال باريس تماما وتكون في نفس مستواها العلمي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي . ونفس الأمر مع كل عموم الجزائر تكون هي الأخرى، كان يجب أن تكون في نفس مستوى باقي مدن وأقاليم فرنسا الأخرى ولكننا كلنا نعرف الوضعية المزرية التي خلفها وراءه الاحتلال فالجزائر فقد : " ورثت وضعا معقدا على الأصعدة الاجتماعية والإدارية والاقتصادية فقرابة 5 ملايين جزائري كانوا ينتظرون " حلولا مستعجلة " لمشاكلهم اليومية والتي تراكمت وازدادت حدة خلال سنوات ثورة أول نوفمبر ...  ومن بين هذا العدد " يوجد300.000  طفل يتيم من بينهم 30.000 يتيمي الأبوين  و3 ملايين جزائري هدمت أو أحرقت قراهم  ومداشرهم و 700.000 فروا من القرى منهم من اختار النزوح إلى المدن ومنهم من آثر الهجرة إلى أوروبا إلى جانب 300.000 كانوا لاجئين بتونس والمغرب ". وعلاوة على هذه الأرقام ارتفاع نسبة البطالة التي قدرت يومها ب94 بالمائة إلى جانب الأمية والأمراض والصدمات النفسية والعقلية " 181 . وهذا الكلام صفعة قوية يُـرد به على دعاة المهمة التحضيرية النبيلة الفرنسية في الجزائر . وإننا لنجد في مثل هذه الدراسات الكلمة الفيصل فيما يخص المهمة الحضارية الفرنسية في الجزائر ويغلق باب الجدل والنقاش حولها . فها هو محمد العربي الزبيري المؤرخ الكبير يخبرنا بأن المؤرخ النزيه لا بد من أن يقر بما أنجزته فرنسا في الجزائر ولكن انجازاتها تلك كانت حكرا فقط على التجمعات العمرانية الأوروبية في الجزائر . وهو نفس الرأي الذي يتبناه شيخ المؤرخين الجزائريين أو القاسم سعد الله . ومن قبلهم جميعا نجد فرحات عباس صاحب كتاب ليل الاستعمار يتبني هو الآخر نفس هذا الطرح ويقول : " إن ما تعتبره أوروبا موضوع وعظمة وفخر ما نعتبره  نحن إلا مصدر ويل وثبور إن الاستعمار الأوروبي لم يكن إلا سلسلة من جرائم اقترفها ضد الشعوب المستضعفة . إن الاستعمار لا هم له إلا الجشع ولا أساس له إن قانون القوة والاغتصاب والسلب والنهب أما كلمات مدنية ونشر المسيحية وغيرهما من الألفاظ الجوفاء ما هي إلا ذرائع تحاول عبثا أن تخفي وراءها غرائز الإنسان الدنيئة والشريرة " 182 . ونحن نعتقد بأن هذا النص لا يحتاج إلى أي تعليق منا أو من غيرنا حول طبيعة الاستعمار الحقيقية بعيدا عن كل دعاية جوفاء لصالحه تحاول تجميل وجهه القبيح والبشع . 

وما يشهد للكلام السابق هو تلك الحصيلة الهزيلة جدا من الإطارات والتي كونها المحتل لغرض لا لخدمة الجزائر وشعبها وإنما لخدمة مصالحه . ففي العام 1951 أي بعد قرون وواحد وخمسين سنة من بداية مهمة فرنسا التحضيرية في الجزائر كانت النتيجة كالتالي : " 78 محاميا مقابل 184 لتونس و 75 طبيبا مقابل 153 و36 صيدليا مقابل 49 و4 و 5 قضاة " 183 . هذه هي الحصيلة العار لأكثر من قرن من عمر المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر .

وهنا من حقنا أن نتساءل عن السبب الواقف خلف هذا الفشل الذريع لأكذوبة المهمة التمدينية الفرنسية في الجزائر إن الجواب لنجده فيما جاء في كتاب ليل الاستعمار لعباس فرحات عباس حيث نجده يخبرنا بأنهم : " قد احتلوا الجزائر احتلالا حينما كانت رحى الجيش الفرنسي تطحن شعبنا كان الاستعماريون منهمكين في السلب والنهب وفي اشتفاف ثروة البلاد وفي استرقاق رقاب العباد جاعلين من أبناء عبيدا مجبرين وأرقاء مسخرين " 184 . ولو قال عبارة حينما كانت رحى الجيش الفرنسي تطحن قلاع الجهل والجهالة وكان الاستعماريون منهمكين في تشييد منارات للعلوم وللمعرفة وفي تفجير ينابيع الحكمة والعلوم على اختلافها، وفي تحرير رقاب العباد من قيود أسرى كهف أفلاطون وأوهام خيالاته وخرافاته، وجعلهم متعلمين مستنيرين متوقدي الذهن والعقل . لهللنا لهذه المهمة الحضارية المزعومة ولأقمنا التماثيل لروادها وصناعها شكرا وعرفانا منا لهم .

أما احتجاجهم بأنهم قد بنوا وبنوا في الجزائر فهذه حجة يكذبها واقع الجزائر قبل 1830 فبلادنا لم تكن مجرد مجموعة من الخيم كقرى الهنود الحمر في العالم الجديد . كما أنها لم تكن مجرد أكواخ من القش كما هو الحال في بعض قرى إفريقيا مع احترامنا للجميع ولمستويات التمدن لديهم . فبلادنا كانت دولة ذات سيادة ومعترف بها دوليا وكما أنها كانت قطر عامرا وغنيا بالزرع والضرع يذوذ عن حوضه سكان عديدون وهم أصحاب مدنية رائعة 185 .

كما أنه ومن بعد قرن من بداية المهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر لا زلنا نصادف المطالب الجزائرية الرامية لإصلاح الوضع في الجزائر وهذا ما قام به النواب الجزائريون حيث : " وجهوا احتجاجات إلى ليبرالي فرنسا منهم رئيس الجمهورية الفرنسية، ورئيس المجلس ووزير الداخلية، وإلى موريس فيوليت Maurice Viollette عضو مجلس الشيوخ، جاء وزير الداخلية الفرنسي " مارسيل رينيه  Marcel Régnier " إلى الجزائر للإطلاع بنفسه على أحوالها، واصطدم بالحالة المزرية التي كان يعيش فيها الجزائريون المسلمون، وبرجوعه إلى فرنسا أصدر قرارا سمي باسمه " قرار رينيه " يهدف إلى القيام بإصلاحات تضع نوعا ما بعض المسكنات، والهدف منها المحافظة على أمن وسلامة وأملاك المحتلين متجاهلا بذلك مصالح الجزائريين المسلمين." 186 . وكل هذه الشهادات تعري زيف الادعاء القائل بالمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر . فحتى النواب الجزائريين امتعضوا وامتعضوا من الوضعية المزية التي يحياها شعبهم . ونحن هنا لا نتحدث على نواب الاتجاه الاستقلالي مثل السيد الأمين دباغين . وإنما نتحدث على من أهم أقل ثورية منه وممن يصنفون على أنهم من أنصار الوجود الفرنسي في الجزائر، ونحن هنا نقصد نواب حركة النخبة . وإذا ما نحن انتقلنا إلى السيد عباس فرحات فإننا نجده يقول وهذا في معرض حديثه عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأن : " الثقافة الفرنسية يجب أن تكون مكملة للثقافة العربية، وأن تكون بابا يفتح لنا على التقنية والعلوم العصرية " 187 . ونفهم من كلامه هذا بأن فرنسا قد أغلقت في وجهنا باب التقنية والعلوم العصرية وهما مفتاحا التحضر والمدنية . 

كما أنه لو كانت فرنسا قد أنزلت على أرض الواقع بالنسبة للجزائريين أي شكل من أشكال التحضير والتمدين لما كان هناك من مبرر لظهور مطالب الأحزاب السياسية والجمعيات الجزائرية فيما يخص الجانب الاجتماعي والثقافي والتعليمي منها على وجه الخصوص . ولئن كانت فرنسا قد جاءت حقا لتمديننا  فلما هي قد أغلقت مدارسنا من جهة ورفضت من جهة أخرى أن ندرس في مدارسها ؟ . وكلنا نعلم أهمية التعليم في أي مجتمع . فلقد كان فرحات عباس يرى بأن الشعب المتعلم هو الشعب الذي لا يستعمر، تحرير الإنسان من الفكر الاستبدادي، بعد التحرير تأتي المشاريع الاقتصادية، بناء المستشفيات، الطرقات، المياه الصالحة، الكهرباء، تحسين السكن . 188 . وكل هذه النقاط تؤكد زيف المهمة الحضارية الفرنسية في الجزائر وتنسفها من أساساتها . فها هو عباس فرحات إضافة إلى ما سبق يناضل لأجل إنشاء بنك للفلاحين الجزائريين ولأجل تطوير التربية ونشرها والمساواة في معاملة الموظفين الجزائريين وخلق وسائل العمل للعمال الزراعيين 189 . هذا ما كان من مطالب مشروعة للجزائريين خلال ح ع 2 . ترى ماذا كانت فرنسا تفعل طوال أكثر من قرن في الجزائر ؟ ألا تدل هذه المطالب على أنه لم يكن هناك في الجزائر لا تحضير ولا تمدين . وإلا فليس من المعقول بأن يطالب الجزائريون بشيء موجود أصلا وإلا لكانوا مجانين . ولكنهم كانوا أعقل العقلاء ولذلك فقد طالبوا بحقوقهم المشروعة المسلوبة منهم كباقي أمم الدنيا الأخرى .  

ولكل ما سبق فعباس فرحات رفض إلقاء كلمة أثناء إحياء الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر في العام 1930 حيث طلبت منه الإدارة الفرنسية إلقائها . ولكن موقفه من هذه الذكرى الأليمة قد كان واضحا ويتجلى بشكل لا لبس فيه فيما نقتبسه من كتابه الشباب المسلم والذي يخبرنا فيه بأن سنة 1930 هي ملك الأموات مثل سنة  1830والخمسين سنة التي جاءت بعدها، فهي غزو، وحزن لنا، نحن لا نتاجر بتضحياتنا، ولا نعكر أرواح موتانا بطيف رقصات. هل من الضرورة استحضار الماضي بحفلات باطلة ؟ إن القرن الذي مر بالنسبة لنا هو قرن من الدموع والدم، نحن الأهالي الذين بكينا، وسال دمنا وأخيرا نتمنى من الله أن لا يعيد على الرجال ذلك القرن مع أمل أن يحضرنا إلى أيام أحسن . 190"  . كما أن الاحتفالات المئوية، ما هي إلا ذكرى طائشة لماضي أليم 191 . ولهذا فقد رفض أن يشاركهم في تلك الاحتفالات وأن يسمعهم ما هم يريدون سماعه ورد عليهم بالقول : " ماذا تريدون مني أن أقول لكم، تريدون أن أقول إنكم أتيتم بالحضارة والعلم والثقافة والاقتصاد، هذا ما تريدون أن تسمعوا مني، وأنا أريد الحديث عن الدماء والدموع التي تلاحق هذا الشعب الضعيف، أنتم ترفضون ما أقول وأنا أرفض ما تريدون الذهاب إليه " 192  .

كما أن المؤرخ محمد العربي الزبيري يتطابق موقفه مع ما جاء في كتاب ليل الاستعمار من أن الجزائر وخلال العهد الاستعماري قد شهدت : " جزائرين جزائر عصرية بناها العرب بأموالهم وسقوها بعرق جبينهم ولكنهم محرمون منها ومن خيراتها وجزائر أخرى جزائر الجحافل الدهماء من الأميين والبؤساء والجائعين الجوع المدقع المزمن جزائر الملايين من الأطفال المشردين لا مدرسة لهم ولا مأوى ... جزائر مدن القصدير والأكواخ يسكنها ملايين من تعساء يفترشون حضيض الأرض ويلتحفون بأديم السماء جزائر تنشب فيها الموت أظفارها . " 193 . وهذه هي الأسباب التي جعلت عباس فرحات يرفض إلقاء كلمة تمجيد للاستعمار في العام 1930 وهي من ألهمته كتابة تلك الأسطر المعبرة . نعم لقد كانت : " حياة الفلاحين المسلمين روتينية وحزينة، وذلك مثل طرقهم المغبرة والتي تشبه أفعى لا نهاية لها، وهذه الطرق تمتد بين الروابي القاحلة، تحت أشعة الشمس، ومتواصلة بغير انقطاع وذلك كبؤس الفلاحين ومعاناتهم التي لا تنقطع " 194 . ولما أصبح حالنا هكذا الجواب لأن : " هؤلاء الأوروبيون رفضوا تقديم يدهم لنا منذ مدة، وبقينا في وضعية مادية مأساوية، تغطينا أسمالا، والجهل متفشي بيننا.  من طبيعة الإنسان أن لا يتآخى مع جاره، إلا إذا بادله الاحترام...  إن أي عمل خارج الإخاء يبقى رسالة ميتة بدون ثمار 195 . وهذا يعني أنهم لم يفعلوا شيئا لتمدين الجزائريين وإنقاذهم من الشرور التي قذفوهم فيها .

كما يخبرنا عباس فرحات بأن ضم أقطارنا لفرنسا لم يقتصر على تخريب الدولة الجزائرية أو القضاء على عرش أو نفي ملك فإنه استأصل مدنية عريقة في القدم وفكك هيأة اجتماعية لها نظام محكم القواعد ووقف حجرة عثرة في طريق تطورها الطبيعي " 196 . ولو قال هذا الكلام شخص غير عباس فرحات المفتون بالثقافة الفرنسية وهو من بقي وفيا لها حتى وفاته لقلنا عنه أنه متحامل على فرنسا أو جاهل بحقيقة وجودها في الجزائر، وما كان هذا أبدا شأن عباس فرحات . ولذالك فقد كانت النتيجة الحتمية لكل ما سبق هو انتشار ظاهرة الهجرة بين الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية لكون الجزائر قد أصبحت بلدا طاردا لأهله وهذه الهجرة هي الأخرى لدليل إدانة قوى للمهمة التحضيرية الفرنسية في الجزائر وصفعة قوية على وجهها القبيح . فعلى الرغم مما عرف عن الجزائري من أنه شديد التمسك بأرضه والوفاء لها . إلا أنه وجد نفسه مرغما على التخلي عنها نتيجة للوضع الخانق الذي فرضه عليه المستعمر . ولم يعد له من حل سوى الهجرة بحثا عن غد أفضل بعيدا عن جهنم الجوع والمرض والبؤس والشقاء والذي أصبحوا جميعا عنوانا لبلده .

 

المعمر الفرنسي في الجزائر هل كان مؤهلا لتأدية وظيفة الممدن والمحضر في الجزائر

 ومن دون مقدمات طويلة نقول كيف يمكن للجاهل وللأجلف أن يحضر من هو أعلى منه تعلما وثقافة ؟ . وهذا بشهادة الفرنسيين أنفسهم ففي العام 1252 هـ أي حوالي 1836 و 1837 كانت الأمية بين صفوف الجيش الفرنسي المحتل تفوق نسبتها بين الجزائريين وكانت تنتشر بينهم بحوالي 45 ٪ 197 . وبعد هذا يتحدث البعض عن الغزاة الحاملين لمشعل الأنوار والحضارة إلى الجزائر؟ .

 ولهذا فقد صدق عباس فرحات حينما أخبرنا بأن كل جنرالات فرنسا كانوا عبارة عن صعاليك وأوباش ولكن أفظعهم قد كان سانت أرنوا والذي لقبه فكتور هيجو بابن أوى 198 . فهيئا لفرنسا وللفرنسيين برسل الحضارة من أمثال هؤلاء . والذين وبدلا من إقامة المنشآت التي تقام عليها المدنية والحضارة فها هم يخربون ويحرقون أينما حلوا وارتحلوا في الجزائر . فها هو سانت أرنو يقول بأن رسل الحضارة يخربون مدن الأمير عبد القادر وجميع ممتلكاته فأينما حل وارتحل إلا وأصلاه الجيش الفرنسي نار حامية وهذا كما حدث مع مدينة معسكر والتي خربها الجنرال كلوزيل Clauzel وهذا عبر إحراق جزء منها من بعد كانت مدينة فيحاء عظيمة 199 . وقد يتساءل البعض ولما كانوا يتصرفون هكذا وبكل وحشية وبربرية ؟ الجواب هنا يكمن في نوعية المعمر الذي جاءت به فرنسا إلى الجزائر فها كتاب ليل الاستعمار يخبرنا بالآتي : " أكبت السفن الآتية من ما سيليا ولإسبانيا وإيطاليا جماهير غفيرة من الأوروبيين لا ذمة ولا ضمير لهم ... مولعين بحب الدراهم والدنانير فانتشروا كالبلاء المستطير " 200 . وها هو الجنرال كافنياك يخبرنا بأن المعمرين قد كانوا : " خنازير تمشي على قدمين قد انغمسوا في النجاسة والوحل " 201 . ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هؤلاء الذين يصفهم أبناء جلدتهم بالأوباش وبالضباع وبالنفايات البشرية أن يكونوا أدوات لنشر الحضارة بين الجزائريين . بل إن النتيجة ومن بعد 62 سنة من بدء المهمة التحضيرية المفترضة في الجزائر قد كانت مرعبة أي في العام 1892 . وهذا ما نجده في شهادة جول فيري وزير التعليم الفرنسي آنذاك وأحد أكبر المتحمسين لظاهرة الاستعمار فهو يقول : " رأيناها تلك القبائل البئيسة التي تسلط عليها الاستعمار فأجلاها والحجز فأرهقها ونظام الغابات فطاردها وقوانينه فأفقرها سمعنا شكواهم ورأينا رأى العين بؤسهم ولامسناه لمسا ... لم يتأثر قلبنا فحسب من رؤية هذه المناظر بل ثارت عقولنا وأدركنا بأن في الجزائر تجرى أمور ليست أهلا بفرنسا تتنافى مع العدل ومع سياسة متبصرة " 202  . ولكن هل صحا ضمير فرنسا أم أنها أقبرته وبصورة نهائية أموال المعمرين التي جنوها من استعباد شعب بأكمله . ولكن الحقيقة المرة هي أن مصالح فرنسا الاستعمارية قد أعمت عينيها وزينت لها خطيئتها هذه والغير مغتفرة في حق الجزائريين .

وفي نفس الخندق يتخندق معهم ملكهم شارل العاشر والذي كانت تدفعه عوامل فرنسية داخلية وأخري شخصية ذاتية لاحتلال الجزائر . ولا علاقة لها بتمدين الجزائريين وإنما هذا الملك ولن نجتر هنا ما قتلته الدراسات التاريخية بحثا . ومع هذا يجب الإشارة فقط بأن نظامه قد واجه ما لا يحصى من الأزمات وعلى مختلف الأصعدة . فالمعارضة القوية لنظام حكمه وخصوصا العناصر الجمهورية والنابليونية والجيش المتذمر والغير راض على ملكيته كلها عناصر أراد هذا الملك الفاشل إبعادها عن فرنسا إلى ما وراء البحار . وبهذا يخلو له الجو للانفراد بحكم فرنسا أو على الأقل التخفيف من حدة معارضتها وإسكاتها . وهذا عبر تحقيق نصر رائف كما يقول المؤرخون على حساب الجزائر . ولهذا فهو يعلنها صراحة حيث يقول إنه لشيء جميل أن نتقدم إلى البرلمان ومفاتيح الجزائر بيدنا . وهذا لكي يتجنب ثورة عارمة تطيح به كثورة 1789، وهذا ما سيحدث بعد احتلال الجزائر بقريب . ومع هذه المعارضة السياسية والعسكرية أراد أيضا إسكات الجبهة الشعبية والتي هي الأخرى كانت تغلي نتيجة للأوضاع الاجتماعية المزية والتي كان يعيشها الشعب الفرنسي . والتي أراد امتصاص غضبها هي الأخرى وهذا عبر إغرائها بمستقبل واعد في الجزائر . ولعل كتاب البؤساء لفيكتور هيجو لهو خير شاهد على ما كانت تعانيه الطبقات الكادحة في فرنسا في تلك الفترات . صحيح أنه يتحدث عن ملكية لويس فيليب . ولكن ما في هذا الكتاب يمكن إسقاطه وبكل اطمئنان على الفترات السابقة للفترة الزمنية التي يتحدث عنها إن لم نقل بأنها قد كانت أسوء منها .  ونفس الأمر في الجانب الاقتصادي المتأزم في فرنسا وخصوصا تقلص الأسواق الخارجية، كنتيجة حتمية لعمل الدول الأوروبية في تلك الفترة على إغلاق أسواقها أمام بضائع بعضها البعض حماية لمنتجاتها الوطنية . وعليه فإن الحديث عن  المهمة الحضارية لهو حديث عن أسطورة وخرافة . ففرنسا قبل 1830 قد كانت غارقة في أزماتها المختلفة والتي كادت أن تخنقها . ولم تجد من حل لها سوى بتدمير الجزائر ومحوها وجعلها مجالا حيويا لها تجد فيه حلولا لمشاكلها . فأزمتها المالية حلتها عبر نهب وسرقة خزينة الجزائر ومشكل المعارضة السياسية حلته ولو جزئيا وذلك بإبعاد المعارضين . أما مشاكلها الاجتماعية فحلها كان بتوطين كل نفاياتها البشرية مع احترامنا للجانب الإنساني فيهم . ونحن هنا ننطلق من أعمالهم لوصفهم فهم لم يكونوا إلا لصوصا وقطاع طرق ومجرمين ومغامرين وباحثين عن الثروة . 

إن غزو الجزائر في العام 1830 وهي الحقيقة الواجب مواجهتها لهو قد كان جزء من ذالك الصراع الطويل والقديم والمتجدد بين الضفة الشمالية والضفة الجنوبية للبحر المتوسط وهو صراع عسكري اقتصادي ديني يريد كل طرف من أطرافه محو الطرف الآخر ودمجه وإذابته فيه وسلخه من هويته الوطنية والثقافية والدينية . وبكلمة مختصرة محو كيانها من الوجود وجعله مجرد امتداد للطرف الغالب وهذا هو الإطار التاريخي الحقيقي للغزو الفرنسي للجزائر بعيدا عن أي قراءة مجانبة للحقيقة التاريخية .

ولئن راودت حقا بعض الفرنسيين أحلاما وردية طوباوية كالسانسيمويين من أمثال إسماعيل أوربان فإن الواقع آمر آخر ومغاير تماما . فليس كل من جاء إلى الجزائر تحدوه هذه الأماني النبيلة والتي تحطمت مع نزول أول جندي فرنسي إلى بر سيدي فرج . ذلك أن جنود الغزو ثم الاحتلال الفرنسي كانت تداعبهم أحلام أخرى وهذا حسب المستوي المعرفي الذي يعانقونه وحسب الظروف التي دفعتهم للمجيء إلى الجزائر . فها هو القبطان كلير capitaine Claire كتب في العام 1845 قائلا : " سأكون سعيدا كل السعادة إذا بقيت في هذه البلاد التي لن يستتب فيها السلام والتي تفتح أمامي مجالا للمجد وللشهرة " 203 . ذلك أن الجندية قد أصبحت كأي مهمة ربحية أخرى لا بد أن تضمن لهم دخلا يضمن لهم تسلق السلم الاجتماعي والانتساب إلى الطبقات الفرنسية النبيلة . وعليه فالجزائر قد ذهبت ضحية لأطماع شخصية ذاتية أنانية لا علاقة لها بشعار المهمة التحضيرية الخادع والبراق . وما يؤكد كلامنا السابق هو ما يقوله القبطان كلير دوما وهذا عندما يخبرنا بأنه : " يخيل إلى الإنسان أن هدف هذه الحرب ليس هو حمل العرب على الصلح بل تمكين بعض المتنفذين من الحصول على المزيد من الأوسمة والرتب العسكرية " 204 . ومثل هذا الكلام لا يفاجئنا فهؤلاء الجنود ليسوا من حملة الشهادات العليا ولا هم من خريجي الجامعات ولا هم من تلاميذ سقراط Socrate وأفلاطونPlaton  وأرسطو  Aristoteوإخوان الصفا حتى تكون لهم أهداف نبيلة من وراء غزوهم للجزائر . 

وحتى ولئن كانوا جنودا فقد فقدوا شرفهم العسكري وهذا بمجرد تحولهم إلى قطعان من اللصوص، لا هم لها إلا السلب والنهب والتقتيل . وهذا أيضا لا يفاجئنا إذا ما نحن عرفنا أصلهم الوضيع : " فأصل هؤلاء الجنود كما لا يخفي عليكم من السجون ومن حثالات الجيش " 205 . وعليه فلا حديث هنا على الإنسانية وعلى المدنية وعلى الحضارة بل هم هنا لنشر الهمجية والتوحش والبربرية . وماذا سيأتينا من بدو باريس والذين شكلوا فرقة عسكرية من : " حثالات الناس الذين لم يجدوا عملا في باريس وكان أعضاؤها عنوانا على الجهل وعدم الانضباط والغطرسة حتى سماهم قومهم في الجيش النظامي بدو باريس وكانت هذه الفرقة ... مثالا للمعاملات السيئة في الجزائر وهناك أيضا فرقة اللفيف الأجنبي التي تألفت عام 1833 من نفايات كل الأمم وكانت لا تشترك في شيء إلا في القتل والنهب والاعتداء " 206 . وهؤلاء هم إغريق القرن التاسع عشر والذين سينيرون الجزائر بحسب تعبير فيكتور هيجو . وبدو باريس هؤلاء يذكروننا بالجنود الأفارقة والذين استعرضهم هتلر بعد هزمه للجيوش الفرنسية في ح ع 2 والذين وعبرهم يهزأ من فرنسا وكيف أنها أتت بهؤلاء المتوحشين حسبه هو طبعا لحماية الحضارة، وهذا برقصاتهم الذي تماثل رقصات القردة . والنتيجة هي أن الأفارقة قد حموا فرنسا بدمائهم وأنقذوها من الاستعباد النازي . في حين أن بدو باريس قد كانوا وبالا على الجزائر ودمروا مدنيتها وحضارتها. 

أو ماذا سيأتي لنا من الفرق الجهنمية وهي التسمية التي أطلقها الجنرال بيجو على جنوده . ومن فرق الموت تلك الفرق التي كان يقودها دي مونتياك والتي احترفت التقتيل ومن هذا العمل الهمجي اشتق لها ذلك السفاح تسميتها . ونحن هنا نقتبس تلك التسميات من كتاب مصطفى الأشرف الجزائر الأمة والمجتمع الصفحة 114 . وماذا سيأتي منهم جميعا غير التقتيل والتشريد وسياسة الأرض المحروقة وهدم وحرق للقرى وللمدن كما هو حال البليدة وهذا في شهر نوفمبر 1830 . وماذا سيأتي منهم سوى حرق المحاصيل الزراعية وقطع الأشجار المثمرة وكلها أعمال تتنافى مع أبسط أبجديات التحضير والتمدين وهي كلها من صفات البربرية والهمجية وكل هذا : " من أجل إرغامهم أي الجزائريين على الخضوع " 207 . وما نتج عن كل هذا سوى التصحر المريع والذي عرفته الجزائر طوال الحقبة الاستعمارية . وعليه فتلك الجرائم التي ارتكبها الفرنسيون في حق الجزائريين كمذبحة قبيلة العوفية 1832 م أو محرقة بليسيه في العام 1845 أو إبادة سكان الأغواط في العام 1852 م، ومن قبلهم بقليل إبادة سكان واحة الزعاطشة وكلها سلوكيات إجرامية غير مفاجئة وكانت منتظرة لأن الاحتلال وكما يقول المؤرخ ورجل السياسي الاشتراكي لويس بلان Louis Jean Joseph Blanc يربي الجنود على الوحشية 208 . والنتيجة المباشرة هي أن الحرب على الجزائر ومنذ أن وطأ المحتل أرضها ما هي إلا : " مدرسة من مدارس الوحشية والعنف " 209 . وهذه المدارس تخرجت منها الفيالق التي أبادت الجزائريين كما حدث في بجاية في العام 1846 حيث لم يبق فيها سوى ثلاث عائلات عربية كما جاء في مذكرات بوجولا 210 . ولذلك فهم سوف يحضرون الحجر والشجر والخنازير التي جلبوها معهم وهذا من بعد إبادتنا . 

وعليه فالحقيقة التي يجب أن يعترف ويقر بها أبناء وأحفاد مستعمري الأمس، هو أن آبائهم وجدودهم قد جاؤوا إلى الجزائر لا بهدف تمدينها كما يدعون . وإنما لكي يستغلوا الشعب الجزائري، بغض النظر إن كانوا شيوعيين من اليسار أو يمينيين من اليمين، كما هو حال المعمر الذي يدعي اليسار بورجو bourgeo أو المعمر كراسيان فور Christian fort ، والذي يتظاهر بأنه من اليمين وهذا الكلام نقتبسه من كتاب ليل الاستعمار لفرحات عباس الصفحة 118 وهؤلاء هم من كانوا يرسمون السياسة الفرنسية الخاصة بالجزائريين ولمدة 132 سنة ثم يأتي اليوم من يتبجح بأن فرنسا كانت في الجزائر في مهمة حضارية ؟ ! .

 

خلف الله سمير بن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3473 المصادف: 2016-03-08 23:53:25