المثقف - قضايا

حيرة الإنسان الديني واللا ديني

abdulkarim qasimكيف يمكن التحقق مما إذا كان الناس يحاولون مساعدة شخص، أم لا، ومما إذا كان هناك شيء لدى الشخص يمكن أن يحبط هذا الهدف؟. ولماذا، هناك أشخاص معينون يعترضون على هذا الفكر أو ذلك؟.

الإنسان يحمل في داخله بذرة تعاسته أو سعادته، جحيمه أو نعيمه. إن أي شيء يحدث لك فهو بسببك، أما الأسباب الخارجية فهي ثانوية. الأسباب الداخلية هي الرئيسية، وما لم تفهم ذلك، فلن تكون هناك إمكانية للتحول، لأن العقل يستمر بخداعك. العقل يشير دائما الى الخارج قائلا: إن سبب تعاستك أو سعادتك، موجود في مكان آخر.

لو كان السبب موجود خارج نفسك، لما كانت هناك إمكانية للتحرر، ولما كانت هناك إمكانية لأي انعتاق.

لو كان السبب في الخارج: لكنت حتما في حالة عبودية الى ابد الآبدين.

إذ كيف تستطيع أن تغير السبب الخارجي؟ ثم أنك حتى لو غيرت سببا، فسيعقبه ملايين الأسباب !.

هذا هو الفرق، وهو فرق أساسي، بين العقل الديني، والعقل اللا ديني..هنا حيرة الإنسان!.

الماركسيون يفكرون عكس ذلك تماما. ماركس لم ولن يكون مستعدا للموافقة على ما يقوله منطق الدين. فماركس يقول: إن السبب موجود خارج المرء، والإنسان تعيس لأن هناك أسباب خارجية تخلق التعاسة، وسيكون سعيدا لو تغيرت الأسباب، واستبدلت بأخرى. وفقا لماركس فإن الثورة مطلوبة، في العالم الخارجي.

أما وفقا للنبي محمد (ص)، وللسيد المسيح (ع) وغيرهم من الأنبياء والرسل، فإن هذا التشخيص خاطئ برمته. أن الأسباب تكمن في الداخل، أما الخارج فهو مجرد تبريرات، ثورة في داخل الشخص وليس المحيط: (حتى يغيروا ما بأنفسهم).

قد تستطيع أن تغير الخارج، لكن لن يتغير شيء، إذا بقي الداخل على حاله، ذلك أن الداخل سيخلق النموذج ذاته مرارا وتكرارا، مهما كان الوضع في الخارج، لأن الإنسان يعيش انطلاقا من الداخلي الى الخارجي.

من النظريات الدينية ومرورا بالنظريات المادية، لا يزال الإنسان في نفس المحنة، لأنه يعاني من صعوبة تغيير الداخلي والخارجي على حد سواء. قد يكون اللجوء التلقائي الى الفلسفات والفنون والآداب التي تدفع الإنسان باتجاه الحرية، هو من باب عدم انتظار أي تغيير، أمام قسوة الحياة وشروطها المبالغ فيها، كما ان هناك نظريات وتطبيقات لا ترى في أي تغيير مصلحة لها لذلك تبقي الوضع على ماهو عليه.

إن الإنسان يحمل جنته في داخله، كما يحمل جحيمه. لكن، غالبا إذا شعر بالتعاسة، فلا يحاول إيجاد الأعذار في العالم الخارجي، لأن هذا لن يفيد. في الحقيقة، ستصبح هذه الأعذار خدعا. عندما تكون تعيسا، حاول أن تعثر في داخلك على الشيء الذي يحبطك، وتنبه له. بخلاف ذلك سيستمر الآنسات لفترة طويلة في التحرك في الأخدود نفسه، في الحلقة المفرغة ذاتها، خاصة إذا صاحبها تجاهل المحيط أو ان المجتمع لم ولن يعطيه حقوقه.

من هذا يبدو: لا يوجد مفر، أينما تذهب، فسوف تخلق جنتك وجحيمك حولك. فالجنة والجحيم ليسا شيا جغرافيا، ليسا أمكنة. الجنة والجحيم، إن هما إلا مواقف.. نفسية: موجودان في الفضاء الداخلي للنفس البشرية. هي تشبه شبكة العنكبوت. إن كل شخص يشبه العنكبوت الذي يحمل في داخله شبكته. أينما يذهب العنكبوت، ينشر شبكته حوله. إنه يجلبها من أحشائه. وكلما أراد أن يتحرك، فإنه يبتلع الشبكة مجددا، ثم يتحرك.

 

عبدالكريم قاسم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3599 المصادف: 2016-07-13 04:04:06