المثقف - قضايا

"فَاطِمَة" fat-i-ma في المِخْيَال الفرنسِي

eljya aysh("كيف نُغَرِّبُ الشَّرْق" مَشْرُوعًا اسْتِدْمَاريًّا مُدَمِّرًا تَسْعَى أطرَاٌف إلى تَحْيِينهِ)

نال فيلم "فاطمة" لمخرجه فيليب فوكون جائزة "سيزار" أو الأوسكار الفرنسية لأفضل فيلم ، فقد تناول الفيلم مسألة الهجرة في فرنسا من خلال شخصية "فاطمة"، الجزائرية التي هاجرت إلى فرنسا والتي تطلقت من زوجها وتحرص على تربية بنتيها مع أنها لا تجيد اللغة الفرنسية، وتكتب لبنتيها كل يوم رسالة بالعربية تحكي عن أحلامها وآمالها، وحسبما قرأتُ عنه، فجوائز سيزار، التي تحمل اسم النحات الفرنسي الراحل سيزار، تعتبر أكبر وأهم جائزة سينمائية في فرنسا، إذ شهدت هذا العام تنوعا عرقيا كبيرا، وهو ما يؤكد على أن "الظاهرة الاستدمارية" كما وصفها مالك ابن نبي ما زالت قائمة في فرنسا وأمريكا ، فصفحات الاستعمار ما تزال مفتوحة وستظل مفتوحة خاصة عند الجزائريين الأحرار وما ارتكبته فرنسا  من جرائم، في حق الشعب الجزائري، بحيث لم تترك شخصا إلا وأهانته (الرجال، النساء وحتى الأطفال) ، ولا تغيب عن ذاكرة كل جزائري المهام التي كانت تقوم بها المرأة الجزائرية والوظيفة التي أوكلت إليها أثناء الحكم الاستعماري البغيض، لقد كلفت فرنسا الجزائريين بالأعمال الشاقة والمُهِينَة ، كلٌّ والوظيفة التي يقوم بها، مسح الأحذية للأطفال، والرجل في الحقل وقضاء الحاجات، والمرأة كانت مهمتها الطبخ والتنظيف في بيوت المستوطنات ( الأقدام السوداء)، بعدما اختارت لها اسم "فاطمة"، كانت كل امرأة في المخيال الفرنسي هي " فَطْمَة FATMA" (كما ينادونها)، حتى لو كانت تحمل اسما آخر، بعدما حرفت الاسم وشوهته  احتقارا لها..

و لذا فقد كانت قضية المرأة من أهم القضايا التي ركزت عليها فرنسا وفق نظرية "الإدماج التدريجي" في علم الاجتماع القانوني، ورغم الصورة التي رسمتها لها ،غير أنها حاولت كسب ثقتها فمن وجهة نظرها لتحررها من عبودية الرجل الجزائري الذي كان جد متعلقا بدينه، وادّعت أن التقاليد التي يعيشها المجتمع الجزائري أكثر قساوة وأكثر تحجرا واعتبرت الوضعية المادية للمرأة من أهم القضايا، وعملت على تحريك المجتمع عن طريق المرأة، في إطار مشروع: " كيف نُغَرِّبُ الشَّرْق"، فقد كانت تهدف إلى جعل الجزائري شخصا "تابعا" لها ، أي أقل مرتبة من المواطن الفرنسي،  وحاولت تكسير صموده في وجهها، حيث اعتبرت الشعر الملحمي الذي كان يبدعه أصحاب البرانس الذين وصفوا الاستعمار الفرنسي بـ: "الغول"، وبثوا في قصائدهم شعور التضامن وجعلوا من الروابط الوطنية نزعة قومية، الغريب أن كل الأقلام التي صبت حبرها حول الظاهرة الاستعمارية في الجزائر لم تتساءل لماذا اختارت فرنسا اسم فاطمة بالذات؟ ولماذا كانت تحتقر هذا الاسم، إلى درجة أن تستصغره وتحرّفه، بحذفها حرف الـ:"  i"،  سؤال جدير بالطرح اليوم لمعرفة دوافع الحقد الاستعماري على "المرأة" المسلمة، ليست الجزائرية فقط، وإنما المرأة المسلمة في كل بقاع العالم الإسلامي، والحقيقة أن فرنسا اختارت اسم "فاطمة" بالذات لتظهر للشعوب الأخرى وتذكرهم بالعهد الأول من الخلافة الراشدة ، وأسباب سقوطها ، وأن تظهر للرأي العام أن الإسلام دين عنف، وأن المسلمون جُهّال وليسوا صانعي حضارة.

إن من المتناقضات ومن المفارقات أن نجد اليوم في الجزائر جماعة تدعو إلى تكريس الثقافة "الفرانكفونية" ونشرها في الوسط الشُبّاني، ونجدها تعقد الندوات والملتقيات تحت أسماء عديدة ، وقد حضرتُ مؤخرا ملتقى دوليا نظم بمدينة قسنطينة شرق الجزائر (470 كلم) حول النساء "المقاومات" حضرته وفودا عربية من لبنان وفلسطين وتونس ودول صديقة أخرى، في إطار تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2015 ، وقد سلط الملتقى الدولي الضوء على نضال المرأة العربية خلال الثورات والحروب، ودورها في النضال السياسي في العالم من أجل الحصول على حقها في الاستقلال والمواطنة، كمنا عرجت باحثات وممثلات جمعيات وحقوقيات أيضا للحديث عن تاريخ النساء  الجزائريات في الحركة الوطنية وخلال الثورة التحررية، غير أن ما يؤسف له أن بعض المتدخلات ، مثلن جمعيات نسوية جزائرية قدمن مداخلتهنّ بلغة المستعمر (الفرنسية)، رغم أن الملتقى كان يتحدث عن مقاومة المرأة العربية للاستعمار ، والجرائم التي ارتكبها في حق النساء العربيات المسلمات الطاهرات، ملتقى المرأة المقاومة، لم يكن حدثا تاريخيا فقط بل كان سياسيا أكثر منه تاريخي، أعادت إلى السطح ظاهرة "القابلية للاستعمار " التي تحدث عنها الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، وكما قال مالك بن نبي رحمه الله : " لم يعد هناك وقت للعبث، فإذا أردنا ألاّ نَغُشَّ أنفسنا، توجب علينا أن نصارحها بالحقائق اللازمة مهما كانت مُرّةً ، ولا نُمَوِّهها، فنُسَمِّيَ الأشياء بأسمائها، فلا يجب أن نفجع أو أن نخجل من (.....)، فلكلّ مصطلحاته، والذي يهمُّ هنا، ليس المصطلحات، - أضاف مالك بن نبي- وإنما الواقع الاجتماعي الذي تعكسه هذه المصطلحات.

 

علجية عيش

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3581 المصادف: 2016-06-25 02:03:50