المثقف - قضايا

دفاعاً عن تراثنا الأدبي

fatima almazroweiلا تعجب البعض قيم حياتية بديهية، ويكتب عنها كلمات لا تستقيم مع ما يدعونه من ثقافة واطلاع، وفي اللحظة نفسها يبين ضحالة تفكيرهم ورؤيتهم، على سبيل المثال البعض - القلة - من الأدباء العرب والذين يقدمون أنفسهم بأنهم متخصصين في النقد الأدبي، ومن كلماتهم الرنانة أن الذائقة الأدبية فسدت، وأن التذوق والنظر في النص يكاد ينقرض.

ورغم الاهتمام الذي يظهرونه عند الحديث عن النقد، إلا أنهم دوماً يصحبون آراءهم برفض غير متماشي مع وظيفته في مجال النقد الأدبي.

هؤلاء يذهبون أبعد من هذا، عندما يتناولون حقل بعيد عن تخصصهم، وأقصد عندما يتحدثون عن التراث البشري، حيث يؤكدون بأنه لا يوجد تراث أدبي عربي أصلاً، وإذا وجد فهو خالي تمامًا من التفاعل والنقد، ويقولون إن النقد وعلومه لم تحضر إلا من خلال عصر النهضة الأوروبية، ومن خلالها تطور هذا العلم، بل أن النقد هو الذي ساهم في النهضة الحضارية، لأنه أتاح للآخرين الحكم على مختلف المنجزات البشرية وإظهار عيوبها.

هذا المفهوم خطأ عن التراث الأدبي العربي، بأنه لم يكن موجود لا في الذاكرة العربية ولا في الواقع الإبداعي العربي، هذا ما يتورط فيه من يصنف نفسه أديبًا، ويملك معرفة علمية في المجال الذي يتحدث عنه، ففي هذه الكلمات ظلم تام للذاكرة العربية والتراث العربي برمته.

هؤلاء قرروا أن يغمضوا أعينهم عن تاريخنا وتراثنا، وتنكروا لما في عمقه من دروس حتى في النقد والمجال الأدبي وهو – مع الأسف میدانهم وتخصصهم.

للرد على أمثال هؤلاء لابد من استحضار شواهد من عمق التراث العربي القديم، لعلهم يدركوا كم هي عظيمة أمتنا العربية.

توجد رواية تعدت مصادرها التاريخية، وهي عن النابغة الذبياني، الذي كانت تقام له خيمة في سوق عكاظ، وكان الشعراء يجتمعون فيها للتنافس. "وفي ذات يوم دخل عليه حسَّان بنُ ثابت، وكان في المجلس الشاعر الأعشى، وقد أنشدَه شِعره، بينما كانت الخنساء أيضاً بين يديه تنشد بعضا من شعرها، وهي: قَذًى بِعَينَيكَ أَم بِالعَينِ عُوَّارُ.. أَم ذَرَّفَت إِذ خَلَت مِن أَهلِهَا الدَّارُحتى انتهت إلى قولها:

وَإِنَّ صَخرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ.. كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

وَإِنَّ صَخرًا لَمَولاَنَا وَسَيِّدُنَا.. وَإِنَّ صَخرًا إِذَا نَشتُو لَنَحَّارُ

 فقال الذبياني: لولا أنَّ أبا بصير يقصد الأعشى، أنشدَني قَبلَك لقلتُ: إنَّكِ أشعر الناس، أنتِ والله أشعرُ مِن كلِّ أُنثى، قالت: والله مِن كلِّ رجل، فقال حسَّان: أنا والله أشعر منكَ ومنها.

فقال النابغة الذبياني: حيث تقول ماذا؟

قال حسان: حيث أقول:

لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُّحَى.. وَأَسيَافُنَا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَمَا

وَلَدنَا بَنِي العَنقَاءِ وَابنَي مَحَرَّقٍ.. فَأَكرِم بِنَا خَالاً وَأَكرِمِ بِنَا ابنَمَا

فقال النابغة: إنك شاعر: لولا أنَّك قلتَ: الجفنات، فقلَّلت العدد، ولو قلت: الجِفان لكان أكثرَ، وقلت: يلمعن في الضحى، ولو قلت: يبرقن بالدُّجى لكان أبلغ في المديح؛ لأنَّ الضيف باللَّيل أكثرُ طروقًا.

وقلتَ: يقطرن من نجدة دمًا، فدلَّلت على قلَّة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثرَ لانصبابِ الدم، وفخرتَ بما ولدت، ولم تفخر بمن وَلَدَك، فقام حسَّان منكسرًا منقطعًا".

موسم عكاظ، وما يحدث فيه من مساجلات بين الشعراء قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ماذا تسمى؟ وهذه القصة في أي حقل أدبي يمكن أن توجه؟.

هؤلاء يعانون من عقدة النقص تجاه تراثهم وأمتهم، أو أنهم على درجة ضحلة من المعرفة بتاريخهم الأدبي.

 

فاطمة المزروعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3510 المصادف: 2016-04-15 06:54:30