المثقف - قضايا

"لعبة الكريات الزجاجية" بين الطب والقانون

* تشدد العقوبة؛ إذا حصل الاعتداء من قبل مجموعة أشخاص وبإصرار؛ لذا فالعشيرة عصابة، وفق التكييف القانوني

"لعبة الكريات الزجاجيات" لهيرمان هسة، واحدة من أوقاف الرواية العالمية، تحضرني اللحظة، وأنا أتفكر بخرزات تنتظمها مسبحة الخدمات الطبية، التي إنفرطت وتشظى "شاهولها" بإنقطاع الخيط، في العراق، مع أول إنفلات لأعصاب مراجع بوجه طبيب.

تتعلق الأسباب الموضوعية للاعتداء على الاطباء، بتغير التركيبة المجتمعية، وأداء الحكومة، والقضاء، والخلل في التشريع والإعلام، وأداء النظام الصحي، وكفاءة تقديم الخدمات الصحية للمواطن، التي تؤثر في قناعة الجمهور ومزاجه، وبالتالي ردة فعله تجاه الاطباء، لأنهم الواجهة المباشرة والعنصر الأساسي، في المنظومة الصحية.

 

بلورات

حارقو البخور.. المشعوذون، يملأون عقل المراجع ببلورات سحرية، يظن كف الطبيب تمسد عليها، فيشفى المريض، متخطيا الأرجح منها، وهو الرب.. مانح الشفاء بقدرته.

التشكيل والتنظيم القانوني.. المؤسسات الصحية وتجهيزاتها وإداراتها، تتلخص بمقدمي الخدمة، التي تتمفصل الى أجزاء ثلاثة، هي: التمريضي والعلاقات العامة والإعلام والإدارة في المؤسسة الصحية وحماية المؤسسات والكوادر والاداء.

حماية المؤسسات وضمان إنسيابية أدائها، مهمة تناط بالجهات الامنية، على حد سواء مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء، من خلال توفير المستلزمات، وتشريع القوانين الموجهة لآليات العمل، بما يضمن إعتدال الموازنة.. تكاملا بين الطبيب والمريض، في حاضنة مؤسساتية مسؤولة، تسهم في سد الشاغر الناشئ عن عجز الجهات المكلفة بالحماية، التي غالبا ما تتخاذل عن أداء مهمتها الواجبة.

 

تفتيش

ما يؤسف له، أنها تعنى بتفتيش الداخلين.. وهو عمل مهم.. لكنها تحجم عن منع المعتدين والخارجين عن الأصول والعرف والقانون؛ لقلة إمكانياتها.. من ناحية، وعدم حصول أفرادها على امر من الهيئات الأعلى لهكذا تدخل، وقلة أعدادهم، والتخوف من المحاسبة.. خاصة العشائرية لاحقا.

كل هذا فتح فجوة كبيرة في أمن المؤسسات، ولج منه المتجاوزون على الاعراف والقانون، الى الاهانة والخروج بسهوله والاختفاء بضمانة ضعف الملاحقة القانونية.

القوانين العامة والخاصة، تمنع الاعتداء على المؤسسات والكوادر والموظفين، بعقوبات جنائية، ومدنية لتعويض الأضرار المادية والأدبية.

أي اعتداء يطال موظف اثناء أداء الواجب او ممتلكات عامة؛ يعد اعتداءً على الدولة نفسها، وتعدٍ يمس سمعة الأفراد والمؤسسات، سواء أكان متعمداً أم سهوا، او تهديدا ام تحريضا او مشاركة ضمنية ام مساهمة عن بعد.

تشدد العقوبة؛ إذا حصل الاعتداء من قبل مجموعة أشخاص وبإصرار؛ لذا فالعشيرة عصابة، وفق التكييف القانوني، الذي يؤكد تلك الآليات ويفعل أثرها الإجرائي.. تنفيذا يجعل مواده واجبة التطبيق، تجبّ أي نص يتعارض معها؛ شاملا الاطباء في عياداتهم بالمواد القانونيه الخاصه بالاعتداء على الموظف اثناء أدائه الواجب وخصوصية التقاضي والتنفيذ في الدعاوى وعدم إصدار امر قبض او تحرٍ، وعدم إحضار طبيب الا بصدور قرار من اللجنه الطبيه التحقيقية، وإناط مهمة تقديم الشكوى بوزارة الصحه ونقابة الاطباء لرفع الاحراج عنهم بتقديم دعوى تقليدية؛ لأنهم شخصيات إستثنائية.

 

مواد

نصت المادة 2 من "قانون حماية الاطباء" رقم ٢٦ لسنة ٢٠١٣، على أن "الاعتداء الذي يحصل على الاطباء في محلات عملهم الخاصة، مشمول بمواد قانون الاعتداء على المكلف بخدمة عامة، حسب المواد ٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣١ عقوبات رقم ١١١ لعام ١٩٦٩ النافذ وهذا تأكيدا للماده ٣٢ ثالثا من قانون نقابة الاطباء رقم ٨٤ لسنة ١٩٨٤ واكدت الماده ٦ من قانون حماية الاطباء هذا المعنى بوضوح.

الماده٣ منعت القضاة من إصدار اي امر بضمنها إلقاء القبض او التوقيف على الطبيب المشتكى عليه الا بعد صدور قرار لجنة وزارية متخصصه بموضوع الشكوى.

والماده ٤ فعلت عقوبة المطالبات والتهديدات ضد الاطباء بالحد الأعلى لعقوبة التهديد الماده ٤٣٠ و٤٣١  و٤٣٢ قانون العقوبات رقم ١١١ لعام ١٩٨١ ولأول مره يؤكد القانون شمول التهديدات العشائرية ويسميها بالاسم ويلاحق المحرضين عليها.

الماده ٨ الزمت وزارة الداخلية بانشاء مراكز شرطة خاصة بحماية الاطباء والمنشأت الصحية، بالتنسيق مع وزارة الصحة وهذه خطوة إيجابية، ترصن بنية الحال.

المادة ١٠ اشارت الى ان تقديم الشكاوى على من يعتدي على المؤسسات الحكومية والأطباء العاملين فيها هو مهمة وزارة الصحه وتقديم الشكاوى ومتابعتها في القطاع الخاص هو من مهام نقابة الاطباء ونعتقد ان هذا الفصل في تقديم الشكاوى غير موفق لان القانون نفسه ساوى بين الخدمتين العامه والخاصة في الماده ٢ منه كما ان وزارة الصحة تشرف على شؤون القطاع الخاص وتتدخل في اموره من خلال شعبة تفتيش المؤسسات غير الحكومية، والنقابة.. عرفا وقانونا لابد ان تكون عضوا في كل اللجان والجهات التي تخص الاطباء ومصالحهم؛ لذا من الأفضل تشكيل لجنة مشتركة، تحقق أثرا أبلغ.

المادة ٧ سحبت الصلاحية المنفردة للنقابة، بتحديد الاجور في العيادات والمؤسسات غير الحكومية، وبذلك يعود الموضوع الى المادة ٨٧ من قانون الصحة العامة، رقم ٨٩ لسنة ١٩٨١، وبهذا أعطت وزارة الصحه صلاحية تحديد الاجور في المؤسسات الخاصة، بالتنسيق مع النقابة، ومنعت انفراد النقابة بتحديد الاجور في القطاع الخاص وهذه ثغره في القانون لمنحه السطوة الاعلى للوزارة على حساب النقابة، مضعفة التنافس الإيجابي.. المراد، بين قطاعي الخدمة الصحية.. العام والخاص، معيدا البلد الى النظام الشمولي المخالف لتوحهات الخصخصة.

أوجبت المادة 8 الإسراع بالتنسيق بين وزارتي الداخلية والصحة لانشاء مراكز شرطة خاصة بحماية الاطباء والمنشآت الصحية، وهي خطوة تستحق الإسراع بها، ترادفا مع ورشات للتثقيف بالممارسة الطبية وطبيعة المهنة وكيفية التعاون بين الشرطه والمعنيين بالصحة، تكاملا مع دورات لمقدمي تلك الخدمة؛ بغية تعزيز المعرفة القانونية اللازمة لعملهم وطبيعة مهام الجهات الأمنية والقضائية.

اما المواد الاخيرة 11 و12ففرضت على الوزارة إلتزامات إجرائية، بضرورة ترأس طبيب للجان التفتيش وكان من الأفضل اضافة عضو من نقابة الاطباء في الحالات التحقيقية، ووجهت الماده ١٢ وزير الصحه الى إصدار الانظمه والتعليمات اللازمه لانجاح هذا القانون وتشكيل اللجان في ديوان الوزاره والتنسيق مع النقابة، الذي أعده أولى الخطوات المدروسة والسريعة، التي يقودها ذوو الاختصاصات الطبيه والقانونية.

معنويا.. أية شكوى ضد طبيب، تؤثر بسمعته.. هو والمؤسسة التي يعمل فيها، وبالتالي تنحت بجرف الاسرة الطبية، وربما يتهاوى صرح برجها العجي الرفيع، من عليائه، الى هاوية الـ... لا سمح الله.

والسمعة لها تأثير ادبي واقتصادي، على اللجان مرعاته؛ بألا تتوقف عند الدفاع عن الطبيب بل تستمر برد إعتباره، من خلال دعوى على المشتكي؛ مستحصلة تعويضا عن الضرر المادي الحاصل من المساس بسمعة الطبيب وأدائه الوطني حسب المواد ٤٣٣و٤٣٤و٤٣٥ من قانون العقوبات النافذ؛ للردع مستقبلا؛ كي لا يستسهل الكائدون النيل من الاطباء، لذا لا أجد مبررا لعدم تفعيله، حتى الان، برغم مضي سنتين على صدوره.

 

 د. جاسم العزاوي

طبيب ومحامٍ واعلامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3483 المصادف: 2016-03-19 11:57:33