المثقف - قضايا

التعامل مع كنوز التراث

adnan almshamshيعرف التراث بانه كل ما ورثته لنا الأجيال السابقة على عصرنا في الميادين  المادية والفكرية والمعنوية ويمكن ان نطلق عليه انه الارث الذي يحتوي الثقافة المادية وغير المادية.

واهمية التراث تتجلى في ان حضارة اي مجتمع كان تتجلى  اصالتها بارتباطها بتراثها الذي انبثقت عنه بتعبير اخر لايمكن ان تعتمد الحضارة على ما تستجلبه من الخارج فقط بل تستند أساسا الى  تراثها،لان التراث هو الذي يحفظ حضارة الأمة وكيانها اما المحاور التي يتألف منها التراث فهي:

التراث المادي: ومنه العمران البناء  الصناعة  الزراعة الموصلات الري  الطرق الهندسة الاسواق الأدوية أدوات العمران ووسائل الانتاج والسلاح.....

التراث غير المادي: اللغة الادب الشعبي الشعر النثر الحكم القصص الأمثال  الأساطير والخرافات العبادات والعادات التقاليد الفن الرقص الغناء..

 ويرجع تراثنا العربي الى مايقارب ١٥٠ سنة قبل الاسلام  حيث شعر امريء القيس وهو اقدم شاعر وصلنا إلينا نتاجه اما اذا اضفنا الى ذلك بعض القصص والامثال التي وصلت إلينا من عصر الملكة الوباء  فهناك مساحة زمنية تصل الى ٢٠٠-٣٠٠ سنة قبل الاسلام، وهي فترة تشمل بعدا زمنيا هائلا يمتد من عصرنا الراهن  الى مايقارب ٣٠٠ سنة قبل الاسلام  بعبارة ادق تراث اجدادنا الذي ورثناه على مدى ١٧٠٠ عام.

إذن لدينا  تراث غني  وزاخر  بالمعرفة فيه فنون وعلوم كثيرة وهو تراث اصيل ليس تراثا تجمعها من مجموعة حضارات بل خلقته ظروفنا وبيئتنا وتمثله اجدادنا لتحفظه لنا الأجيال جيلا بعد جيل.

وحين نقول تراثنا اصيل  ليس من نتاج أمة او امّم اخرى لا نعني ان يكون منعزلا فالتراث اي تراث اصيل لابد له ان يؤثر ويتأثر بالحضارات الاخرى من دون ان يفقد هويته او يفقد ملامحه الاساسية ومكوناته  كما نص عليه القران الكريم " يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" الحجرات/١٣ اذ ان الخطاب موجه في الآية الكريمة الى الناس جميعا وليس الى المسلمين او العرب فقط وهذا يعني ان البشرية كلها تتبادل التواصل الحضاري الذي يشكل اساسه التراث فلا حضارة من دون تراث و بهذا المفهوم يكون لدى كل أمة حضاراتها التي هي نتاج تراثها المتفاعل مع الحاضر والتبادل الحضاري يعني رفض التعصب والعنصرية والتوجه نحو البشرية التي يمكن ان تتواصل  عبر الثقافة والتراث.

ان محاور التراث مختلفة وكنوزه متعددة متشعبة بخاصة اذا كان ماورثناه يمتد قرونا كثيرة مثل التراث العربي  لذلك هناك مسائل مهمة يجب ان ننتبه اليها تلك المحاور التي أشير اليها في النقاط التالية:

اولا: مسالة التقليد. ان التراث ساحر قوي مبهر عظيم كثيرا ما يسحبنا بقوته وفتنته فيجعلنا مقلدين له لا مبدعين كأنه يضعنا في قوالب جامدة قد لا تبدو هذه القوالب في ذلك الوقت جامدة لكنها لا تصلح لعصرنا لو قرانا شعر امريء القيس وشعراء العرب قبل الاسلام وحاولنا ان نلتزم بمعانيهم وتشبيهاتهم وصورهم التي أبدعوها بتاثير بيئتهم عليهم وتأثرهم بها أقول لو انبهرنا من دون روية وتأمل لاصبحنا مقلدين فقط غير مبدعين والأسلم لنا ان نقرأ التراث بالتحرر من سحره وسطوته لنظل متأثرين به لا مقلدين له.

ثانيا : مسالة الالتقاط. اذا انتبهنا الى سحر التراث وتحررنا  من الوقوع في تقليده عندئذ تاتي قضية الالتقاط بمفهومها الإيجابي وهنا تتجلى مسالة لاختيار الذي يعني ان ننتخب نصوصا تراثية من مجمل التراث تناسب روح العصر الذي نعيشه وقد تعالج أمورا سلبية وأحوالا صعبة نعيشها الان، فمن التراث العربي قبل الاسلام مايشجع على القتل والارهاب والسبي ووصف الحرب، فهل يصح ان انقل نصوص عنترة ومشهد الدماء ام أتمثل بصفتي قارئا ومربيا قول زهير بن ابي سلمى الذي يدعو الى رفض العنف والقتل والدعوة الى السلام :

وما الحرب الا ما علمتم  وذقتم    وما هو عنها بالحديث المرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة   وتضر اذا ضريتموها فتضرم

فتعرككم ترك الرحى بثفالها    وتلقح كشافا ثم تنتج  فتتئم

فهذه صورة بليغة تحذر من الحرب التي تشبه النار التي ما ان تشب حتى تستعر وتنتشر فنعجز عن ايقافها في حين يكون عملها أشبه بعمل الرحى التي تحول حبوب القمح الى طحين فالحرب رحى تحيلنا نحن البشر الى طحين، فما احوج العالم المعاصر الى تحقيق دعوة زهير التي نادى بها من قبل ، في حين هناك صفحات كثيرة في التراث تدعو الى القتل وممارسة التعذيب كالمشاهد الوحشية التي تمثل قطع الرؤوس والتعذيب والتنكيل تلك المشاهد التي نجدها في الشعر والنثر وكتبنا المهمة مثل كتاب الف ليلة وليلة  ويكفي ان نقول ان الغرب في منتصف القرن التاسع عشر حين بدأ بترجمة الف ليلة وليلة الى لغاته المختلفة كان يحذف من الترجمات المشاهدالجنسية الفاضحة في حين يغض النظر عن مشاهد القتل في حين ان المحورين محور الجريمة والجنس المكشوف يمكن ان يكون لهما دور سلبي في المجتمع.

ثالثا : التحفظ. بصفتنا مربين ومعلمين ومثقفين ،لأننا حملة تراث قوي حيوي اثر في الامم الاخرى وتأثر بها يمكن ان نتحفظ على كثير من المشاهد لا ان نحذفها واولها مايخص  الدين. نحن ورثنا الدين ولم نخلقه او نختلقه فكيف ننقل الدين بصورة صحيحة الى الصغار عبر المدرسة  أقول اننا يمكن ان نقدم في المرحلة الابتدائية السور القصيرة التي تخلو من مشاهد القتل والعقوبة والتعذيب سُوَر كثيرة  كصورة الإخلاص والتوحيد والمعوذتين والائيلاف والضحى ثم في مراحل متقدمة  ننتقل - مع نضج وعي التلاميذ- الى مبدأ العقاب والثواب لنخلق التوازن في الفرد من خلال ديننا الاسلامي الحنيف.

رابعا : العادات والتقاليد هناك عادات كثيرة نمارسها في حياتنا اليومية ورثناها عن التراث فتكاد تصبح قانونا يلتزم به المجتمع ليس مجتمعنا العربي وحده بل كل المجتمعات ، منها تحية الصباح طاب يومك صباح الخير التي اصلها من العصر الجاهلي حيث يحيي احدهم الاخر بكلمة عم صباحا او عموا صباحا والسلام عليكم التي جاء بها الاسلام وعند اليهود شالوم هذه المصطلحات التراثية لها مايقابلها في كل المجتمعات كما نقول في الانكليزية good morning او hello اهلًا  لذلك يمكن ان نلتزمها ونشجع عليها وهناك تقاليد ورثناها عن أسلافنا القدامى أصبحت جمالية ففي العصر الجاهلي كان الطفل اذا تقلع له سن يرميه نحو الشمس ويقول ابدليني يا شمس باحسن منه وذلك لان الجاهلي كان يظن ان الشمس آلهة تستطيع ان تعطيه سنا جميلا ونحن في زماننا كانت  امهاتنا يدعوننا ان نرمي السن اللبني باتجاه الشمس ونقول خذي سن الحمار وأعطيني سن الغزال لا لكوننا نؤمن ان الشمس آلهة بل كونهامنبعا للجمال والنور لكن موروثنا هذا في هذه الحالة تحول  من مفهوم وثني الى مفهوم جمالي

خامسا: التراث والتناقض . هذه القضية تتلخص في جانبي التراث اللذين يصبان في غايتين متناقضتين الغاية الاولى إيجابية والأخرى سلبية. يمكن ان نضرب مثلا بالتراث الإيجابي ان العرب حين دخلوا الأندلس كانت هناك لغتان في شبه جزيرة أيبريا  هما اللغة العربية ولغة أهل البلد وشعبان هما العرب القادمون وأهل البلد الأصليون التفاعل أدى الى اختراعات علمية في الزراعة والصناعة كذلك الى نشوء شعر جديد عذري لم تعرفه أوروبا من قبل هو شعر التوربادو ولكون العرب دخلوا أرضا جديدة فان ذاكرتهم تفتقت عن ابداع جديد أطلقنا عليه الادب الأندلسي ان مثل هذا التراث يمكن ان يقوي العلائق بيننا نحن العرب والإسبان بصفة خاصة والأوروبين بصفة عامة لكن المحور السلبي للتراث يمكن ان يعرضنا لثلاث اشكاليات:

الإشكالية لأولى زرع الحقد والكراهية والنفور بيننا وبين الآخرين ويكون ذلك اخطر مايكون حين نفسر النصوص الدينية متبعين أهواءنا ومتجردين عن الموضوعية ، يرى اغلب المفسرين ان قوله تعالى " غير المغضوب عليهم ولا الضالين" هم اليهود المغضوب عليهم والنصارى الضالون انه بلا شك تفسير عنصري للتراث ولو قرانا رأي مرجع معاصر كبير كالامام الخوئي رحمه الله لوجدناه يرى ان لكل إنسان مسلم وغير مسلم اجره عند الله بقدر إيمانه بالله وعمله الخير.

الاشكالية الثانية زرع الفتنة بيننا نحن المسلمين فقراءات نصوص تراثية لابن تيمية تجعل المسلم السني يكفر الشيعي والاباضي والطوائف الاسلامية الاخرى  فهي خطر ماتكون لانها تراث سلبي لايحترم أبناء الأمة نفسها فكيف بالآخرين

الاشكالية الثالثة في التراث واللغة وهي اشكالية سببها تعدد وجوه اللغة ولنا خير مثال على ذلك الحديث النبوي الشريف بحق الامام علي " ع" " من كنت مولاه فهذا علي مولاه" حيث وجوه اللغة المتعددة والمعاني لكلمة " مولى" التي اختلف حولها المسلمون وما زالوا الى اليوم اما وجه التراث المتناقض فيمكن ان نصور له استخدامين معاصرين الاول جمالي لطيف كما في قول الجواهري:

لاعتاض عن حلب العصير مشى به علج وطافا

العلج من معانيها العامل الذي يعمل في الحانة والجواهري يقصد ان طرفة بن العبد الذي قتل مخمورا لو يبعث الان حيّا ويدخل حانة في براغ فيرى الخدم الأليفين ذوي الجمال الرائع الذين يخدمون الزبائن ماذا كان يحدث له؟

ومن معاني العلج الكافر وقد استخدمها احد الوزراء في عصرنا الراهن خلال الحرب الاخيرة في وصف الأوروبيين وهو وصف عنصري غير لائق لان كثيرا من الأوروبيين لم يكونوا راغبين بشن حرب علينا من قبل الحكومتين البريطانية والامريكية.

  عدا ذلك فان التناقض في التراث نفسه قد يجعلنا ننحاز الى جانب العادات والتقاليد الموروثة على حساب القيم والمبادىء الروحية التي ورثناها عن الدين  فعادة مثل النهوة وهي ان يمنع ابن العم ابنة عمه من الزواج برجل غيره وان كانت لا ترغب فيه يقابلها تحريم الدين ومنعه لمثل هذه العادية او عادة طلب الثار وقتل شخص بريء قصاصا من مجرم هارب او مختف لكننا في كثير من الأحيان نغفل عن الامر الديني وهو امر الهي ونتبع الجانب الاخر من التراث الذي يرسخ عادة قديمة منعها الدين او القوانين المعاصرة.

خلاصة القول ان التراث كالبحر او المحيط فيه الدر الذي يمثل جمالا راقيا وفيه الكنوز وملح ينفع وطاقة كبيرة  وفيه ايضا ما نجده من طعام وفائدة لكن في الوقت نفسه هناك رياح وأمواج وكواسج وحيتان وأعاصير فلنبحث عن كنوزه ونتقي  كل ضرر ياتينا منه.

 

عدنان المشيمش

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3556 المصادف: 2016-05-31 13:34:28