المثقف - قضايا

فلسـفة التعليم ومناهجه

hasan zayedفي مداخلة تليفونية بالأمس السبت 2 / 4 / 2016 م، مع تلفزيون القنال، برنامج صباح المحروسة ليوم السبت، مع الإعلامي المتألق د. عمرو فوزي، سئلت عن التصريحات الخاصة بتعديل المناهج الدراسية في مصر، والتي أدلي بها مدير مركز المناهج  لجريدة الجمهورية القاهرية العدد 22742 صفحة 13 بذات التاريخ . حيث صرح سيادته بأنه لا أحد ينكر وجود مشكلة في المناهج الحالية وتطويرها عملية مستمرة طبقاً للمتغيرات . ويستطرد بأن ما يميز الفترة الحالية العمل بوتيرة أسرع وبتعمق بعد إعلان الرئيس السيسي بتطوير المناهج . إذن أين المشكلة؟. المشكلة أنه لا توجد مشكلة، لأن عملية التطوير مستمرة طبقاً للمتغيرات . كل ما هنالك أن الأمر يلزمه العمل بوتيرة أسرع وبتعمق لأن الرئيس قد طلب تطوير المناهج . هذا هو مفهوم مدير مركز المناهج عن تطوير المناهج  كما فهمه من السيد الرئيس . وفي إطار هذا الفهم هناك تعديلات في مناهج كافة المراحل الدراسية، وإزالة التكرار والحشو . والواقع أن الأمر فعلاً في حاجة إلي مراجعة وبحث، إذ يتعين التوقف ابتداءًا عند فلسفة التعليم . فإذا كانت فلسفة التعليم هي بناء وتشكيل العقل الإنساني، وتنمية مهارات الإنسان الفكرية والحركية بما يتواكب وروح العصر الذي يعيش فيه، بما يجعله قادراً علي التفاعل معه، تأثيراً وتأثراً، في عملية ديناميكية مستمرة، فنحن أبعد ما نكون عن فلسفة التعليم قياساً علي واقع العملية التعليميه وما تفرزه من مخرجات . فالمخرجات شائهة تعاني من تشوهات في الشخصية المخوخة التي تبني علي الحفظ والتقين، ومقياس تفوقها هو عدد الدرجات المتحصل عيها بغض النظر عن الكيفية التي تم بها هذا التحصيل . أما المعرفة المتغلغلة في أنسجة الشخصية، المشكلة لوجدانها، وإدراكها، في عملية تفاعلية مستمرة، المنتجة للسلوك المنطبع بهذه المعرفة، المصبوغ بصبغتها، فلا وجود لها لدينا، ناهيك عن الأمية الهجائية والثقافية المتفشية في صفوف المتعلمين . كما أننا أبعد ما نكون عن فلسفة التعليم ـ كما أفهمها ـ من حيث كم المعرفة ونوعيتها التي يتم تدريسها في مراحل تعليمنا المختلفة . فمن حيث الكم حدث ولا حرج، فهو كم ناشيء عن التكرار والحشو والإزدواجية . فضلاً عن كونه لا لزوم له في البناء المعرفي للإنسان، وهو من باب علم لا ينفع وجهل لا يضر . أما من حيث نوعية المعرفة فيحددها العصر الذي يعيش فيه الإنسان، فالمفترض أن نوع المعرفة التي تتكون منها لبنات البناء المعرفي للإنسان تكون متواكبة مع روح العصر الذي يعيش فيه، وأن تكون متضمنة لآلية تحديثها أولاً بأول، دونما أي تأثير سلبي علي البناء ذاته، كعملية الهدم والبناء القائمة في جسد الإنسان ما دام حياً . هذا فضلاً عن أن نوع المعرفة تحدده احتياجات المستقبل . إذ ليس من المتصور عقلاً أن تكون مخرجات المدارس والجامعات لا لزوم لها في سوق العمل المستقبلي، وأنها مجرد ضخ لقوي بشرية إلي الشارع، تلفظهم الأعمال لعدم تناسب المؤهل مع طبيعة العمل . ومن هنا كانت زيارة الرئيس السيسي لليابان، للوقوف علي تجربتها التعليمية . كما أننا أبعد ما نكون عن فلسفة التعليم فيما يتعلق بالمعلم، فالمعلم هو نتاج تلك المنظومة التعليمية المهترئة، ومن شابه أباه فما ظلم . فالطريقة التي يجيدها ويحسنها وتأتي معه بنتائج جيدة هي طريقة الحفظ والتلقين، وتلخيص الملخص، وتجزئة المجزأ، ولم يعد لديه وقت للتربية أو التعليم، ولا يجيدهما، وفاقد الشيء لا يعطيه . كما أننا أبعد ما نكون عن الوسائل التعليمية ووسائل الإيضاح وطرائق التدريس المتبعة في العالم، وما زالت القاعدة لدينا السبورة، والطباشير، والكتاب المقرر . وهناك ثلاث آفات لا بد من التخلص منها ابتداءًا، الأولي يطلق عليها الكتب الخارجية، والثانية الدروس الخصوصية، والثالثة التعليم الخاص . أما عن الأولي فلا أدري إن كان من يقوم بوضع كتب الوزارة، هو هو من يقوم بوضع الكتاب الخارجي ؛ لأنه توجد علاقة بين سوء حالة الأول، وجودة الثاني من جميع الوجوه، شكلاً وموضوعاً . مع الأخذ في الإعتبار أنه معني فقط بقضية التلقين والحفظ، ووجوده يمثل دلالة واضحة ومقصودة علي إفلاس كتاب الوزارة . وثاني الآفات هي الدروس الخصوصة، وقد تحولت ليس لتعليم مواز خارج إطار التعليم الرسمي وحسب، وإنما أصبحت أداة تخريب للعملية التعليميةً، فقد فرغت المدرسة من مضمونها كمؤسسة تعليمية . وفرغت المدرس للعمل خارج الإطار الرسمي، والإهمال والتسيب والتخريب المتعمد للعملية التعليمية لمصلحة النشاط الخارجي . فضلاً عن قيامه بتشويه المستهدف من العملية التعليمية ذاتها، إذ أنه يقوم بتلخيص الملخص، وتفتيت المفتت، وتجزئة المجزأ، علي حساب تكامل المنهج وتماسكه . وثالثة الآفات خصخصة التعليم، أو بمعني أدق دخول القطاع الخاص للإستثمار في مجال التعليم، والمفترض أن دخوله إلي قطاع التعليم يؤدي إلي تحسين العملية التعليمية، وخلق المنافسة . إلا أنه للأسف جري دخول هذا المجال من المستثمرين بقصد الربح، بغض النظر عن مستوي العملية التعليمية ذاتها، ولكنه يعمل في إطار ذات المنظومة المهترئة، ويدور في فلكها . فإذا اعتبرنا التعليم قضية أمن قومي ـ وهو كذلك بالفعل ـ لأن به يُبني نصف الحاضر وكل المستقبل، فيتعين القضاء علي هذه الآفات الثلاثة . وألآ يقتصر تطوير المناهج علي حذف بعض الموضوعات أو الفصول، وتخلية المناهج من الحشو والتحشير والتكرار، إذ ليس هذا هو التطوير المقصود علي نحو ما ذكر مدير مركز تطوير المناهج، وإنما المقصود أخذ فلسفة التعليم في الإعتبار، والعمل في إطار هذه الفلسفة .

 

حـســــن زايــــــد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3499 المصادف: 2016-04-04 05:55:22