المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وَهْمُ الدولة (17): قيادات التخلف المعاصر

salim alhasani2في عام 1961 توفي المرجع الديني السيد مهدي الشيرازي في كربلاء، وبعد فترة وجيزة إدعى ابنه المرحوم السيد محمد الشيرازي المرجعية، مستنداً الى قدر مقبول من التعليم الحوزوي والى مكانة والده المرموقة في الوسط الديني.

كانت خطوة الشيرازي خروجاً على المألوف في أجواء الشيعة، خصوصاً في فترة يتصدى للمرجعية كبار الشخصيات، مثل المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم، والسيد الخوئي والسيد الشاهرودي.

وقد بدأ نشاطه بالترويج للخرافات والاستعانة بحشد كبير من الاشخاص يمنحهم الوكالات في مناطق مختلفة من العراق، حتى صار بعض الكسبة ممن لا علاقة لهم بالحوزة وبالعلوم الدينية وكلاءً عنه، بعد ان ارتدوا الزي الديني.

شغل وكلاء الشيرازي وخطباء المنبر التابعون له، المنطقة الوسط بين بسطاء الناس وبينه، وهي المنطقة المهمة والمؤثرة التي تحدثت عنها في الحلقة السابقة. فاتخذوا من الشعائر الحسينية وسيلة لنشر الخرافة، باعتبارها المنطقة الرخوة في الكيان الشيعي، حيث تتحكم بها العاطفة، وتنفلت فيها مشاعر الناس أمام مأساة الحسين الكبرى. وكان هذا الجانب هو الأكثر سهولة للحصول على الأتباع، ولا يزال كذلك.

برع أتباع الشيرازي في التفنن بابتكار استعراضات مهرجانية لإحياء ذكرى عاشوراء، فاضافة الى التركيز على الزنجيل والتطبير، فانهم أشاعوا ممارسة المشي على الجمر والزحف وغيرها. مما دعا المرجع الاعلى السيد الحكيم الى اصدار فتواه بحرمة المشي على النار والجمر، للحد من تمادي الشيرازية في ممارساتهم.

 ...

مما يلفت الانتباه ويدعو الى التأمل، ان بروز الحركة الشيرازية، كان بعد فترة وجيزة من انطلاق حركة الوعي الاسلامي الحديثة في العراق، متمثلة بجماعة العلماء وبتأسيس حزب الدعوة الاسلامية على يد الشهيد محمد باقر الصدر، وما رافقها من انطلاق موجة الوعي الفكري التغييري برموزها الكبار امثال السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ محمد مهدي الآصفي وغيرهم من الكبار الذين أسهموا في نقل المجتمع من حالة الركود والجمود الى مستوى النهوض الثقافي في فترة وجيزة.

وقد واجهت حركة الوعي هذه التشكيك والعداء من قبل النشاط الشيرازي، وكان الشيرازيون أشد عليها من السلطة الحاكمة ومن التيار الشيوعي والتيارات الالحادية والوضعية التي كانت تملأ الساحة العراقية أيامذاك.

 ...

أنتجت مدرسة الشيرازي جواً من الخرافة لا يمكن مقاومته، ولا يزال فاعلاً مؤثراً حتى الآن، وتوسعت نشاطاتها الى الخليج والى مناطق مختلفة من العالم، وقد اهتمت اهتماماً بالغاً بفئتين من منطقة الوسط هما الخطباء والكتّاب، وبذلك استطاعت ان تصنع فئة من المؤمنين بالخرافة يرتبطون بقياداتهم. وهو ما نراه من خلال الايمان بـ (البصاق المقدس) و (جكليت الشفاء) و(خيوط الحمل)، وغير ذلك من أكاذيب تنطلي بسرعة على الانسان المسكين المحروم الذي يتعلق بالوهم للتخلص من مرارة واقعه.

 ...

المدرسة الشيرازية، بنجاحها في التوسع من خلال الخرافة، شجعت فئة من المعتاشين والطامعين بالزعامة الى اعتماد منهجيتها، فشهدت فترة ما بعد 2003 بروز ظاهرة المراجع المصطنعين والقادة الوهميين، فكل ما يحتاجونه مجموعة تعتاش عليهم، تنشر الخرافة والجهل باسم القداسة، وعند ذاك يأتي البسطاء من الناس أفواجاً، يطلبون الخلاص من أيامهم التعيسة على اعتاب هؤلاء.

وقد استفاد القادة والمراجع المصطنعون، من الفشل الكبير والفساد الهائل الذي ضرب العملية السياسية، مع أن هؤلاء جزء مهم من الفساد الحكومي. لكن هيمنتهم على المشاعر والعوطف المندفعة، يُعمي عنها أبصار الاتباع.

 ...

إن منطقة الوسط بين الجماهير البسطاء وبين القائد، هي منطقة مفصلية في عملية بناء الانسان والمجتمع والدولة، وهي مهمة المثقف بالدرجة الاساس، وعليها يجب ان يصوغ منهجه وخطابه. وإلا فان المزيد من التخلف والجهل والخرافة ومن ثم الفساد والتدهور سيشهده العراق.

بهذه المهمة وهي صعبة بلا شك، يمكن بناء الانسان، ويمكن تخليص المجتمع من تدهوره، ويمكن انقاذ الدولة أو ما تبقى منها.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3625 المصادف: 2016-08-08 03:15:45