المثقف - قضايا

سليم الحسني، العراق.. وَهْمُ الدولة (10): دور الجعفري في صناعة المثقف المعتاش

salim alhasani2بعد نهاية الدكتاتورية القاتلة في العراق عام 2003، كان المثقف العراقي يتطلع لأن يأخذ دوره في الحياة الجديدة، فلقد كانت الثقافة طوال حقبة الظلام البعثي، هي المشكلة الكبيرة، لقد اختنقت بالمراقبة والقمع والارهاب، فلم تعد للمثقف الحر فسحة في العراق.

وكان المتوقع أن تبدأ العملية السياسية، بمشاريع ثقافية عملاقة، للخروج من عتمة الماضي، ففي تحولات مصيرية مثل التي حدثت في العراق، تكون الثقافة هي المرتكز الأول الذي تنطلق منه عملية البناء الصحيح.

 ...

استبشر الوسط الثقافي عندما تولى الدكتور إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء عام 2005، فلقد كان يتحدث بلغة المثقف والثقافة، واستطاع بذلك ان يزيد من شعبيته التي كانت أساساً قوية في تلك الفترة بين معظم شرائح المجتمع العراقي.

لكن الجمهور الثقافي واجه انتكاسة سريعة على يد الجعفري، عندما اختار شخصاً لا علاقة له بالثقافة والفكر وزيراً للثقافة هو (نوري الراوي) خريج كلية الشرطة وتاجر دواجن وعلف حيواني.

 

ولم يكن الأمر مفروضاً على الجعفري، إنما هو الذي اختاره. وبذلك فقط رمى الجسد الثقافي العراقي بحربة مميتة.

 ...

عندما بدأتُ عملي في فريق الجعفري، كنت احمل معي عدة مقترحات لمشاريع ثقافية، وكانت فورة الحماس والأمل كبيرة بداخلي، لكنها تحولت على مكتب الجعفري الى رماد بارد. لقد رفضها واحداً تلو الآخر، وأصر على رفضها وتعطيلها.

كان أول مشروع اقترحته عليه، أن يخصص مؤسسة للكتّاب العراقيين بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم، تمنحهم مرتبات شهرية، وتتولى طباعة نتاجهم الثقافي، وذلك من أجل تشجيع حركة الكتابة والنشر، وتقليل أعباء الحياة على الكتّاب. وكان تحقيق ذلك سهلاً على الجعفري، ففي تلك الفترة كان رئيس الوزراء يمتلك هذه الصلاحية، وكان العراق في وضع مالي ضخم. فكل ما يحتاجه المشروع هو قرار الجعفري وحده.

لقد طرحت هذا المشروع بعدة اشكال وصيغ وعبارات، وفي كل مرة كان يجيب بالتسويف والاهمال والرفض. ووقتها لم أكن قد اكتشفت أنه يحمل في داخله نقمة غريبة على الكتّاب، لأنه عانى طويلاً من عقدة التأليف من دون ان يصدر له عمل فكري واحد ناضج.

 ....

واقترحت عليه أن تتبنى الحكومة من خلال إحدى المؤسسات الاهتمام بالجيل الجديد من طلبة الجامعات، بأن تشجعهم على الكتابة، ويُصار الى طباعة نتاجاتهم التي يتوفر فيها الحد المقبول من النشر مع مكافآت مالية. وبذلك سنخلق اتجاهاً ثقافياً متنوعاً في العراق، وسنسهم في وضع بداية لحركة وعي وكتابة ونتاج معرفي. وكان جوابه مثل الأول الاهمال والرفض.

وأقترحت عليه غير ذلك، لكنه كان ثابتاً على موقفه في إماتة أي مشروع ثقافي.

 ...

وبينما كان يرفض التأسيس لحركة ثقافية في العراق، فان الجعفري أقدم على جريمة ثقافية رسّخت الماضي المظلم للواقع الثقافي، فلقد كان يدعو الشعراء ليكتبوا فيه شعراً، ويخصص (مائة دولار) عن كل بيت شعر. كما صار يهتم بجمع خطبه ومحاضراته، ويكلف البعض بذلك، ثم اصدارها في مطبوعات، وبذلك أعاد الروح للمثقف المعتاش، بعد أن كان الوسط الثقافي يتصور أنها ستزول منه في العراق الجديد.

لقد أضاع الجعفري فرصة تاريخية لبناء ثقافي، وصنع بدلاً منها انتكاسة مؤسفة، ثم تلاقت هذه الانتكاسة مع مثيلاتها على يد القادة الاخرين، فصارت ركاماً من المشاكل التي تزيد من صعوبة النهوض الثقافي، وتدعم ظاهرة المثقف المعتاش.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ولحد ألآن ... بقي السيد الجعفري على سريرته التي عاش فيها بعيدا عن الثقافة والمثقفين ويتحسس منهم ... فتراه دائما بعيدا عن النخبة المثقفة ولم نجده يوما قد أفاد أو أعان كاتب في طبع كتاب ما أو صحفي جريءأو قاص مبدع أو فنان قدير .... ولا يهمه ألا تسويق نفسه للأخرين ....فقد طبع مؤخرا كتاب يتعرض فيه الى تجربته في الحكم ... وطبع الكتاب في أرقى المطابع في بيروت وقد روى لي أحد موظفي الشحن ولي قرابة معه كيف أن الكتب المطبوعة في بيروت تشحن عن طريق طائرات الخطوط الجوية العراقية وكيف يقومون موظفي التشريفات العائدين لوزارة الخارجية بأخراج الكتب من عنابر الطائرات وأيصالها الى المكان المخصص لخزنها ... وروى لي موظف الشحن عن كلفة طبع الكتب الغالية والتغليف الخارجي للكتاب .... مما يدل على المصاريف الباهضة لطبعها في بيروت ونقلها على حساب الدولة العراقية .... وهنا لا أريد أن أفند مخالفة السيد الوزير بأستغلال منصبه في طبع كتابه الشخصي في مطابع بيروت الغالية الثمن ولا أستغلاله لأحد شركات القطاع العام لنقل المطبوع من على أسطولها الجوي ...ولا عن تسخير موظفي التشريفات كعمال تخليص بضائع واردة لمطار بغداد الدولي .... في حين لا يجد الطالب والتلميذ الذي على مقاعد الدراسة المطبوع العلمي المقرر له في دراسته المقررة ...هذه ياسيدي الكاتب الكريم واحدة من ألوف جرائم العبث وسرقة المال العام ....!!!ومن ... من .. من أعتق مدعي ألأسلمة وألأسلام وأتباع منهج أهل البيت الكرام ..وأحد حجاج بيت الله الحرام .

أبو أثير / بغداد
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي العزيز سليم الحسني أضع بين مصداقا و مثالا لسلوك الجعفري و لهاثه وراء المداحين له حيث منح الجعفري مبلغ ألفي دولار لفؤاد العاشوري مقابل قصيدة مجد فيها الجعفري و هو لم يعرف الجعفري ولم يراه يوما لكن احد العاملين مع الجعفري حث العاشوري وهو حاليا مذيع في راديو طهران العربي وهو شاعر من أهواز جنوب ايران نعم هذه مأساة الذي ابتلي بهذه الحثالات أمثال الجعفري الذي يُغدق أموال العراق على مداحيه

عبد الله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3618 المصادف: 2016-08-01 13:33:08