المثقف - قضايا

فلسفة النكتة او اعادة تشكيل التناقض والتضاد

raheem alsaidiتقترب ظاهرا من الأفواه، ومن الجانب الاستعراضي للذات ومن سخرية مرة، اما في جانبها الآخر فهي اقرب للعقل والصنعة والتمرد ومحاولة اكتساب الثقة أو تأكيد الذات انها النكتة أو الطرفة .

وفي النكتة (المفهوم الشعبي) تناقض صارخ ومفاجئ وهذا هو سر ان  تكون مخرجاتها الرغبة في الضحك الشديد، وهي تؤدي وظيفة سيكولوجية وسوسيولوجي بل ويمتد الأثر الى الجانب المعرفي والسياسي، وقد أسقطت الطرفة أو النكتة العروش المتجبرة معنويا، ولعبت الدور المهم في بلاطات الملوك والأمراء والخلفاء في تاريخ الأمم ككل .

والنكتة أو الطرفة انما هي مفهوم قياس لنمط تفكير وعقول الشعوب فهي تفسر طبائعهم وطرق تعاملهم ومقدار تغلبهم على الضغوط النفسية او انها تفسر لا أباليتهم ونكوصهم وانهزامهم عن اهدافهم وهوياتهم كما ان النكت والطرف تعطي الوظيفة والمقدرة لإمكانية الفرد في التعامل مع المواقف وتحويرها وابتكار مخيلة الصدمة النفسية الايجابية المفاجئة، فتولد من أكثر من فكرة توليفة غير معقدة تؤدي بالعقل الى التعامل معها بوصفها اقرب الى نوع من التناقض الجميل، الذي لا وجود ثابت له أو طبيعي أو واقعي بأرض الواقع .

وتعمل الطرفة بشكل تدريجي على تحطيم الكاريزما الخاصة بالطغاة ومع انها لا تؤدي فعل التغيير الجذري المطلوب، إلا انها تؤسس لارتفاع منسوب الجرأة عند الشعوب وهي هنا بوصفها فكرة عابرة للحدود والفئات الاجتماعية وعابرة للسرد الأدبي والفكري، بالإضافة الى انها وجبة يومية، تعمل على تخفيف الضغط النفسي الهائل الذي يتعرض له شعب ما . وغالبا ما تستخدم الشعوب المقهورة النكتة لأنها توفر مساحة من الحرية النفسية والاجتماعية والسياسية، وقد تكون هذه العملية ما يشبه الهروب من ارض الواقع ومجابهته الى نوع من الأدب الشعبي الشفاهي والذي اصطدم بقوة وماهية صلدة جابهته فتحول الى ردة فعل تمثل استجابة لتحد قوي وأحيانا تكون استجابة الطرفة باهتة خائفة أو تكون الاستجابة نافذة سيما مع وجود الإعلام لها مما يجعلها مادة قوية اما إذا ارتبطت بكارزما مهمة فسوف تصبح الطرفة حدثا تاريخيا ولدينا شواهد عديدة مع طرف تخص الاسكندر المقدوني وسقراط ومن ملوك البلاط العباس .

وقد يفهم ان النكتة لا تقترب من الدين في نظر البعض، ربما لجدية البيئة الدينية، أو لانشغالها بما هو مهم إلا ان نماذج كثيرة أيضا وجدت في الجانب الديني برزت أحيانا بشكل اقل تناقض أو تضاد، فهي هنا لا تستغرق بنتيجة صارخة تؤدي الى الضحك الهستيري، مما يحول الطرفة الى عملية فيها بعض الجدية والهدوء .

وبحفر الأسس الخاصة بالنكات والطرف سوف نلتقي بعجالة بتنوعاتها التي تقترب من البلاغة والمنطق على حد سواء، فالنكت اولا واخيرا انما هي تلاعب لفظي وصوري بعدد من الافكار لخلق التناقض او التضاد. من ذلك اننا عند صف النكتة بالتناقض فالتناقض هو الاختلافٌ في القضيتين مما يقتضي أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة ومع انه لا يمكن اجتماع النقيضين إلا ان مهمة النكتة في بعض تفاصيلها هي اجتماع النقيضين وأحيانا توصف النكتة بالتضاد وهو أن يُطلق اللفظ على المعنى وضده أو يمكن ان توظف الطرفة التشبيه والذي هو مقارنة بين شيئين يمتلكان صفة مشتركة، ولكن أحدهما أقوى في هذه الصفة مما يجعله في مقام المشبه به، والطرف الآخر هو المشبه، وتربط بينهما أداة تشبيه، وإذا كان أنواع التشبيه التمثيلي والضمني والمقلوب فان التشبيه المقلوب الذي أحببت إضافة كلمة المقلوب السالب إليه انما هو من يعطي النتيجة المضحكة التي تترك مساحة مبهجة يتفق عليها المشتركون في الإنصات بجد وبانتظار النتيجة المفاجئة الى لا يتوقعونها وتحتاج الى ان يكون مستخدم هذا الأسلوب ممن ترك انطباعا لدى المستمعين، بقدرته على سرد التضاد بطريقة خيالية أو غير أو واقعية توصف بالتناقض، وعندها تؤدي رواية الطرفة أو النكتة عملها بكونها حالة من عدد من النتائج منها استخدام الخيال وتركيب وتلفيق قصص عديدة تقود الى قصة واحدة توسم بأنها مفاجئة وغريبة وتقود الى الضحك بحكم تناقضها .

 

الدكتور رحيم الساعدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3574 المصادف: 2016-06-18 03:00:35