المثقف - قضايا

تقديس الأنـثى في الميثولوجيا الأولـية ...

haytham alqaimبادئ ذي بدء أود الأشارة الى  مفهوم التقديس أو القدسيّـة .. لأهميته في هذا المقال ..!

 المقدّس في اللغة هو = الطهارة / الأجلال / التعظيم / الأحترام والمكانة العاليه ..!

مثلاً يقول أحدنا: أنا أقـدّس الحياة الزوجية .. أو قدّس سـرّه .. أو مكان مقدّس .. أو كما كانت جدّاتنا تقول للولد العاق: أﮔـوم أقدّسك بالنعال ..! بمعنى أﮔـوم أخلـّيك محترم ...!!

----

القدسية لا تعني أن الشئ مقدّس بـذاته .. لكن نحنُ مَن يمنح الـقدسية للأشياء أو العناوين .. بعبارة أخرى التقديس فـعل أجتماعي أو مُنتـَج أجتماعي .. يُضفيه الفرد أو الجماعة على شئ ما أو رمز ما أو مكان ما .. لأسباب في غالبها الأعم دينية .. وأجتماعية ..! حيث يتلازم المقدس والدين في علاقة جدلية، يحتل المقدس مساحة واسعة في دين الفرد والجماعة وهو في الواقع عمادها الأساسي ..!  ذلك ان المؤمن يولي (المقدّس)  كل مظاهر المحبة والخوف والرهبة، بما يساعد على طاعته والتسليم  له ..!

----

 منذ أن بدأ الإنسان بتلمّس الروحانية، بدأ تلمّسه للمقدس، مما جعله عنصرًا ملازماً لحياة الإنسان ... تـتعدّد مقولة المقدس وتختلف في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع، فما كان مقدساً في فترة ما، قد لا يعود يكتسب صفة التقديس في مرحلة أخرى .. وتنوعت على امتداد التاريخ مواصفات مَن يحمل هذه الصفة: (الله) في الموقع الأول، يتبعهُ الآلهة المتعددون، والأشخاص الحقيقيون والأسطوريون ..

يمكن للإنسان أن يرى المقدّس حاضرًا في كل شيء، بل يمكن أن يتحول كل دنيوي أو مدنّس إلى مقدس، والعكس بالعكس .. فالتجربة الدينية كما أظهرتها معظم الأديان تفترض قسمة للعالم  بين مقدس ودنيوي .. يتحوّل الدنيوي إلى مقدس، كما أنّ نزع القدسية عن المقدس يُعيد تحويله إلى دنيوي ..!

 لكن المقّدس يكتسب وظيفة مختلفة تتصل بالموقع الذي يُعطيه لمعنى الحياة الإنسانية، وللاطمئنان النفسي الداخلي الذي يسعى إليه الإنسان في مواجهة مشكلات الحياة .. فالمقدس يوفّر على الإنسان صعوبة السؤال عبر حالة الأتكاء على المقدّس في أحباطاته اليومية ومشاكله المجتمعية .. وعلى أجوبة جاهزة تحمل الأمان النفسي في داخلـه ..!

----

 يُـشير الباحث الدكتورعبد الهادي عبد الرحمن إلى أن: ((المقدس ليس الديني فقط، وإن كانت جذوره دينية .. وإنما المقدس يكمن في عاداتنا اليومية واعتقاداتنا، في تفاؤلنا وتشاؤمنا، في النظم التي تحكمنا، والطرق التي نحكم بها، في العلاقات ضمن العمل وفي العائلة، وفي المؤسسة الزوجية، وفي البديهيات والمسلمات والحكايا ..!)) .

يجد المقدس أعلى تجلياته في الأديان التوحيدية على الأخص، حيث يطغى بشكل كبير على كل ما يتصل بالدين، سواء على مستوى النصوص أو على مستوى الممارسة العملية، وبالطقوس والرموز .. وحتى في الكثير من مظاهر الحياة اليومية ..!

----

(عشتار) هي أوّل وأقدم أيقونـة للأنثى في التاريخ المدوّن .. هذا الأسم أبتدأ بـ (أينانا) الآله ..عند السومريين .. ولعل من اشهر الملاحم المقدسة  تلك التي جسدت اَلهة الخصب والحب والنماء هي (عشتار) او عشتاروت السومرية في مدينة الوركاء عاصمة بلاد سومر، تلك الملحمة التي خلّد فيها كهنة عشتار الكثير من اَياتها على شكل تماثيل مجسمة، ولوحات فنية، ونقوش مسمارية محفورة في الصخر، ومخطوطات حفظت بعناية لدرجة لم تستطع عوامل التعرية ان تمحو معالمها، باعتبارها مركز عبادة عشتار، وكان شكل معابدها يمثل انوثة الام والذي يرمز للإنجاب والإخصاب والخَلق الاول والإثمار والعطاء ..!

 في هذه المدينة السومرية نشأت عبادة كوكب الزهرة ونمت، حيث اطلق عليها اللسان السومري (إنانا) الذي يعني سيدة السماء، ففي اللغة السومري (إن) تعني سيدة، و(أن) تعني السماء، وعند تأسيس الدولة الاكدية تحول اسمها من (إينانا) الى (عشتار) او (عشتاروت) ..!

ظلـّت الآلهَ (أينانا – عشتار) هي ربـّة الآلـهه عند السومريين .. وكانت معابدها تحرّم دخول الرجال أليها .. فكان سدنة المعبد هنّ النبيّـات والكاهنات والساحرات .. ويُمنع دخول الذكور أليها حتى لخدمتها ..!

 

وصفت عشتار نفسها بقولها:

أنا الأول، وأنا الآخر..  أنا البغي، وأنا القديسة ..

أنا الزوجة، وأنا العذراء ..  أنا الأم، وأنا الابنة .. أنا العاقر، وكُثُرٌ هم أبنائي..

 أنا في عرس كبير ولم أتخذ بعلاً .. أنا القابلةُ ولم أنجب أحدًا ..  وأنا سلوى أتعاب حَملي .. أنا العروس وأنا العريس ..

وزوجي مَن أنجبني .. أنا أم أبي، وأخت زوجي .. وهو مِن نـسلـي ...!

----

انتشرت عبادة عشتار في جميع انحاء الهلال الخصيب من أرض سومر الأولى الى مملكة بابل وآشور واللتين كانتا في صراع دائم بينهما .. الى المناطق المجاورة لبلاد الرافدين مثل سوريا ولبنان وفلسطين ..!

عُبدت عشتار في كثير من الممالك السورية مثل ايبلا وأوغاريت وغيرها، ويذكر ان اول ما عُبدت خارج بلاد الرافدين كان في مدينة اسكلون او عسقلون باسم (اثـتارت)، واحيانا (أتر- عاثا)، وعندما اجتاحت القبائل الارامية سوريا او بلاد - آرام سمّوها (أترعاته) . وعبدها التدمريون باسم (عاثة)، وعبدها الفينيقيون باسم (عشتارت) ثم (اتركاتس)، اما عند اليونان فقد سُمّيت (استارتة) ومن صفاتها استلهموا فينوس آلهة للحب، وظهرت في التلمود باسم (ترعث) وعند العبريين باسم عشترت وهو الاسم الذي كان شائعا في سوريا ... ثم سماها العهد القديم (عشيراي)، لكن حاربها انبياء اليهود (أنتبهو ..!) وعشيراي كانت تعبد أيضاً من قبل الكنعانيين .. أما عند العرب الجنوبيين أسموها (عـثـتر) لكنهم كانوا يطلقون التسمية على آله ذكر (أنتبهوا على هذه النقطة) ..!

----

لابد من التنويه أن عشتار ربطت حياتها الأولى بالاله دموزي (تموز) الراعي الذي كان زوجها ويمثل الزراعة وبداية الربيع .. فعندما يكون تموز حياً في فصل الربيع تنمو النباتات وتزدهر الازهار والاشجار، وأذ يموت هذا الآله في فصل الصيف تـذبل النباتات والزهور وتنزل روح تموز الى العالم السفلي فتحزن عليه زوجته عشتار، ويشاركها الناس احزانها فيقيمون الشعائر الدينية والصلوات وينشدون الترانيم قبيل فصل الربيع كي تنبعث فيه الحياة ويعود .. حينئذ تـقام الأحتفالات في بداية شهر (نيسانو – نيسان حالياً) حيث تبدأ السنة البابلية ويتم زواج تموز بعشتار مرة اخرى لضمان الخصب والنماء، وكان الزواج المقدس جزءاً من احتفالاتها ..!

ظهرت عشتار امام الملك كلكامش، كفتاة متجبرة مغرورة بنفسها، ودعتهُ الى الحب والعشق، فرفض وذكّرها بعشاقها العديدين الذين اصابهم الوجع والألم وخيبة الأمل من جراء هجرها لهم، حينذاك اشتكت عشتار لدى ابيها آله السماء، فأرسل ابوها بناءاً على رجائها ثوراً سماوياً اقوى من ثلاثماية رجل مجتمعين للقضاء على كلكامش، لكن كلكامش بمعاونة صديقه انكيدو استطاعا ان يقضيا على الثور الالهي، ورمى انكيدو فخذ الثور على عشتار فعوقب بالموت .. (جزء من ملحمة كلكامش ..!)

----

أول أختراق لقدسيّة عشتار (الأنثى) .. كان عندما طلبَ الذكور العمل في خدمة معابدها والتي كان يُحرُم عليهم دخولها كما أسلفنا سابقاً .. لكنها وضعت شرطاً لقبول هذا الطلب وهو (أخصائهم) ..! فوافقوا على التضحية بذكورتهم من أجل التقرّب منها والعمل بخدمتها ..!

و العامل الثاني المهم كان أنتشار الزراعة .. وما تتطلبهُ من جهد كبير في الحراثة والبذار والسقي والحصاد .. في بادئ الأمر كانت الأنثى تشارك الرجل في الزراعة .. وعندما تكاثرت المحاصيل الزراعية .. أصبح هناك فائض في الأنتاج، مما يقتضي تخزينه وحفظه .. فأوكلت المهمة للأنثى لقرب أماكن الخزن من السكن .. وبمرور الوقت أزدادت الثروة الناتجة عن الزراعة .. مما دفع الذكر العامل في الزراعة للتفكير في ميراثه لو مات وهو الذي بذل جهداً كبيراً للحصول عليه ..! فنشأت فكرة مؤسسة الزواج وحصر علاقات الأنثى الجنسية برجل واحد حتى يستطيع توريث ممتلكاته لأبنائهِ ..!

----

ذكرنا أعلاه أن اليهود كانوا يكرهون (عشتار) وحاربها أنبياء اليهود .. عليه عندما عاد اليهود من بابل الى أرضهم في فلسطين بعد هجوم الأخمينيين الفرس عليها وأطلاق سراحهم .. وعندما شرَعَ أحبار اليهود بكتابة التوراة حوّلوا الآله من أنثى الى ذكر (الآله يـهوه ..!) وبدأوا يُسطّرون في توراتهم كل ما يحط من شأن الأنثى ..! وهنا لابد من ذكر أمثلة على ما جاء في التوراة لكي نتبـيّن دور اليهود في الحط من قيمة المرأة في ديانتهم .. ومنها أنتـقلت الى المسيحية (بعد أجراء بعض التحسينات) ومنها الى الأسلام (بعد تحسينها أيضاً) ..!

----

تبدأ التوراة الحديث عن المرأة لأول مرة من خلال رواية الخلق .. (حسب الباحث فيليب حداد):

إذ نقرأ ما يلي: (فأوقع الرب الإله سُباتاً على آدم فـ نام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً .. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم أمرأة وأحضرها إلى آدم .. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من أمرئي أُخذت (سفر التكوين / 21، 23) ..!

في مكان آخر حول قصة آدم وحواء، فقد خلق الآله آدم وحواء وأسكنهما الجنة، وسمح لهما بالأكل من ثمرها إلا الشجرة الموجودة في وسط الجنة، لذلك نهاهما الله عن الأكل منها .. قائلا: (هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ..؟ فأجاب آدم: (المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ..!) فكان عقاب الرب لحواء - لأنها هي التي أغوَت آدم - من خلال مُخاطبتها: (تكثِيراً أُكثِّر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليكِ) سفر التكوين / 11، 12، 16 ..!

نموذج آخر يرتبط بالحيض والولادة وما يتصل بهما من نجاسة ..! حيث فرَضت التوراة قوانين مُشدّدة على المرأة الحائض والنفساء وهي قوانين خاصة بالطهارة ..! ففي سفر اللاويين / 10 نجد أن (المرأة الحائض محرمة على رجلها لمدة سبعة أيام، ونجاستها تلوّث وتفسد الأشياء التي تجلس عليها ..!) .

وفي اللاويين / 11: (كما أن الرجل يصبح نجسا بمجرد ما يلامسها أو يمسك بالفراش الذي جلست عليه .. هذه النجاسة تزول عن الرجل مع حلول المساء ..!)

في سفر اللاويين / 12 (تكون المرأة نجسة بعد الولادة لمدة سبعة أيام في حالة ولادة مولود ذكر .. وعليها أن تبقى ثلاثة وثلاثين يوما إضافية دون لمس أي شيء مقدس أو تدخل أماكن مقدسة طوال هذه الفترة .. وفي حالة ولادة مولود أنثى تظل المرأة نجسة أربعة عشر يوما، ثم ستة وستين يوما إضافية ..!).

 

هيـثم الـقيّم

مستشار ثقافي / منظمة بلاد السلام لحقوق الأنسان

هيـثم الـقيّم

......................

المصادر:

1- http://www.maaber.org/issue_march06/books_and_readings3.htm

2- http://www.mesopot.com/old/adad2/ishtar.htm

3- http://ishtartv.com/viewarticle,37451.html

4- http://newspaper.annahar.com/article/185578-

5- https://religmag.wordpress.com/2015/05/26/women_rsm2/

6- مقالات الأستاذ فـؤاد يوسف قـزانجي .

7-  محاضرات الباحث الدكتور يوسف زيدان .

8- الباحث فيليب حدّاد .

9- كتابات الدكتور سيد القمني.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3496 المصادف: 2016-04-01 12:26:33