المثقف - قضايا

الشخصية العربية.. تحليل سيكوبولتك للفكر والسلوك (2)

qassim salihyتحدثنا في القسم الأول عن دور الأسرة في تشكيل الشخصية العربية، ونتناول هنا دور المدرسة والسلطة في انتاج شخصية المواطن العربي، لتكشف لنا عن أحد أهم أسباب الصراع السياسي والتخلف الثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية..ونحن عنه غافلون.

 

ثانيا: المدرسة

تشير الدراسات الى أن النظم المدرسية العربية تسعى الى الضبط الاجتماعي، بدلا من تكريس الحرية المترتبة على المعرفة، والى توليد المسايرة والانصياع لمعايير الجماعة للمحافظة على ما هو قائم . وأن الأنظمة التربوية العربية الرسمية تقوم على تكريس علاقات السلطة الخاصة بالنظام الأبوي، وتعمل على إعادة إنتاج هذه العلاقات . وأن ما يتعرض له الأطفال من قهر وتسلط تربوي يضعهم في دائرة الاستلاب شاملة تكرّس مظاهر القصور والسلبية كافة في الشخصية الإنسانية، على ما يرى الباحثان (وطفة والنقيب) . فيما يذهب باحثان آخران (علي والراهب) الى أبعد من ذلك فيصفان نظام التعليم العربي بأنه تقليدي يقوم على سجن عقل التلميذ في حذاء صيني ضيق يمنعه من الانطلاق والانتشار والشمول . وبمعنى مقارب يرى الباحث (الناقة) أن شيوع التلقين لا يقتصر على ساحة التعليم المدرسي بل يتعداها الى مؤسسات التعليم العالي، وأن الجامعات العربية ظلت أسيرة لطرائق التدريس التي ألفها الطالب سابقا، وليس من الميسور تغيرها بما يتناسب مع الدراسة الجامعية القائمة على البحث والمراجع وما يتطلبه من مهارات.

 

تعـلـيـق

تعدّ المدرسة من أهم وأخطر مصادر بناء شخصية الإنسان، لكونها تغذّي العقل بالعلم والمعرفة، وتهذّب السلوك، ويقضي الفرد فيها خمسة عشر عاما أو اكثر من أهم مراحل حياته (الطفولة والمراهقة والشباب)، فضلا عن انها أداة الدولة والمجتمع في التطور والحضارة، والقناة التي يتم من خلالها تشكيل أو تكوين العقل العربي.

ولم تعد المهمة الأساسية للتربية تعليم المعارف والمعلومات والحقائق، فهذه يمكن أن يجدها الإنسان في المكتبات وفي وسائل الاتصال وآخرها الإنترنت، إنما المهمة الرئيسة لها هي تمكين الفرد من تغيير حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية نحو الأفضل .

وبما أن الفكر، بوصفه أداة ومحتوى، ما يزال مرهونا بتقدم العلم " الذي يفضي استخدامه الى أن يجعل الحياة بصيغة أفضل " فان المدرسة، بوصفها قناة العلم، لا يكون بمستطاعها تحقيق ذلك ما لم يكن ثالوثها" المعلم – الطالب – المنهج " بمستوى هذه المهمة المعقدة والخطيرة. وتؤكد مكاتب اليونسكو في البلدان العربية أن الغالبية المطلقة من جامعاتها متخلف بما لا يقل عن ربع قرن موازنة بالجامعات الأوربية، وأنه باستثناء ثلاث جامعات (في السعودية والأمارات) فان الجامعات العربية احتلت المراتب المتأخرة في سلّم التقويم العالمي للجامعات.

وفي العراق يتفق الباحثون على ان التعليم الجامعي يعاني من مشكلات كبيرة اذ يشير الدكتور رياض المهيدي إلى (أنّ هناك 60% من الكوادر من حملة الماجستير ليس لديهم خبرة في مجال التعليم العالي بسبب عدم توفر فرصة مناسبة لتدريبهم بشكل جيد، وهذا من شأنه أن يعمّق من الهوة في عملية التواصل بينهم وبين الطلبة ويؤدي إلى خريج غير كفوء). فيما اشار الدكتور محمد فاضل الربيعي إلى أن التركيبة والهيكلية داخل الجامعات غير مساعدة على تأهيلها، وأن النظام الإداري الجامعي غارق بالروتين، و(علينا ترك مرحلة التلقين، والتوجه إلى مرحلة التعلم من قبل الطالب، واعطاء دور للطالب في التعلم...فضلا عن ضعف المنظومة الاخلاقية، وأهمية دراسة الاخلاق في الجامعات بعيدا عن ذهنية التحريم).

ومن خبرتنا الجامعية لأربعين سنة، وعملنا خبيرا في وزارة التعليم العالي، فان واقع الجامعات العراقية الآن قد تخلف كثيرا مقارنة بواقعها في سبعينيات القرن الماضي، لأمور تتعلق بعدم الاستقرار الأمني، وهجرة مئات العقول الأكاديمية المميزة، واغتيال عشرات أخرى، وسوء الادارة، واعتماد المحاصصة، لا الكفاءة والمرتبة العلمية، في تولي المسؤوليات على صعيد رؤساء الجامعات وعمادات الكليات ورئاسات الأقسام العلمية ايضا.

ونخلص الى أن مؤسساتنا التربوية العربية ما تزال غير مؤهلة تماما لإنجاز هذه المهمة بالسرعة والكفاية التي تمتاز بهما المؤسسات التربوية في العالم المتقدم، وأن الطائفية التربوية والتعليمية في العراق ستخّرج أجيالا بعقول دوغماتية تزيد من تأخر العراق سنوات أخرى بعمر تلك الأجيال.

 

ثالثا: السلطة

تتعدد إشكاليات العلاقة بين السلطة والفرد في المجتمع العربي في حالة من التشابك المعقّد . سنلتقط إشكاليتين فقط هما: الاغتراب عن السلطة، وتعدد الرؤى وضبابية المستقبل، ونوجز الحديث عنهما بلغة البرقيات.

ففيما يخص الاغتراب عن السلطة، تشير الدراسات الى أن المجتمع العربي واقع مغرّب يحيل الشعب، وبخاصة طبقاته وفئاته المحرومة والمرأة، الى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر . وأن السلطة حاصرت الإنسان العربي فاضطرته للاشتغال بتدبير شؤونه الخاصة وتحسين أوضاعه المعيشية، وأنها عمدت الى تهميشه وإفقاره وسحق قدراته الابداعية، على ما يرى الباحث (بركات) .

ويرى الباحثون : وطفة، النقيب، شرابي، رضا، وغيرهم أن الأوضاع العربية أحالت الإنسان العربي الى كائن مغترب عن نفسه ومجتمعه ومؤسساته، واضطرته لأن يساوم ويتكيف مع واقعه الأليم بدلا من تغييره . وأن السلطة العربية حولت الفرد العربي الى كائن يعمل في خدمتها دون أن تعمل لصالحه وتحسين أوضاعه المادية والإنسانية واغناء حياته، وأنها جعلته عاجزا وفقيرا ومهمّشا لا يقوى على الإسهام في خدمة مجتمعه.

وما يهمنا هنا هو التنبيه الى الآثار النفسية الناجمة عن الاغتراب، ومن أخطرها : شعور الفرد المغترب بالعجز (powerlessness)، وإحساسه بأنه لا يمتلك السيطرة على مصيره، الأمر الذي يدفعه الى أن يكون قدريا وميالا الى التفكير الخرافي، فضلا عن فقدانه المعنى أو الهدف من الحياة، والبعد عن القيم الأساسية في المجتمع، وشعوره بالعزلة والوحدة الذي قد يصل الى الإحساس بالنبذ.

وفيما يتعلق باستشراف العربي لمستقبله فان الدراسات تشير الى تعدد رؤى السلطات الفلسفية والسياسية والفكرية والاقتصادية بشكل وضعت الفرد العربي في منطقة رمادية وحاصرته فيها.

ففي المجال الفلسفي، مثلا"، هنالك تيار سلفي قوي يدعو الى استعادة الذات العربية من ماضيها المجيد وتوكيد نفسها في مواجهة التحدي الحضاري، مقابل رؤية تدعو الى الحداثة و " العصرنة ". وكل يأتي بحجج ساندة لموقفه وداحضة لموقف الآخر، حتى لتبدو الحجج الساندة والداحضة معقولة ومقبولة، برغم ما بينها من تناقضات. فالرجوع الى الماضي نكوص في عالم اليوم، والحداثة أو " العصرنة " تعني العولمة وضياع الهوية . ومن يدعو الى المعقولية والتوازن بينهما، كما فعل محمد عابد الجابري، تبدو له الرؤية منطقية على صعيد ما ينبغي أن يكون، وخيالية أو مستحيلة على صعيد ما هو كائن.

وقد ينتهي الأمر الى ما توصل إليه بركات من أن الفرد العربي صار في معظم المجتمعات العربية موزعا" بين القديم والحديث من دون أن يكون أيا" منهما حقا"، وأن النزوع الى كل من السلفية وتقليد الغرب يشكل نوعا" من الاغتراب عن الذات.

ومحنة نفسية أخرى يعيشها الفرد العربي هي انه يملك تاريخا" مجيدا"، ويحمل في الوقت نفسه صورة سلبية عن ذاته، وبين هاتين الصورتين (الحالين) يعيش حالة مأزقية. فتاريخه يحدّثه بالأمجاد والزهو، فيما حاضره يصفعه بالانكسارات وبما يحاول أن يذلّه.

وما يزيد من هذه المحنة، أن بعض السلطات في المجتمع العربي تعمّق إحساس الفرد العربي بمشاعر الإحباط وتمارس آلية (الإسقاط)، بأن تتنصل عن مسؤوليتها وترميها على قوى خارجية.

إن تعدد الرؤى حالة إيجابية ومطلوبة في تغيير الحاضر الى ما هو أفضل. غير إن الإشكالية هي انك اذا أحصيت الرؤى في مجتمعاتنا، (وهي عسيرة على أن يجمعهما جامع)، فانك ستصل، من بين استنتاجاتك، الى أن الفرد العربي يصاب بالدوار منها. وانه اذا انشغل بها فانه قد يتعرض بسببها الى اضطراب عقلي. ولأنه لا يريد هذا ولا ذاك، فانه يلجأ الى إن ينأى بنفسه عنها في حالة يأس منها ومن المستقبل. يرافق ذلك أن أجهزة الإعلام العربي أوصلت الفرد العربي الى حالة من (التقيؤ الفكري) لكثرة تردادها لما يزيد عن خمسين سنة مقولة " إن الأمة العربية تمر الآن بأزمة خطيرة "، برغم تعاقب الأزمنة وتنوع السلطات، وكأنها مبرمجة لتيئيس الفرد العربي من أمته ومستقبلها، لأن التكرار وعلى مدى هذا الزمن الطويل، كفيل بأن يولّد، سيكولوجيا"، حالة الإقناع بأن " الآن " هذه مزمنة ولا خلاص للأمة منها..ما دامت الأسرة والنظام التربوي والسلطة تنتج حكومات فاشلة وفاسدة.. والناس عليها بين راضين وغير مكترثين وعاجزين عن فعل التغيير.. ولك في العراق انموذجا قل نظيره!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3511 المصادف: 2016-04-16 07:03:02