المثقف - قضايا

قصدية المفردة ودلالتها عند عالم سبيط النيلي .. ملحمة جلجامش مثالا

ali alsawadاستطاع الباحث اللغوي الراحل (عالم سبيط النيلي) ان يزيح ويطيح بكل التفسيرات والتاويلات الخاطئة التي اشتغلت على ملحمة جلجامش، ومن هنا تبدأ اهمية القراءة الجديدة التي برهنت اولا على واقعية و موضوعية نص الملحمة حسب راي الراحل عالم سبيط النيلي و ثانيا اثبات الارتباك والاعتباطية الفاضحة عند من ادعى  تاويل او تفسير الملحمة، ومما أدهشني انا بطريقة سلبية، كمثال اختاره واذكره وهو ان الاستاذ الراحل طه باقر تعامل مع نص الملحمة ليس باستقلالية الناقد كما يجب ان يكون عليه كناقد او دارس للنص او محلل للنص بقدر ماكان صدى مكرر و مباشر لمن سبقوه في فهم نص الملحمة.

 وباعتقادي انه اضعف جهوده وفوت  الفرصة عليه وجعل  نفسه رقما مكررا او في الاقل هكذا كان مخطئا في فهمه  للملحمة، وهذا ما رصده و ثبته الاستاذ عالم سبيط النيلي من خلال مراجعته ودراسته لنص الملحمة وقد الف كتابا مهما بهذا الصدد. اي ان الاستاذ عالم سبيط النيلي اكتشف الاخطاء الكثيرة والكبيرة التي شوهت النص وابعدته عن مضمونه الواضح. وسابين لاحقا الرؤية الجديدة للنص وفق  رؤية  سبيط النيلي، لكن هناك ملاحظة اعتقد انها تستوجب ان اعرضها بشكل عام وهي مرتبطة  بالمجموعة الاكبر من المثقفين والنقاد والكتاب العرب وحتى المتخصصين منهم في الدراسات والنقد.

 كما اتصور وهم للاسف مازالوا  كما يبدولي غير عارفين في  حضارة العراق القديم و التراث العربي والاسلامي، او غير قادرين على تحديد الية الوصول الباعثة على الاكتشاف، او كانهم  ينتظرون من الغرب، ان يكتشف ويدقق لهم تراثنا وبالتالي يظهر لهم اهم رموزه، وشخصياته حتى يبدأو هم بالكتابة و التحليل والدراسة او النقد او الاحتفاء بها. بعد ان قال الغرب رايه  فينا وفي تراثنا ورموزنا وانا اعتقد ان هذه فضيحة مثيرة للحزن الشديد وتبعية محرجة جدا وسوف اذكر امثلة كي اؤكد على الامر وابرهن على ما ذكرته وهو اولا، لولا الغرب واهتمامه بالف ليلة وليلة واحتفاله فيها كقيمة ادبية.

 لما حصل اي اعتبار او اهتمام بها، من قبل النخب الفكرية والثقافية. اي ان الغرب هو من  نبههم وجعلهم تحت تاثير رغبة الاعتراف بالف ليلة وليلة، كنص ادبي يستحق كل اسباب التقدير والاهتمام.  ومن هنا جاء الاهتمام  فيها اي بعد راي  الغرب فيها وهذا امر يطرح الكثير من الاسئلة والاشكاليات الباحثة عن اجابات واعترافات حقيقية لمعرفة ازمة الثقافة العربية . ثانيا الغرب نفسه هو من اكتشف الحلاج ومحي الدين ابن عربي والفارابي وابن رشد وابن سينا والقائمة تطول بذكر الاسماء التي اهتم  الغرب فيها ووضعها تحت الاضواء الكاشفة، فهل هذه من الحصافة ان نبقى على هذه التبعية؟

 

 دون ان نبادر نحن كي نستخلص كل ماهوم ايجابي ومفيد من تراثنا العربي، دون ايعاز او تلميح او تصريح من الاخر انا اشك في ذلك الى الان. ملاحظة اخرى وهي ليس كل ما اختاره الغرب من تراثنا وتاريخنا بالضرورة كان كله صحيحا وبالتالي يستحق الاهتمام به لمجرد ان  الغرب قال رايه فيه سلبا او ايجابا. وبالتالي  نوافقه على كل شيء من اجل لاشيء، بالعكس من ذلك هو الصحيح اي اننا  مطالبون بتوفير الفرصة المناسبة لفهم وتحديد تصوراتنا لتراثنا وتاريخنا.

 بحيث لا نجعل  من الغرب هو من يوجهنا من خلال مدرسته الاستشراقية التي لم تكن منصفة وعلمية في كثير من قضايا التراث، واراء الاستاذ الراحل ادوارد سعيد واضحة في هذا المجال. وخلصت الى ادانة الغرب واستشراقه و الياته و استنتاجاته واحكامه التي في مجملها ليست محايدة وليست موضوعية وليست على معرفة اكيدة بحق  التراثين العربي والاسلامي .

 اعود الى رؤية الاستاذ الراحل عالم سبيط النيلي في ملحمة جلجامش وكيف كان متفاعلا مع النص بنظرة الفاحص والمدبر والذي خلق رؤية  تستحق بالفعل ان تكون هي القراءة الخاصة للملحمة بعد ان اطلعنا وعرفنا  القراءات السابقة وكيف رافقها من ضعف في التفسير والتأويل، الى حد التزوير والتلاعب بالمفردة ومعناها ودلالتها وانا هنا لست بنية اصدار حكم قيمة يفهم منه انه محاولة اقصاء او النيل من جهودهم بل الامر بالتاكيد ليس كذلك ولايمكن ان يكون الا محاولة نقدية صريحة خالية من اي تبعات حاجبة او لاغية لرؤيتهم او اجتهادهم  لمن كانوا يعتقدون انهم يمارسون عملية ابداعية للنص.

 بل فقط اظهار ما حصل لنص الملحمة من تعسف قبل قراءة الاستاذ عالم سبيط النيلي الذي جاء بالكشف الجديد بعد  معايشتة  ومتابعتة الهادئة لمعرفة كل حيثيات وتفاصيل خفايا النص والوقوف والتأمل بعناية  لكل مفردة ودلالة وهذا مااعطى النص حيوية  ووضعته في السياق الصحيح، من خلال مشروعه الخاص وهو الحل اللغوي الذي يعيد للمفردة قصديتها ودلالتها ومن هنا سأذكر مثالين اثنين للقراءة الجديدة.

المثال الاول وهو ان الالهة عشتار التي هي وفق القراءات السابقة هي الهة بينما وفق القراءة الجديدة هي رمز للحياة ليس الا لانها الهة متعددة الوظائف الى حد التناقض الحاد،فمثلا في الليل هي الهة حب ولذة وفي الصباح الهة ولادة وفي النهار الهة حرب فلايعقل ان تكون الهة بهذا الاضطراب والاختلاف بينما مؤلف نص الملحمة اتخذها رمزا للحياة وهناك قرائن عديدة في النص تؤكد على راي الاستاذ صاحب القراءة الجديدة. والمثال الثاني ايضا وهو للراحل انقله حرفيا يقول فيه (عن الالهة عشتار، يمكن ان نقول انها رب او انها معبود في الرمز الادبي، فهي معبود مزيف وكانت غاية الادب في وادي الرافدين . نقده لا تقديسة. فلنلاحظ  اولا من هي عشتار التي تتكلم عند حدوث الطوفان؟ ولماذا تبكي على الهلكى وفي عين الوقت تعترف انها هي التي اهلكتهم؟)

وصَرَخَتْ عشتارُ كَمَا تصرخُ المرأةُ في الولادةِ

انتَحَبتْ سيّدةُ الأربابِ.. ناحَتْ بصوتِها

الشّجيِّ نادبةً… وأحسرتاه

لَقَدْ عادتْ الأيّامُ الأولى إلى طينٍ

لأنّي نطَقتُ بالشرِّ في مجمعِ الأربابِ

ماذا دهاني إذ نطقتُ بالشرِّ

لَقَدْ سلّطتُ الدّمارَ على خَلْقِي (أَناسي)

وأنا التي وَلَدْتُ أناسيَ هؤلاءِ

وملئوا اليمَّ كبيضِ السّمكِ .

انتهى النقل ونكتفي بهذا القدر القليل من اراء المؤلف الذي اعتنى بملحمة جلجامش عناية مميزة

اسست واثثت مفهوم جديد يليق بدارسة النصوص الرافيدينية العتيقة والعريقة .

 

 علي السواد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3544 المصادف: 2016-05-19 07:18:38