المثقف - قضايا

جدل عراقي حول: الكتلة التاريخية .. تفكيك المصادرات (1)

alaa allamiيكثر الحديث هذه الأيام في العراق عن مصطلح "الكتلة التاريخية" مباشرة أو بشكل غير مباشر في محاولة لا تخلو من التوظيف الذرائعي السياسي والأيديولوجي القشري لترويج تحالف أو ائتلاف على صعيد الشارع والكواليس السياسية بين أطراف سياسية عراقية بعضها له ثقله الجماهيري ومتورط أصلا في تأسيس وإدارة نظام المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال ومثاله "التيار الصدري" وبعضها الآخر هامشي رغم قدمه في التاريخ السياسي العراقي ومثاله "الحزب الشيوعي العراقي / اللجنة المركزية" وهذا الطرف، متورطة قيادته الحالية هي الأخرى في ما تورط به الطرف الأول، مع أنها لم تتشرف بما تشرف به التيار الصدري من مقاومة مسلحة للاحتلال الأميركي في سنواته الأولى بل ارتضت أن تقوم بدور وظيفي سياسي وتنظيمي ضمن أجهزة ومؤسسات أنشأها الاحتلال بدءا من مجلس الحكم ومرورا بالحكومات التي نشأت عنه أو تلته.

و بما أننا لسنا بإزاء نصوص وكتابات موثقة ورصينة حول الموضوع، بل أمام نثر هائم ومشتت عبرت عنه قصاصات ومنشورات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصحف التي نقلت إحداها تفاصيل ندوة حوارية عن الموضوع، فلن يكون بإمكاننا تقديم رصد تحليلي منهجي شامل، معزز بالاقتباسات والقرائن، لذلك، سنسعى للتركيز على جوهر ومعاني وسياقات هذا المفهوم والمصطلح لنقرأ نقديا وإن بشكل غير مباشر سطحية وخواء ما قيل وكتب في هذا الصدد.

لقد حلت محل المعالجات العلمية لمفهوم وفكرة ومصطلح "الكتلة التاريخية" كتابات خفيفة واستعراضية ذات مذاق "بروباغاندي" على مواقع التواصل والصحافة الإلكترونية لترويج فكرة التحالف بين تيار من "الإسلام السياسي الشيعي" في العراق هو التيار الصدري وبين من يطلقون على أنفسهم اسم " التيار المدني"، رغم أن أحد رموز هذا الأخير وأكثرهم فطنة كما يبدو – السيد جاسم الحلفي- نفى مؤخرا وجود تحالف سياسي "من النوع المألوف" بين التيارين وقد نظم التيار لندوات وحوارات حول موضوع "الكتلة التاريخية" سنتوقف عنها في موضع أخر من هذا النص كما سنستعرض نقديا وتحليليا دراسة أكاديمية قديمة نسبيا قدمت لنيل الماجستير سنة 2004" للباحث العراقي حيدر علي محمد، وسنعرج خلالها على نصوص أخرى ذات صلة وردت في كتاب "غرامشي والمجتمع المدني" الذي يحوي نصوصا قدمت لندوة نظمها مركز البحوث في القاهرة وشارك فيها عدد من الباحثين العرب والأجانب.

 

لنبدأ أولا بمحاولة لرصد وعرض أفكار غرامشي من زاوية أكاديمية، قام بها الباحث العراقي حيدر علي محمد، ضمن دراسة جامعية لنيل شهادة الماجستير في الفلسفة / جامعة بغداد. الدراسة بعنوان "إشكالية المثقف عند غرامشي". والواقع، ورغم ما يبدو في الظاهر، من أن هذه الدراسة لا علاقة لها بما نحن فيه، فهي رغم حجمها وإسهابها لا تفرد لموضوع الكتلة التاريخية إلا حيزا يناسب وزنها وموضعها النظري في مجمل فكر غرامشي. وحسناً فعل الباحث حين أعاد هذا الموضوع الى سياقه الحقيقي وهو سياق بناء الهيمنة الثقافية المضادة، ولهذا يمكن اعتبار هذا الجهد العلمي أكثر أمانة ورصانة وعمقا إضافة إلى أنه يحيط بموضوعة إحاطة دقيقة ونقدية وتعريفية كان ينبغي أن تكون لها مكانتها المرموقة في المكتبة العربية لولا عدم انتشار الكاتب العراقي وكتاباته عربيا لأسباب خارجية ليس هذا موضع التفصيل فيها.

يعيد الباحث حيدر علي محمد الاعتبار والنسق والتناسق لمفهوم الكتلة التاريخية الغرامشوي حين يخرجه من دائرة التحالفات والمناورات السياسية البحتة، التي أشار باحث آخر هو عصام فوزي، إلى أنها دائرة أخرى اشتغل عليها لينين وليس غرامشي وما قام به هذا الأخير هو انه جردها من المفاهيم اللينينية والماركسية والهيغلية وأطلقها في فضائها الثقافي وتعبيراته الأيديولوجية والأخلاقية، وأدخلها في سياق ودائرة بناء الهيمنة الثقافية والأيديولوجية والأخلاقية المضادة لهيمنة الطبقات السائدة. ورغم الفرق الكبير بين نظرة الباحثين – علي وفوزي - إلى ما فعله غرامشي في هذا الصدد، فعلي يستعمل تعبير( طهَّر المفهوم من المفاهيم اللينينية) وفوزي يستعمل تعبير ( وسع مفهوم الهيمنة اللينيني من مجرد تصور لبناء التحالفات السياسية إلى اطار أوسع للهيمنة السياسية والأيديولوجية والاخلاقية) ولكن الجوهر واحد كما اعتقد، لأنه يركز على الفصل النوعي بين المفهومين الغرامشوي واللينيني وبين المصادرات الشعبوية المعاصرة والتي تحاول ضخ هذا المفهوم بالكثير من الألاعيب السياسية التلفيقية والذرائعية والانتهازية البحتة.

يرصد الباحث حيدر علي محمد مفهوم الكتلة التاريخية أو "الكتلة التاريخية الثورية" كما يسميها في بعض المواضع من رسالته العلمية، من خلال سياق الهيمنة الثقافية، وفيها يسجل ويحلل تركيز غرامشي على ( اهمية دور المثقفين الحاسم في تحقيق اللحمة الفكرية والثقافة الجديدة داخل الكتلة الثورية الجديدة، حين يقول : يشير وعي الذات النقدي تاريخياً وسياسياً إلى بروز نخبوية من المثقفين. ليس بإمكان كتلة بشرية ان "تميز" نفسها وان تصبح مستقلة بإدارتها بدون ان تنظم نفسها..).

 ثم أن غرمشي يحيل هذا المفهوم عمليا إلى ميدان فردي، لا صفقاتي بين أحزاب وزعامات ( مبتعدا به قدر الإمكان عن المفاهيم السلطوية والسياسية وبشكل خاص فيما يتعلق بمفهوم الهيمنة عند غرامشي هي حالة من " الانسجام الرضائي" تتم بين الأفراد في إطار الإرادة العامة )، أي داخل المشروع الثوري التغييري ذاته، وبين مكوناته، ويوضح علي ذلك بقوله ( كان غرامشي يرى أن الشرط المسبق والضروري لتحقيق هذه الوحدة للحلف الطبقي الثوري على صعيد الأيديولوجيا والثقافة الجديدة في اطار معركة تحرير الجماهير الشعبية، يجب ان يحدث موضوعية مطابقة، حيث يصبح الحزب الثوري أو الأمير الحديث ( ستعمل غرامشي تعبير الأمير الحديث، صفة للحزب الثوري، مستلهما كما أرجح كتاب "الأمير" لميكافيللي ) في علاقته العضوية مع المثقفين والجماهير والصيغة التاريخية والحامل الفعال ليس للوعي الطبقي فقط، وإنما ايضاً التصور الجديد المتكامل للعالم والحياة، أي لحضارة جديدة في كل مجالات الحياة).

لقد طرح غرامشي مفهوم الكتلة التاريخية في سياق ثقافي أيديولوجي أخلاقي محدد هو إطار ومهمة وممارسة بناء الهيمنة المضادة، وهذا ما نجح في توضيحه ورصده الباحث حيدر علي محمد مستعينا ومشاركا ما رصدته وحللته باحثة أخرى يُكثر من الاستشهاد بها هي د. أمينة رشيد. سأحاول أن أقدم الآن خلاصات ومقتبسات مبسطة وبقليل من التصرف اللغوي – على خطورة التبسيط التي أشرت إليها سلفا – لما طرحة الباحثان علي ورشيد لهذا المفهوم ( الكتلة التاريخية في سياق الهيمنة الثقافية المضادة ) تسهيلا لفهمها واستيعابها من طرف القارئ، تاركا مهمة المقارنة مع المصادرات المعاصرة للقارئ، ومكررا أنني – هنا - لا أدافع عن "أصولية غرامشوية" ما، بل أسعى لفضح وتحليل وبيان تهافت المصادرات السياسيوية الحزبية المعاصرة التي سطت على هذا المفهوم محاولة توظيفه سياسويا وفي غير مقاصده تماما:

-  الجانب الأول لتحقيق الهيمنة الثقافية المضادة يتطلب تكوين وكسب (مجموعة من المثقفين المستقلين، وهذه المهمة تتطلب جهداً شاقاً، بين الافعال وردود الافعال، بين الانتماءات والتكوينات الجديدة الشديدة التركيب، خاصة أن هذا الفعل تقوم به مجموعة مندرجة في الهيمنة السائدة، بلا مبادرة تاريخية، وفي اصطدام دائم مع الفكر السائد والموضوعات السائدة...)

-  من هنا أصبح غرامشي يرى الصراع هيمنياً، إلا أن ذلك المفهوم ظل في حيّز الأطر العامة، برغم محوريته عند صاحبه، وظل معتَبراً فعالية خارجية يمكن ممارستها دون عوائق كبيرة.

-  الجانب الثاني يظهر ويتركز في ممارسة الهيمنة. تكتب د. أمنية رشيد (ان الهيمنة إذن هي موقع الصراع الاجتماعي، فهناك طبقة سائدة تمارس الهيمنة عبر "المجتمع المدني" وهناك طبقة أو طبقات مسودة تحاول طليعتها الثورية أن تشكل هيمنة جديدة لها فكرها وأخلاقياتها وفعلها الجديد، ويحدث ذلك في داخل هذه التكوينة التي أطلق عليها غرامشي تسمية ((الكتلة التاريخية )) التي يعرفها بالتالي ((تكوّن البنية والبنى الفوقية ((كتلة تاريخية))، أي أن المجموع المركب، المتناقض، المتنافر للبنى الفوقية هو انعكاس لمجموع العلاقات الاجتماعية للإنتاج "على حد تعبير غرامشي".

-  في تحديده لأهمية الكتلة التاريخية يرجع غرامشي إلى مفهوم ماركس القائل "بصلابة الاعتقادات الشعبية" كعنصر أساسي لوضع محدد، فعندما يقوى مفهوم معين إلى درجة اكتسابه قوة القناعة الشعبية فهو يستطيع أن يتحول إلى عنصر فعال في موقع معين، فهذا التحليل حسب غرامشي يسند دور "الهيمنة" في الممارسة، في أنه يقوّي مفهوم ((الكتلة التاريخية)) حيث تكون فيها القوى المادية هي المضمون والأيديولوجيا هي الشكل.

-  إن دور "المثقف الثوري"، هو في إيجاد ثغرات في الكتلة السائدة من أجل تكوين كتلة جديدة، بينما يعمل الفيلسوف الليبرالي على صياغة الكتلة بإعطائها الاتساق، كما فعل "نبدتو كروتشه" مثلاً، جاذباً لجزء أساسي من المثقفين الإيطاليين الجنوبيين القابلين للمواقف الجذرية في إطار جهده في تكوين "هيمنة ليبرالية".

-  تقع مهمة غزو الهيمنة على عاتق الحزب السياسي "كالمثقف الجمعي" الذي يحلل قوى الفترة – التاريخية المعينة ع ل- من أجل تغيير الواقع، ان موقع الهيمنة هو الواقع المتناقض وإذا أراد المناضل أن يغير المجتمع ينبغي عليه أن يفهم أزماته على انها أزمات هيمنة في واقع متصارع)ص 208 وما بعدها حسب نسخة الباحث، وص 200 حسب نسختي من كتاب "ندوة القاهرة: غرامشي وقضايا المجتمع المدني. م س.

فأي علاقة يمكن أن تنعقد بين هذا التفكير الغرامشوي لبناء الكتلة التاريخية في سياق مهمة تفكيك هيمنة ثقافية سائدة وبناء هيمنة جديدة تغييرية طالعة وبين ما سبق وأن تطرقنا له من أمثلة على مصادرات سياسية انتهازية لا قيمة علمية لها في نهاية المطاف؟

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3498 المصادف: 2016-04-03 11:49:20