المثقف - قضايا

أوهام المصطلحات

rakeb rekabiنُغرم كثيراً نحن بالمصطلحات حتى من قبل أن نعرف معناها ومفهومها في لغتها الأم، ومن ذلك مصطلح - الدولة المدنية - المأخوذ في الأصل اللغوي لها من – المدينة - في مقابل القرية، وهو حسب أقرب التفاسير تعني: تكوين الدولة على أساس نظام المدينة من خدمات ووسائل تفتقدها القرية، وهذا يعني تحويل القرية إلى مدينة خدماتياً - وهذا من حيث هو جميل ولا ضرر فيه -، ولكن هذا التحويل يجب أن يتم ضمن شروط لازم توفرها لكي يكون التحويل منهجي وصحيح وناجح، ولكن التحويل القهري الإفتراضي لا مبرر منه إن كان هدفه هو مجرد تحويل القرية إلى مدينة وحسب، لأن ذلك التحويل في صيغته المفترضة تلك هو ظلم بحق نظام القرية، الذي يشكل في العادة الأكثرية في مجتمعاتنا، ثم إن هذا التحويل المفترض يعني بالضرورة الإستغناء في مجتمعاتنا عن أعمال ومشاريع  القرية من زراعة ورعي وإصلاح أراضي، وقد رأينا خطأ وفداحة هذا التوجه الذي عمد إليه النظام الدكتاتوري السابق، في السبعينات حين حول المجتمع والدولة إلى نظام العسكرتاريا، فتحول الفلاح معه إلى جندي وهجر أرضه ومصدر رزقه وعيشه وكرامته، وهذا الإجراء أدى إلى جعل الدولة تحتاج لإستيراد المواد الرئيسية في الغذاء والعيش الضروري وتعتمد على الغير في مصدر رزقها، وهذا الفعل هو الذي مهد لسقوطها عند أول ضربة وأول إختبار، وإن كان المُراد - بالدولة المدنية - هو ضد للدولة العسكرية، فهذا المعنى لا يفيدنا بشيء وهو مُغاير لمعنى المدنية المقصود، وإذا كان المقصود من مفهوم – الدولة المدنية – هو النظام السياسي، فالمدينة لا تؤوسس في العادة لنظام سياسي متوازن وعادل، وليس بالضرورة أن يكون النظام المدني نظاماً ديمقراطياً وقائماً على إرادة الشعب وإختياره .

نعم إن أقصى ما تعنيه جملة - النظام المدني - هو ذلك النظام الذي فيه خدمات جيدة مقارنة بخدمات أهل القرية، وهذا لا يدل على الديمقراطية من قريب أو بعيد ولا علاقة للمدينة من حيث هي بذلك، فالديمقراطية : هي ممارسة وثقافة شعبية عامة، تدخل في كل حيز وكل تفصيل من مفاصل حركة المجتمع، وبها يمكن القضاء على الطريقة القديمة للنظام الإجتماعي والسياسي القائم على بناءات إجتماعية ظالمة وخاطئة، و بالديمقراطية الصحيحة يمكننا القضاء على نظام الإقطاع و الذي هو غير موجودفي الأصل في مجتمعاتنا و بشكله الغربي القديم، ومن خلالها كذلك يمكننا القضاء على هيمنة شيوخ العشائر الجهلة والمتخلفين الذين يتوارثون المشيخة بالضد مع إرادة الناس .

إن الذي يقضي على هذا التفاوت الطبقي هو نظام الإنتخاب والإختيار الحر، والذي يجب أن يؤوسس على قواعد خالية من التوتر ومن الصداع الديني والمذهبي والجهوي والفئوي، وبه يكون خير تأسيس لدولة الإنسان التي يُحكى عنها، تلك هي - الدولة العلمانية - ذات النظام السياسي والإجتماعي الليبرالي الديمقراطي، وخيار الدولة العلمانية بنظامها الإجتماعي والسياسي نحق المعادلة في الخير والمصلحة، وذلك حين نتحدث عن دولة ذات نظام يحترم كل أطياف ومكونات الشعب ويحترم هوية وثقافة الجميع .

إذن من الوهم أن نستدرج مصطلحات لا نعرف معناها سوى إنها وردت في لسان الغير، أو إننا نقصد أو نريد بها ذلك المعنى النبيل للحياة الحرة الكريمة، وفرق واضح بين ما نريده، وماتعنيه الكلمة بالضبط، ولكي لا نقع في - وهم المصطلحات -، علينا توخي الدقة والحذر في إنتقاء اللفظ الذي يوافق المعنى المطلوب منا .

والوهم الآخر : مصطلح - حكومة التكنوقراط - والذي هو في الأصل المعجمي يكون بمعنى المتخصص في مجاله، ولأن الكلام عن الحكم والحكومة، فذلك يعني إننا نتحدث عن الإدارة وعن صفاتها بمن يتولون المسؤولية، والصحيح ولكي يستقيم الكلام علينا البحث عما نفتقده في الإدارة والمدير، وأهم هذه الأشياء المُفتقدة : - هي النزاهة والشرف والكفاءة والعفة والقوة والعلم وحُسن السيرة والسلوك -، وهذه الصفات هي المطلوبة لحكومتنا خاصةً في ظل مطالب الشعب المحددة، والتي تظاهرت على الفساد وعلى السُراق و السرقات وعلى من باعوا البلاد للإرهابيين والقتلة، وجعلوا الوطن ساحة مُستباحة لكل شذاذ الآفاق .

نعم إن الشعب لايريد من لفظ تكنوقراط معناه الحصري، بل يريد معناه التضمني، فالمعنى الحصري ليس مطلباً شعبياً ولا مجتمعياً ولا هو مطالب الثوار والمعتصمين، خاصةً في ظل الحاجة إلى سد الثغرات في مواطن تفتقد للنزاهة والشرف، وسوء إستخدام السلطة، وتبديد المال العام لملذات البعض من الفاسدين، وهيمنة فئة باغية على شؤون البلاد والعباد .

إنه من الوهم أن يكون الإصرار على هذا المصطلح في مجال الثورة والتغيير والإصلاح، ولكن إن كان يُراد منه حكومة غير مُسيسة فهذا غير ذاك، إذ يجب أن نُسمي الأشياء بمسمياتها، وإذا كان المُراد منه حكومة عمل وخدمات، فهذا لا يتطلب تخصص في ذات الوزير للوزارة، بقدر توفر الشروط الموضوعية التي قلنا بها، وهي شروط ليست مستحيلة مع توفر الكم الوفير من الشرفاء وأهل القيم، وعلى من يريد فعليه البحث بجد وإخلاص عن كل نافع، فمرحلتنا خطيرة وقد لا يكون فيها لعراق الماضي الموحد نصيبٌ من الدوام ..

 

راغب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3524 المصادف: 2016-04-29 08:51:15