المثقف - قضايا

كلام بسيط عن اللغة والترجمة

اللغة أربع مهارات: اثنتان تعتمدان التعبير، أي أنّهما من صنع المتكلّم وإنتاجه: وهما التعبير الشفوي (الكلام) والتعبير الكتابي (الكتابة أوالإنشاء)، واثنتان أخريان تقومان على الفهم والاستيعاب، أي أنّ من ينتجهما هو الطرف الآخر وعلى الطرف الأول تلقيهما وفهمهما واستيعابهما: وهما فهم كلام المقابل واستيعابه (السماع)، وفهم كتابته واستيعاب ما فيها (القراءة).

في المحادثة نعبّر عمّا نريد شفاها ونفهم ما يقوله الآخر سماعا.

وفي القراءة نستوعب ما يكتبه الآخرون. بينما نعبّر لهم كتابة وتحريرا ما نريد نحن قوله.

ولا بدّ من اجتماع هذه المهارات الأربع لدى الفرد لكي نقول إنّه ملمّ بلغته محيط بها: تعبيرا وفهما، شفاها وسماعا، قراءة وكتابة.

وما يقال عن اللغة الأم يصحّ قوله على اللغة الأجنبية المكتسبة، وإلا فهو إلمام ناقص ومعرفة عرجاء.

وكثيرة هي الشواهد في الحالتين على أفراد يتكلمون ويتواصلون شفاها ولا يقرأون أو يكتبون.

وكم من " بلبل " في الإنكليزية أو الفرنسية أو الأسبانية لا يجيد الكتابة بها ولا القراءة، أو يحسن شيئا من هذه و قدرا بسيطا من تلك، حتّى إذا اضطر إلى كتابة أعلى مستوى مما يعرف، أو قراءة نص يفوق قابليته المتواضعة، غرق في المحبرة أو غاص بين السطور.

من صور " الفقر " في اللغة الأم أن يستعملها حاملها، بعد أن انغمس في مجتمع أجنبي غريب، حتّى إذا تحدّث بها مع ابن لغته وقف عاجزا عند كلمة معينة " لا يتذكرها " أو تعبير بعينه يقول إنّه " يقف على طارف لسانه ". وليس غريبا أن تكون لغته المكتسبة على طلاقته الظاهرة في استخدامها " فقيرة " بائسة هي الأخرى.

ومن الصور التي لا أفهمها في الحالة التي شرحتُ صورة " الرطانة " و " الانحراف " الذي يصيب لسان البعض وقد انغمس في مجتمع غريب أجنبي. أفهم أن نكتسب بعض المفردات التي تتحول إلى لازمة في كلامنا، لكنّي لا أفهم أن " تنعوج " ألسنتنا.

هذا كلّه واضح ومعروف ومشخّص.

أمّا ساعة الحديث عن الترجمة فللأمر صورتان متناقضتان:

صورة التمكن من أدوات اللغتين كلتيهما.

وصورة التمكّن من أدوات اللغة الهدف دون الأخذ بناصية اللغة المصدر، أو الأخذ منها بنتفة من هنا ونتفة من هناك.

في هذه الخانة تندرج حالة الإلمام بلغة أجنبية تجرّ وراءها شقيقات لها وبنات عم. فمن يتقن أيّا من اللغات المعروفة بالرومانية أو اللاتينية الجديدة أو الإسبانية وأخواتها، فبقليل أو كثير من الجهد وبقليل أو كثير من القاموس، يستطيع السياحة في الفرنسية والإيطالية والبرتغالية والرومانية والكتلانية، قراءة وفهما وترجمة، هذا يعتمد على مدى إلمامه بآليات اللغات المتآخية ومدى تمكنه من الشقيقة الأساس.

..........................

الفرق بين الصورتين واضح: صورة اللغتين المتكافئتين وصورة اللغة الهدف + نصف اللغة المصدر أو ربعها: سرعة وتطابق وأمانة في الحالة الأولى، مقابل بطء وتلكؤ وهامش مناورة أعرض وخيال أخصب في الحالة الثانية.

البطء والتلكؤ ناتجان عن العودة إلى القاموس أو القواميس بين الحين والآخر للتأكد من هذه الكلمة أو ذلك المصطلح. أمّا هامش المناورة وإعمال الخيال فسببهما الاعتماد أساسا على المعرفة " الجيدة " باللغة الهدف.

الحالتان موجودتان. وهما على الفرق البيّن بينهما تتطلبان، فوق اللغة، ثقافة ومعايشة وانغماسا في أجواء الآخر تتجاوز عتبة اللغة والقاموس وتتخطى ميدان القواعد والصرف. ( "كان إبراهيم يسير في 6 أكتوبر متأبطا الأهرام " أو " الأطفال يحبّون البقرة الضاحكة " أو " رفقا بالقوارير ") وما إلى ذلك من إشارات اجتماعية - ثقافية لا يفهمها إلا من كانت له دراية، ولا " تفوت " إلا على من تعلّم اللغة من دون أن يطلع على الثقافة بكل ما تعنيه من تاريخ وجغرافيا واجتماع وسياسة واقتصاد.

كما لاحظتم، لم أتطرق في كلامي إلى الجوانب النظرية ولم ألجأ إلى المطلحات، ففي ذلك كلّه تشويش وتعقيد يبعدنا عن الهدف ويحيد بنا عن البساطة المنشودة.

 

د. بسّام البزّاز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3594 المصادف: 2016-07-08 13:16:14