المثقف - قضايا

المجلس الأعلى للتعليم وارتجالية الرؤية الاستراتيجية (2015 - 2030)

alhasan alkyriإهداء: إلى صديقي الإسباني وأستاذ اللغة العربية للأجانب السيد جوسيب رامون غريغوري  مونيوث (برشلونة).

لا شك أن المتتبع للشأن السياسي والاجتماعي في المغرب يلاحظ ذلك العدد الكبير من المؤسسات العمومية التي يتم إحداثها والأوراش الكبرى التي يتم فتحها والمخططات المختلفة التي يتم إطلاقها  فلاحيا وتجاريا ودينيا وتعليميا. لكن إطلاق المبادرات وتشييد المؤسسات وإعمال المخططات غير كاف البتة ما لم تتوفر الظروف المثالية لإنجاح تلك المخططات على جميع الأصعدة حتى لا تكون تلك المخططات "لا مخططات" أو مخططات بمعنى خربشات أو حبرا على ورق. وإذا لم ينجح مخطط ما يجب أن نحاسب من أشرف على هذا المخطط كي نجسد وننزل المعنى الحقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة لأن الأمر يتعلق في هذه الحالة بمالية الدولة وزمانها الحضاري ومستقبل أبنائها خاصة "أبناء الشعب" منهم.

ونحب هنا أن نلفت الانتباه إلى ضرورة فتح تحقيق معمق  وعلى أعلى مستوى وتقديم نتائجه أمام الرأي العام مع وزير التربية الوطنية السابق محمد اخشيشن وكاتبة الدولة لطيفة العبيدة  ومديري ومديرات الأكاديميات ما بين (2009 - 2012) كي نتبين حقيقة الملايير التي تم تبديدها في إطار ما عرف بالمخطط الاستعجالي الذي كان قد أريد له أن يعطي نفسا جديدا للإصلاح التربوي التعليمي والتكويني الذي دخلنا غماره في بداية الألفية الثالثة. وقد تم نهب هذا المال العام المرصود لذلك تحت مسميات عدة كتلك التكوينات الفاشلة والسطحية التي كانت تجمع لها الجموع وتضرب لها المواعيد وتشد لها الرحال بعدما يتم إطلاقها بين الفينة والأخرى؛  وأنجزها أناس غالبيتهم لم يحمل الطباشير يوما، وما رافق ذلك من أكباش مشوية ومشروبات دون أن نلمس أثرا لهذه التكوينات على مستوى الممارسة الميدانية الواقعية؛ ثم إنفاق قسط كبير من هذا المال العام في فواتير الهاتف  بحيث إن إجمالي ما أنفقته مديرة أكاديمية الرباط سلا - زمور - زعير السيدة التجانية فرتات  خلال ولايتها  كاف لبناء ثلاث مؤسسات تقريبا للتعليم الابتدائي. يا للكارثة!

ورغم أن هذا المخطط قد فشل فشلا ذريعا أو تم إفشاله وهدرنا به زمانا حضاريا كبيرا - بحيث إنه يمكن أن نقول إننا أخرنا المغرب من خلاله بحوالي 20 سنة تقريبا - فإن عددا ممن تم تعيينهم مركزيا وجهويا وإقليميا  في مجال التربية والتعليم ما فتئوا  يطلون علينا بمخططات فاشلة من الأساس  الغاية الخفية منها هي نهب المال العام والمساهمة بقوة في تكريس الجمود والتخلف في المجتمع وتبضيعه وتضبيعه وتغنيمه (نسبة إلى الغنم) رغم ما يعلنون في إعلامهم المتخلف من شعارات فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع.

ومن بين تلك المخططات ما سماه المجلس الأعلى للتعليم بالرؤية الاستراتيجية  (2015 - 2030). وهي رؤية  "لا رؤية" في الحقيقة بحيث غلبت عليها الارتجالية والتسويف والتخبط والتسرع والابتسار والنقل عن طريق استعادة مفاهيم وشعارات وقيم مستهلكة سبق أن تم تخدير الشعب بها وتضليله في إطار الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي نفسه (2009 - 2012)، وذلك من قبيل الاهتمام باللغات الأجنبية وتكريس مدرسة الإنصاف والجودة والبحث عن الشراكات وفتح المؤسسات على محيطها السوسيو اقتصادي وغيرها من الأوهام. وهو اجترار ممقوت أراد من خلاله "عفاريت" المجلس الأعلى للتعليم  أن يضيعوا أبناء الشعب لمدة خمسة عشر سنة مقبلة  دون حسيب أو رقيب، في إطار سياسة التسويف والمماطلة والتسييس والتغنيم والتفقير والتجهيل والتبريد والتجميد والتخويف والترهيب والتحريم والتمويت.

إن غالبية المحظوظين الذين تم الإتيان بهم لملء الكراسي الشاغرة في بناية المجلس الأعلى للتعليم ، في نظرنا، لا يتوفرون على الكفاءة اللازمة  أصلا للسهر على إنجاز دراسات وتقويمات وتقييمات وخطط ومخططات  لفائدة المدرسة المغربية العمومية التي لا يجمعهم  بها إلا الخير والإحسان كما نعلم جميعا، ذلك أن أزيد من 90 في المائة من  هؤلاء يدرسون أبناءهم في مدارس خصوصية وفي الخارج. كما أنهم انتهوا أكاديميا ومعرفيا وأكثر من نصفهم لم يكتب يوما سطرا واحدا يتيما في مجال التربية والتكوين. ومع ذلك يدفعون "الجبهة" الصلدة إلى الأمام ويخرجون العيون ويمررون الأيادي على الشعر عندما يستدعون قنوات إعلامنا الموبوء لكي ينفثوا فينا تصريحاتهم المتعملة والمتصنعة. لن يخذلوننا فنحن بتاريخهم عارفين وبنواياهم عالمين وإياهم نعني وليفهموا قبل أن نجهل فوق جهل الجاهلين!

إن أي إصلاح وأي رؤية استراتيجية لا تجعل الأستاذ محور أي عملية تعليمية - تعلمية محكوم عليها بالفشل. فهو محورها وبالتالي يجب أن يكون معززا مكرما ماديا واجتماعيا ونفسيا وقانونيا وعمليا. نحن لا نعرف كيف يتسنى لواضعي الرؤية الاستراتيجية أن يتبجحوا بجدواها ومعقوليتها وأصالتها رغم أنها سرقة من المخطط الاستعجالي واجترار له ورغم أنها تعطينا انطباعا بأنهم كانوا يحلمون وهم يزوقون ويدبجون دعاماتها. يستحيل أن تكون رؤية حقيقية، كذلك، ما لم تضع حدا للاكتظاظ في الأقسام بحيث لا يجب أن يتجاوز عدد التلاميذ في المدرسة التي تريد لنفسها أن تكون حديثة 10 إلى 20 تلميذا على أبعد تقدير. ومن المؤسف أننا نلاحظ في العام الأول وحتى في بداية الثاني من عمر تنزيل مقتضيات هذه الرؤية العمياء تفاقم ظاهرة الاكتظاظ في جميع الأسلاك وفي جميع المستويات وفي جميع الجهات والمناطق التربوية بحيث بلغت عدد المتعلمين 50 فردا مكبوسين في القسم الواحد. ومع ذلك لا يخجلوا من أنفسهم متحدثين عن الجودة وربما يقصدون  "حليب سنطران" وإذ نحن الذين لم نفهمهم جيدا، والله أعلم. فما هذه الفوضى وقلة الحياء المنقطعة النظير؟

أخيرا، لا يمكن أن تنجح أي رؤية والأستاذ يمارس نشاطه التربوي التعليمي والتكويني في مؤسسات لا تتوفر على الحد الأدنى من ظروف الاشتغال كالمرافق الصحية والإنارة والسبورات حتى الخشبية.

ونحن نضع نقطة نهاية لهذه الورقة، نذكر بأننا جميعا نعرف الحل ونعرف من أين تؤكل الكتف إذا أردنا أن نصلح منظومتنا التربوية والتعليمية والتكوينية؛ بحيث يجب أن نجعل من إصلاح هذا القطاع أولوية حقيقية، بالفعل وبالملموس ونخصص ولو 1 في المائة من مداخيل الفوسفاط و0.5 في المائة من مداخيل الصيد البحري لميزانية هذا المجال الحيوي دون أن نحرج الفاسدين مهربي مال "أولاد الشعب" إلى الخارج في إطار صفقات مشبوهة، الخبيثين من الداخل والورعين والأتقياء من الخارج والذين يقولون ما لا يفعلون. ثم نقرن المسؤولية بالمحاسبة ونضع الرجل المناسب في المكان المناسب ونخصص يوما وطنيا رمزيا يغسل فيه رئيس الحكومة رجلي الأستاذ تقديرا وإجلالا وتشريفا وتحفيزا لصانعي الأجيال كما يفعل رجال الدولة في اليابان. وهكذا سننتقل من بناء الجدران إلى بناء الإنسان.

 

بقلم: الدكتور لحسن الكيري

كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء - المغرب.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3599 المصادف: 2016-07-13 04:07:15