المثقف - قضايا

مأمون وشركاه.. دراسة في سيكولوجيا البخل والبخيل

qassim salihyبعد (فرقة ناجي عطا الله) و(صاحب السعادة) اللذين استمتعنا بهما في رمضان العام الماضي والذي قبله، يعود الكاتب يوسف معاطي والفنان عادل امام والمخرج رامي امام ليقدموا لنا في رمضان الحالي مسلسل (مأمون وشركاه). ولا يعنينا هنا النقد الفني من حيث كثرة الحشو فيه، وهوية المسلسل ما اذا كان كوميديا ام دراميا، والمبالغة المفرطة في بعض سلوكيات البخل(تقطيع الرقي "البطيخ" بحجم سنتمتمر لكل سجين!)، وما اذا كان المسلسل قد ضمّن فكرة صراع الأديان(الأسلامي والمسيحي واليهودي) بشكل منطقي او مفتعل، واقحامه (الأرهاب)بعنوان سياسي.. انما الذي يعنينا هنا قضية سلوكية أزلية في نفوس البشرهي البخل، وشريحة اجتماعية هم البخلاء.

 لا أظن ان كاتبا عربيا او اجنبيا تناول موضوع البخل بالطريقة التي تناولها الجاحظ في كتابه (البخلاء). وكلمة بحق هذا المفكر البصري الكناني العبقري الذي لم ننصفه في زماننا (الديمقراطي الثقافي!) انه كان يعدّ ألمع كتّاب زمانه. ومع ان ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المولود بين عامي (150 – 163 هجرية) والذي عاصر اثني عشر خليفة عباسيا(عاش 96عاما!)، وعاصر القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في أوجها، أنه نشأ فقيرا واضطره اليُتم ان يبيع السمك والخبز في النهار ويكتري دكاكين الوراقين في الليل ليقرأ الكتب وهو صغير. ويورد ياقوت الحموي قولاً لأبي هفَّان ـ وهو من معاصريه - يدلُّ على مدى نَهَمِ الجاحظ بالكتب: «لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ما كان". ومن أخلاقه أنه لم يقصر مصادر فكره ومعارفه على الكتب، بل عدّ ذلك عادة مذمومة، فراح يتتلمذ على أيدي كبار المعلمين والعلماء، معترفا بفضلهم عليه لا كما يحصل لدينا الآن من جحود ونكران فضل من تتلمذنا على أيديهم.

 ويصف المسعودي مؤلفات الجاحظ بأنها " تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصيف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع، خرج من جدّ إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة"، فيما وصفه الطبيب والفيلسوف ثابت بن قرِّة الصَّابئي بأن الجاحظ: "حبيب القلوب، ومراح الأرواح، شيخ الأدب ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة".

 وأكاد أجزم ان المؤلف (يوسف معاطي) قرأ كتاب (البخلاء) للجاحظ لدى كتابته (مأمون وشركاه).. لكن الفرق كبير بين (مأمون.. يوسف معاطي) وشخوص الجاحظ. والسبب ان (معاطي) صور بخيله من خياله فيما بخلاء الجاحظ كان معظمهم من بين الذين عايشهم فعلا في بلدة (مرو) عاصمة خراسان. وكان تصويره لهم يمتاز بالطيبة والسذاجة وخفة الدم والفكاهة الواقعية عبر مواقفهم الحياتية الهزلية، بطريقة لا تستهدف تجريحهم او ايذاء مشاعرهم بل في عرض طريقة اقتصادهم واستخدامهم للمال ومحاربتهم الاسراف، وانهم مسالمون بريئون من الأذى لا يظلمون غير انفسهم. وكان له حس سيكولوجي في تصوير حركاتهم ونظراتهم القلقة وكشف ما يخفونه من أسرار بطريقة تجعلنا نسخر منهم من غير ان نكرههم، بل ان كتابه كان يحمل رسالة تربوية سيكولوجية اقتصادية وعلمية في الكشف عن نفوس البشر وطبائعهم وسلوكهم بشهادة المستشرق فان فلوتن.. فهل كان لـ(مأمون وشركاه) مثل هذه الرسالة؟.. وان كانت فهل أوصلها للمتلقي بطريقة مؤثرة سيكولوجيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا؟.

لنبدأ بتحديد مفهوم البخل اولا. فهنالك من يعدّ البخل صفة تطلق على من يملك المال ولا ينفق منه على نفسه او أسرته او معارفه، وآخرون يرونه صفة تنحصر فقط بالاغنياء الذين لا ينفقونه على الفقراء، وآخرون يرون ان البخل يكون حتى لدى أفراد عاديين من الذين يعمدون الى تخزين مواد وسلع تافهة لا فائدة منها، فيما يرى آخرون أن البخل لا يقتصر على المال فقط بل يتعداه الى البخل في العواطف والانفعالات والمشاركات الوجدانية.. ما يعني أن البخل على انواع.

ومن وجهة نظرنا، فان البخل يعني (الأحتفاظ )بمال أو سلع أو عواطف أو افكار والامتناع عن تقديمها في مواقف تعود بالفائدة على صاحبها وعلى من يعيش معهم، وأنه لا يقتصر على ادخار المال فقط بل وفي رأي يفيد الناس وفي المشاعر ايضا، بمعنى ان البخيل لا يحزن لحزن الآخرين ولا يفرح لفرحهم، وان فعل فان ذلك يكون تظاهرا مصطنعا غالبا ما يبدو مكشوفا.

 

 وتتعدد التأويلات فيما يخص تحليل شخصية البخيل. فاذا اعتمدنا المنهج الفرويدي فان سبب البخل يعود الى ان البخيل كان في طفولته محروما، وانه يجد فيما يحتفظ به في رشده تعويضا لما حرم منه في طفولته. واذا اعتمدنا علم النفس المعرفي الذي يرى ان افكار الأنسان هي التي تحدد سلوكه، فان البخيل يكون قد استدخل افكارا سواء من داخل اسرته(ابوه بخيلا او أمه شديدة الحرص مثلا) او من بيئة اجتماعية تفيده بان الادخار ضرورة وان (القرش الابيض ينفع في اليوم الاسود).. وهو تفسير ينسجم مع تنظير علم النفس الوجودي الذي يرى ان من تسيطر عليه فكرة الخوف المبالغ فيه من المستقبل تسبب له قلقا حادا يؤدي به الى انشغاله بما يعتقد انه يجنبه الوقوع فيما هو خائف منه، تكون عند البخيل.. ادخار المال.

 واذا اعتمدنا الطب النفسي فانه يعدّ البخيل مدمنا. فكما يدمن المدخن على تدخين السجائر من اجل التدخين، فان البخيل يدمن على ادخار المال من اجل الادخار. وكما تصبح السيجارة هي التي تتحكم بالمدخّن، فان (الدينار) يصبح هو الذي يتحكم بسلوك البخيل.. بفعل قسري هوسي يشبه المصاب بعصاب النظافة الذي يغسل يديه مئات المرات في اليوم ولا يستطيع التوقف رغم رغبته فيه.. بمعنى ان البخيل يعرف ان سلوك البخل رذيلة وانه يرغب ذاتيا في التوقف عنه، ولكنه لا يستطيع.

والبخيل مصاب بفوبيا الخوف من حسد الناس له وترصّد الآخرين له ولثروته. ولتفادي ذلك فانه يقوم بتأدية دور البائس وارتداء الملابس العادية وتكرار لبس نفس البدلة في المناسبات الاجتماعية، فضلا عن انه يشك حتى في أقرب الناس اليه، ولهذا فانه يستخدم آليات دفاعية تتمثل بالمكر والحيلة والخداع تعزز لديه مهارة تمثيله لدور المسكين!، وفذلكة التبرير في ان سبب عدم اعطائه المال لأولاده انهم يسيئون استخدامه.

 وللإمام علي مقولة بليغة في وصف البخل:" عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغني الذي أياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. "!

 وهنالك اكثر من عشر وجهات نظر في تفسير الادخار (دولباك، غينيس، دوسنبري، كاتونا...) تعزو اسبابه الى: الحذر،الحكمة والبصيرة، الرويّة و التفكير،التقدم للأحسن، الاستقلالية،حب المغامرة،الافتخار و التباهى، حب المال واكتنازه.. تنضوي جميعها تحت خيمة الخوف من الأحداث من الطارئة.

ان سيكولوجية النقاد للأعمال الدرامية تميل الى تبيان السلبيات اكثر من الايجابيات. ومع كثرة النقد الموجه للمسلسل فان علينا الاعتراف بحقيقة ان عملا دراميا بهذا الحجم لا يمكن ان يأتي مكتملا، وعلينا ان لا نغفل الكثير من الايجابيات. فلقد أبدع الكاتب في انتباهة سيكولجية ذكية بالتقاطه ظاهرة سلوكية شائعة في مجتمعاتنا الاسلامية هي ان معيارنا في تقييم الآخر هو انتماؤه الديني او المذهبي لا طيبته وانسانيته كأنسان. وقد حصل هذا مع الذي قام بدور اليهودي (جاد).. فالجميع احبوه في أول لقاء به للطافته بمن فيهم المتطرف دينيا المعتز بالله، الا انهم انقلبوا الى كارهين له وحاقدين عليه لحظة عرفوا انه يهودي. ومع ان البعض قد يعمد الى تسيسها ويدخلها من باب التطبيع السيكولوجي مع اليهود، فانها تؤشر حقيقة سيكولوجية هي ان المسلمين العرب يكرهون اليهود ولا يفرقون بين من هم صهاينة عنصريين وبين من هم يهود حالهم كحال المسيحيين الذين نحبهم، مع ان اليهود في الشام والعراق كانوا قبل قيام (دولة اسرائيل) يعيشون بسلام مع المسلمين، وبينهم من تبوأ مراكز علمية ورسمية مرموقة مثل وزير المالية العراقي في الزمن الملكي (حسقيل) الذي كان انموذجا في النزاهة والحرص على ثروة الدولة نفتقده الآن في زمن الاسلام السياسي الذي أنجب أقبح الفاسدين!

 كما ان المؤلف خلق الضد النوعي لشخصية البخيل التي جسدها (مصطفى فهمي.. نشأت) في مساعدته زوجة البخيل (عادل امام)، وتآمر الابناء (يوسف وزكريا) في الاستيلاء على ثروة ابيهم، وقباحة التطرف الديني في سفك الدماء من اجل المال بشخص الشيخ معتز.

 ومع انه غالى في تجسيد قساوة البخيل حتى على شريكة حياته التي وصفت بخله انه يعز عليه حتى دفع مراسيم دفنها، وخلعها له دون ان يأسف على عِشرة اربعين سنة ولا على لجوئها الى دار المسنين، وقساوته على نفسه ايضا بتفضيله قضاء باقي حياته في السجن.. فانه نجح في إثارة موضوع للنقاش بين المشاهدين حول قباحة البخل وقساوة البخيل.

 تحية للكاتب (يوسف معاطي) على ثراء افكاره وسلاسة حواره وقدرته على خلق عدد كبير من الشخصيات ونسج خيوطها المختلفة فكرا وسلوكا في عمل درامي امتع مشاهدين غفروا له ما كان حشوا او تفريطا في مبالغة او اقحاما لموضوع سياسي على حساب فكرة المسلسل. وتهنئة للمخرج رامي امام الذي احتوى تنوع الامكنة والشخصيات والأحداث والسيطرة عليها واسناد الأدوار للوجوه التي يناسبها الدور شكلا وملامحا وتعبيرا، وللمنتج تامر مرسي الذي كان كريما بلا حدود، وتحية للمبدع عادل امام (وان كان دور البخيل لا يرهم عليه).. وتهنئة للممثلة الرائعة (لبلبة)، ولكل الممثلين وكادر العمل المميز من العرب والايطاليين.

 وتبقى رسالة المسلسل:التربوية الاجتماعية الاقتصادية، ما اذا كان قد أوصلها الى الأسرة العربية لتستفيد منها في تنشئة اطفالها، والمؤسسات التربوية بتضمينها في مناهجها الدراسية، والمجتمعات الاسلامية في تذكيرها بما جاء في القرآن الكريم بتحذيره من سلوك البخل بقوله تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). وقوله تعالى (ان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم).. ومعظمهم في زماننا هذا سياسيون فاسدون.. هم السبب في بؤس الناس.. وهي فكرة لمسلسل أهم وأخطر وأحوج.. ليت فريق (مأمون) يتحفنا بها قبل رمضان القادم.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

 مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3590 المصادف: 2016-07-04 07:14:24