المثقف - قضايا

بين إسلام مكة وإسلام المدينة

rakeb rekabiهناك ثمة فارق وثمة معنى مختلف بينهما، فهناك في مكة كانت النبوة، وكان الوحي، وكان الإسلام، وكانت الروح المنفتحة الغير مكابرة، وهناك كان العلم وكان التفكر والتدبر، وفيها كانت النظرية التي نتغنى بها ونفاخر .

ولاشك إن الجدل اليومي الذي يدور بين مفكرين حول الإسلام عن عقيدته وعن شريعته، ذلك كان دافعي للكتابة لبيان معنى الإسلام أين؟ وكيف؟، وهذا الأمر دعاني لتوضيح الخلاف بين النموذجين أو قل بين التجربتين، أعني تجربة مكة بكل نزاهتها وتجربة المدينة بكل ما أحيط حولها من لغط ومُخالفات، ولأن هذا الأمر يتقاطع مع الواقع كان علينا لزام تبيان مفاهيم كلا التجربتين، وأين يقف مسلمي اليوم ومع من منهما؟، فداعش وقبلها القاعدة قدمت تجربة مُرة وشديدة الظلام عن الإسلام، وهي ترفع على علمها الرسمي شعار - لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله - هذا الشعار المُربك، والذي يجر شباب وشابات الأمة إلى السير تحت هذه الرآية، ولأنني مؤمن بأن الإسلام لازمه إيمان بالنبوة كونها المفتاح، والنبوة هي اللحظة التي يلتقي فيها الله مع من يصطفيه من العباد، والنبي حين يُمارس دوره يرتبط بالإنسان المجرد الغير منتمي والغير مُحزب والغير مكفول بعشيرة أو نسب، ولأنها دعوة عاقلة ترتبط مع روح الإنسان لذلك تشكل النظرية بكل ما فيها من قيم ومُثل ومبادئ وعلم ونظر ومحبة، وهذا الشيء لمسناه في الكتاب المجيد وما توفر لدينا من بعض الوثائق الصحيحة لمرحلة مكة .

وما من شك إنني ميال لتلك الفترة ولتلك المرحلة من تاريخ الإسلام، معترفاً بفضلها العالمي ودلالتها التي تُمثل عندي تلك النظرية الغير مُدنسة بألاعيب السياسة والسياسيين، إذن فهي المثل عندي والذي أعترف به إنه يُشكل قناعتي الأبدية عن معنى الحق والخلق والإسلام والإيمان .

لكن الأمر جدُ مختلف هناك في المدينة، حيث تيار السياسة وما يجري فيها من أهواء ورغبات وألاعيب غير مسؤولة، تجعلني أقول إنها تجربة مُرة طفح فيها رجال من الصف الثاني والثالث، ومن هم من الفئة الباغية ليكونوا قادة وزعماء ومنظرين وأصحاب وجهات نظر، في المدينة برز المفهوم الديماغوجي لمعنى – أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم –، وبرز معها وساد مقولات عن - عدالة الصحابي -، وتنامى مفهوم الوصية والتوريث والحاكمية المطلقة، والتدريب الذهني للقبول [بالدكتاتورية] في ظل مفهوم – الحاكم العادل –، وجرى في المدينة التطبيق القهري لنظام الحدود، ذلك النظام الذي مزق معنى الإسلام وعدالته وجعل من النظرية المكية مجرد كلام لدى المتلقي، في المدينة تشكل لدينا الدين التاريخي دين الرجال وعبادة الرجال، وضاع من الأفق مفهوم النبوة، وساد بدلاً عنه مفهوم الرسالة، مع إنها الشيء الثانوي المرتبط بالإيمان وليس الشيء الأولي المرتبط بالإسلام، أعني تراجع النبوة في مقابل الرسالة .

ولهذا يُطلب من الذي يدعونه للإسلام أن يشهد لمحمد بالرسالة دون الشهادة له بالنبوة مع إنها هي الأصل، ولا يخفى إن بين النبوة والرسالة فارق مفهومي، يدلنا على ذلك الفارق الجدلي بين الإسلام والإيمان، فالنبوة هي الإسلام ويعني ذلك إنها النظرية، وأما الرسالة فهي لمن آمن بمحمد رسولاً وفي الرسالة حدث التطبيق، الذي لم يكن لمحمد فيه نصيب واضح غير كلام منسوب، وسوى تلك الإملاآت التي يُقال إنها له، وعندنا شك في ذلك كبير، ولم يعتن المسلمين بالمرحلة المكية إعتنائهم بمرحلة المدينة، بل ولم نجد في كتب الأخبار وفي الصحاح المزعومة، ثمة هامش يمكننا التعويل عليه، لكن الصحاح المزعومة مليئة بأخبار الرسالة، وكما تدرون إن كتابة هذه الأخبار جاء لاحقاً، وقد ركز خلفاء بني أمية ومن تبعهم على أخبار الرسالة أي أخبار المدينة، متناسين عن عمد أخبار النبوة .

ومن هذا المنطلق نقول : إن بين النظرية والتطبيق فارق كبير في الإسلام، هذا الفارق نقول به بين إسلام مكة وإسلام المدينة، وما عندنا اليوم هو إسلام المدينة الذي فيه الحاكمية والسياسة والسلطة والمال والذبح والقتل والسبي، إسلام المدينة أسوء مرحلة يمكننا تخيلها، ولهذا هجرها علي بن أبي طالب إلى الكوفة، على أمل أن يجد الشيء المختلف والجديد والمُغاير، لكن المسلمين هم المسلمين هم نتاج بناء المدينة، وليس من نتاج فكر مكة، ولهذا خسر الرهان عليهم، كما نخسر اليوم كل معاركنا، طالما تحكم فينا ويتحكم إسلام المدينة بكل ما تعنيه تلك الكلمة من ظلم وتعدي وإستباحة دماء ..

 

راغب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3521 المصادف: 2016-04-26 10:32:26