المثقف - قضايا

جدل عراقي حول "الكتلة التاريخية": تفكيك المصادرات (2)

alaa allamiلمن سيحاول الإجابة معرفة أي علاقة علاقة يمكن أن تنعقد بين هذا التفكير الغرامشوي لبناء الكتلة التاريخية في سياق مهمة تفكيك هيمنة ثقافية سائدة وبناء هيمنة جديدة تغييرية طالعة وبين ما يجري الترويج والتنظير له في العراق اليوم، سنعرض نقديا بعض ما ورد في ندوة " فكرية حوارية" حول موضوع الكتلة التاريخية، أقامتها مؤسسة إعلامية يملكها ويديرها رجل أعمال وسياسي عراقي  يرتبط بعلاقات قوية وعلنية بعدد من السفراء الأجانب وفي مقدمتهم السفير الأميركي وكان – هذا الشخص – يشغل منصب  "كبير المستشارين" لدى  رئيس الجمهورية السابق جلال الطالباني هي مؤسسة " المدى":

نظرة واحدة إلى قائمة المشاركين في هذه الندوة تعطينا تصورا أوليا عن نوعها واهتماماتها والسياق السياسي الذي جاءت فيه والمشاركون هم (رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة المدى عدنان حسين، الاكاديمي الدكتور فارس كمال نظمي الاختصاصي في علم النفس الاجتماعي، والنائب عن ائتلاف دولة القانون، علي العلاق، والمتحدث باسم المجلس الأعلى الإسلامي، حميد معله، ووزير الثقافة والسياحة والآثار، فرياد رواندوزي، ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور مظهر محمد صالح، ونائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، رائد فهمي، ومجموعة من السياسيين والناشطين المدنيين والإعلاميين...).

الكاتب  فارس كمال عمر نظمي، وهو أحد المثقفين العراقيين اليساريين القلائل الذين لم يتلطخوا – على حد علمي - بالعمل في أجهزة الاحتلال الثقافية سواء في "مجلس الإعمار" الذي شكله الجنرال الأميركي غارنر أو أجهزة خليفته الحاكم الأميركي للعراق المحتل بول بريمر من أمثال فالح عبد الجبار وعصام الخفاجي وآخرين،  أدلى بمداخلة في هذه الندوة قال فيها إن (أن الحراك الحالي – تظاهرات واعتصامات أسبوعية يقوم بها غالبية ساحقة من أنصار التيار الصدري ويشارك فيها عشرات وربما مئات من وجوه وشخصيات ممن يطلقون على أنفسهم "التيار المدني"-   تشهده الساحة العراقية ينبئ بتشكيل ملامح "كتلة تاريخية اجتماعية مرنة" يمكنها فرض الإصلاح والتغيير، بعد أن أصبح فضاء السلطة مقتصراً على "الأسلاك الشائكة والسلاح" نتيجة "انسداد شرايينها وضيق أفقها"). وعن محتوى هذه "الكتلة التاريخية الاجتماعية المرنة" وماهيتها قال نظمي (الكتلة التاريخية الجديدة ليست ايديولوجية إنما اجتماعية مرنة لديها هدف كبير وواسع، هو انقاذ البلاد من خلال أهداف فرعية متفق عليها، تتمثل بإصلاح السلطة والدولة، وإطلاق عملية تنمية حقيقية، ومحاربة الفساد، وإرساء مبادئ العدل الاجتماعي، وإعادة توزيع الثروة) وعبثا نبحث عن معنى في هذا الكلام الفضفاض والغامض والذي لا يقول أي محمول عملي وعلمي محدد ودقيق، فهو في نهاية المطاف كلام عام وإنشائي وفقير مضمونياً، دع عنك أنه مناقض في الجوهر لمفهوم الكتلة التاريخية الثقافي الأيديولوجي عند غرامشي. إنه باختصار كلام يصعب قبوله من باحث أكاديمي عرف بكتاباته الرصينة أكاديميا ومن حيث الشكل والصياغة على الأقل، وربما يكون لطبيعة المناسبة " ندوة حوارية إعلامية" دور في شكل ومضمون هذه المداخلة.

يزداد الغموض الممزوج بالحيرة حين نواصل الاستماع للباحث – نظمي - حين يضيف مؤكدا (وجود إمكانية حقيقية لانتقال سلمي حقيقي من العملية السياسية منتهية الصلاحية إلى وضع جديد تحركه كتلة تاريخية اجتماعية مرنة مفتوحة المديات وقابلة على استيعاب قوى جديدة باستمرار) مستدركاً (لكن شروط قيام هذه الكتلة بحاجة إلى حوار مجتمعي واسع بين القوى المعني كلها بما فيها تلك الموجودة في السلطة بدون استثناء..) فما هي ماهية وهوية تلك القوى الجديدة المطموح إلى محاورتها واستيعابها، وما هي تلك القوى القديمة التي تم استيعابها، وما معنى كتلة تاريخية مرنة واجتماعية ومفتوحة المديات، وهل يصدق وصف العملية السياسية الأميركية الطائفية بأنها " منتهية الصلاحية"، القول الذي يعني ضمنا أنها كانت نافذة الصلاحية – الصلاحية تتداخل مع معنى الصلاح والصحة لغة واصطلاحا! - لفترة السنوات الثلاثة عشرة الماضية؟ وهل  صفات للمشاركين في المظاهرات الصدرية كالقول أنهم من جماهير الفقراء والمحرومين والكادحين (ينسى البعض أن حزب هتلر الذي فاز في الانتخابات واستلم السلطة كان مؤلفا وبنسبة مهمة من العمال "البروليتاريا النقية" والكادحين المصنفين ضمن البرجوازية الصغيرة الذين خدرتهم موجة حمى الدعاية العرقية النازية ومظلومية ألمانيا رغم "عظمتها" بعد الحرب العالمية الأولى)، هل هذه الصفات تعطي المشروعية الاجتماعية والعلمية  لإطلاق تصور خاص لتطبيق عراقي خاص وعاجل للكتلة التاريخية المعهودة كما جرى حرف مضمونها الغرامشوي ومصادرة اسمها أو تلبيسه بقليل من البهارات اللفظية كالمرونة والاجتماعية والمديات المفتوحة؟

وإذا ما غادرنا مداخلة الباحث فراس نظمي واستمعنا إلى زميله علي العلاق من حزب الدعوة الإسلامية وائتلاف المالكي " دولة القانون" فسوف نكون كمن استبدل الرمضاء بالنار، فلن نجد أمامنا سواء خطاب حكومي لتمجيد الحاكم الأول، وتأكيد (جدية رئيس الحكومة، حيدر العبادي بعملية التغيير)، أما ثالث المتحدثين في ندوة المدى الحوارية فهو المتحدث باسم حزب الحكيم " المجلس الأعلى  النائب الشيخ حميد معله. وسوف يبشرنا هذا المتحدث أن (أحداً لا يجرؤ على الوقوف بوجه الإصلاح والتغيير، حتى إن لم يؤمن به، وأن الجميع ينبغي أن يسهم في تلك العملية، التي يجب أن تطال القوى القضائية والتشريعية والتنفيذية والنظام القائم) فهل تحتاج عبارة الشيخ معلة هذه (لا أحد يجرؤ على الوقوف بوجه الإصلاح والتغيير، حتى إن لم يؤمن به) إلى ذكاء خاص لفهمها ؟!

أما ممثل حزب الطالباني في حفلة مؤسسة المدى السيد وزير الثقافة والسياحة فريد راوندوزي فسوف يختبر ذكاء المستمعين ويتلو عليهم اللغز اللفظي اللطيف التالي (المعالجة تكمن من خلال تحديد بعض النقاط المتمثلة بممارسة الإرادة السياسية القوية، يعني التفويض القوي ومغادرة الموروث القديم والتصرف بسرعة وقوة وذلك يتطلب أيضاً تأسيس المصداقية في وقت مبكر، لأن أي نظام جديد يأتي من دون تكرس المصداقية بسرعة لا يمكنه أن يستوعب زخم الجماهير).

وأخيرا نستمع إلى مداخلة حول موضوع الكتلة التاريخية من نائب سكرتير الحزب الشيوعي والوزير السابق في حكومة المالكي الأستاذ رائد فهمي قال فيها كل شيء ولكن لا شيء له علاقة له بالكتلة التاريخية لنقرأ ما قال (اللحظة التاريخية جاءت من انطلاق الحراك الجماهيري الذي يريد التغيير بعد عجز البرلمان والحكومة على تحقيقه، حيث يعلم الكل ما هو المطلوب وأن الخلل ليس في قلة المعلومة لاسيما بعد أن تم تجاهل 16 خطة كبيرة للتطوير وإن الإصلاح ليس عملية إدارية أو تكنوقراطية، بل عملية سياسية بامتياز، فيها بعد فني واقتصادي ولكن بما اننا نتحدث عن مصالح فنحن أمام عمل سياسي، نحن بحاجة إلى خلق تركيبة سياسية لها مصلحة في تحقيق الإصلاح ومن ثم تجد لها تعابير أخرى، فهذا الاصطفاف السياسي لا يحدث فقط من الحوارات والمداولات وهي مطلوبة ايضاً، بل يأتي من خلال المواجهة المجتمعية بضمنه الحراك الجماهيري) وهكذا فنحن أمام كلام عن إصلاح ما لا يمكن إصلاحه، ونعني نظام المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال الأجنبي وبالتحاور والمشاركة مع رموز وقيادات هذا النظام تعكس قائمة المشاركين في ندوة المدى  طيفهم الرئيس.

لن نضيع وقتنا ووقت القارئ بمناقشة  مداخلات ممثلي الأحزاب الحاكمة والوزراء والموظفين الآخرين فهي لا تخرج عن دائرة الإنشائي الحكومي المضجر الذي تضخه وسائل الإعلام الحكومية.ولكننا نختم دراستنا هذه بطرح هذه الباقة من الأسئلة التي تقدم إلقاء بعضها في الأسطر السالفة:

- أي معنى للكتلة التاريخية التي يروج لها الباحثون اليوم في العراق وسواه غير معنى سياسوي يبرر ويشرعن نظريا لصفقات وتحالفات سياسية شعبوية باسم التغيير والإصلاح السياسيين؟

- ما العلاقة بين الكتلة التاريخية في مضمونها الفكري الأصلي الوارد في سياق بناء الهيمنة الثقافية المضادة لهيمنة طبقية سائدة وبين الكتلة التاريخية السياسوية؟

- بعيدا عن تصويب أو تخطئة  استراتيجية التحالفات السياسة في تطبيقاتها المختلفة، هل يمكن أو يجوز بحثيا الاتكاء على مفاهيم نظرية، أطلقت في بدايات القرن الماضي وضمن سياقات ومخاضات صعود الفاشية والنازية، بعد انتزاع مضمونها الأصلي وضخها بمضامين ليس منها في شيء؟

- ما الدلالات الاجتماعية والسياسية لهذا السلوك في التوظيف السياسيوي للنظريات الثقافية والفلسفية خصوصا في مجتمعات بمواصفات هشة وملتبسة طبقيا، تحكمها أنظمة استبدادية  تابعة للغرب كمجتمعاتنا العربية؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير مما يمكن استنباطه من هذه الدراسة، تسمح لنا بالتفكير والتأمل في ماهيات ومآلات سائر النظريات العملية الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والتي قد يكون من أمثلتها الأبرز مفهوم ونظرية " الكتلة التاريخية والهيمنة الثقافية" التي طورها وعمقها أنطونيو غرامشي؟.

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3502 المصادف: 2016-04-07 11:13:48