المثقف - قضايا

سليم الحسني العراق.. وَهْمُ الدولة (24): إنتكاسة المثقف في زمن العملية السياسية

salim alhasaniكانت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق (سنة وشيعة وكرد) تمتلك فرصة نادرة لإعادة بناء العراق، وتأهيل المواطن العراقي، وكانت الامكانات الإساسية متوفرة بشكل يندر ان يحصل في نموذج آخر. فلقد اسقطت القوات الأميركية نظام صدام، وفتحت لهم المجال لإدارة الدولة، وكانت دول الجوار تعيش الحذر والخوف من التجربة الجديدة، بمعنى أن الطبقة السياسية العراقية، كانت محمية بالأحتلال الأميركي من التحديات الإقليمية والدولية، وكانت شكوى واحدة منهم ضد أي دولة إقليمية تجعلها تتراجع بسرعة لكي لا تُثير انزعاج البيت الأبيض في مشروعه الجديد.

لكن الطبقة السياسية (السنة والشيعة والكرد)، حين جمعهم مجلس الحكم، كانوا قد دخلوا اليه بمشاعر وطنية باهتة، وحين استقروا في قاعة الاجتماع، وضعوا حساباتهم الخاصة والشخصية على الطاولة، والقوا بالحس الوطني خارج القاعة والى الأبد. وحتى الكتلة والحزب والمكون، كان هامشياً في توجهاتهم، فهو وسيلة لتعزيز مكسبهم الشخصي اولاً.

فعندما قبلوا بالتشكيلة القائمة على أساس المحاصصة، فانهم تخلوا عن المفهوم الوطني رسمياً. وحين صار مجلس الحكم أمراً واقعاً، فان المواطن العراقي وجد نفسه أمام طريق واحد هو الإحتماء بالمكون، فقد صار هو البديل الفعلي عن الوطن، لقد أغلقوا عليه الطرق الأخرى وصمموا العملية السياسية على أساس الطريق الواحد.

 ...

لم يكن من مصلحة المشاركين في العملية السياسية أن يطغى الشعور الوطني على العراق. لم يخططوا لذلك، هذا أمر أؤكد عليه من خلال معرفتي بمعظم الاشخاص المشاركين في مجلس الحكم، فهم ليسوا بمستوى تخطيط بعيد بهذا العمق، إنما النتيجة هي التي كانت تقود الى ذلك.

لقد خططوا للتمسك بالمحاصصة والإبقاء عليها، ولا يزال هذا الأمر سارياً، وسيبقى للفترة القادمة، رغم شعارات الاصلاح والتصريحات الرافضة لها من القادة وزعماء الكتل والمكونات.

 ...

إن الانتماء الى المكون كان أمراً مألوفاً في العراق، فالطائفية ضاربة الجذور منذ قرون طويلة، والقومية لها قوتها أيضاً، وكذلك الاتجاهات الفكرية، أما الشعور الوطني فيأتي بالمرتبة الأخيرة.

بتشكيل مجلس الحكم وإعتماد المحاصصة، صار العراق من الناحية الفعلية ثلاثة أوطان لثلاثة مكونات (الشيعة والسنة والكرد). وقد وجد قادة هذه المكونات أن صيغة الحكم جيدة نافعة، فهي تضمن لهم الوصول المتكرر للسلطة، من خلال الانتخابات اولاً ومن خلال التوازنات السياسية ثانياً.

فالانتخابات صارت محصورة داخل المكونات الثلاثة، لا تتجاوزها الى غيرها، وهذه لوحدها ميزة لا يمكن أن تفرط بها الكتل السياسية لضمان دخولها الى البرلمان. أما المحاصصة فهي الميزة الثانية التي تحقق لها الحصول على المناصب العليا، وهذه الاخرى لا يمكن التفريط بها.

وعليه فان النتيجة هي بقاء الوضع على حاله القائم، اي ثلاثة أوطان من الناحية الفعلية تحت اسم كبير بلا مضمون هو العراق.

 ...

إن هذا الواقع لا يمكن أن يصنع شعوراً وطنياً صحيحاً، ولا حتى مقبولاً في حدوده الدنيا، لأن المواطن في كل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة، سيبادل مواطني الجزأين الآخرين نظرة التحسس والمنافسة والخصومة. وستتعمق الطائفية أكثر بين أهل العراق الشيعي وأهل العراق السني. وستزداد الخصومة بينهما وبين العراق الكردي.

عندما نقارن طبيعة العلاقات بين مكونات الشعب العراقي في بداية العملية السياسية، وبين واقعها الحالي، سنجد التدهور الكبير الحاصل بينها.

ومع بقاء هذا الحال، فان المسألة الوطنية في طريقها الى مزيد من الضعف، وقد ينتقل الضعف الى داخل كل مكون، فتفتك به وتمزقه الى أجزاء أصغر، لأن غياب الوعي الوطني والشعور الوطني، سيسري الى داخل الوطن الصغير.

 ...

لقد تعامل المثقف العراقي مع نفسه ودوره بحسابات المواطن البسيط، فهو ينتمي الى الدائرة الأقرب منه حيث توفر له الحماية والطموح. فهو حزبي تابع لقيادة الحزب أو الكتلة وإن لم ينضم اليها رسمياً، وهو تابع للطائفة وللقومية، وبالنتيجة فهو يتحرك في واحد من الأوطان الثلاثة، ويسخر امكاناته ونشاطاته في هذا الوطن الصغير، لكن اعتبارات المهنة الثقافية تفرض عليه أن يختفي تحت شعارات وكلمات كبيرة تحمل اسم العراق والوطن الواحد.

وهكذا فمن الناحية العملية تراجع الحس الوطني عند المثقف العراقي، ووجد نفسه ينساق وراء خطوات الطبقة السياسية في توجهاتها التي جاءت برعاية الاميركان ومباركتهم.

صحيح انه كان يكتب وينشر ويتحدث بطريقة أخرى يشجب فيها المحاصصة وتبعاتها، لكنه ـ والكلام في العموم ـ كان يفعل ذلك بدافع الضرورة الإعلامية، وليس من منطلق الإيمان، فعندما ينتهي من كتابة مقاله أو من لقائه التلفزيوني تراه يتجه نحو الكتلة والمكون يحتمي هناك، ولا يفكر بأن يتمرد على الكيان والقائد الذي وافق على المحاصصة وعمل بها وإلتزم بقوانينها.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم ... ليس جميع المثقفين من يكتب بواقعية ويرفض الطائفية ... ثم ليعود بعدها الى مكونه وكتلته ... هؤلاء هم كما وصفتهم سابقا بالمثقفين المعتاشين على كتلهم وأحزابهم وتياراتهم وسياسيوا الصدفة ألآخرون .... ولقد برز ما بعد ألأحتلال كتاب ومثقفون وصحفيون أدانوا واقع الحال العراقي البائس ...ودفعوا نتيجة لذلك أرواحهم و مصدر رزقهم وآخرون غيبوا في السجون وتركوا العراق تحت التهديد بالقتل وألأختطاف والكواتم ... ومثال علىى ذلك خذ مثلا منبر الثقافة ألأعلامي ستجد فيه العشرات من الكتاب والمثقفين الرافضين للواقع الحالي للعراق الجديد ويوميا وعلى مدارات الساعة تجد كتابات وتعليقات عديدة تنتقد و تجرم السراق وتكشف مواطن السرقات وتسلط الضوء على كل صغيرة وكبيرة تمس المواطن العراقي .... وحتى وصل الحال الى أنتقاد المرجعية الدينية التي كانت محصنة ومقفلة ألأبواب عن أنتقادها ... ّّّ فما هوالشيء والدرب الذي يتم سلوكه من قبل المثقف العراقي ليحمي ويدافع عن العراق والعراقيين ولم يسلكه ......؟؟؟؟؟ لقد جرب كل الطرق من طرق الرفض العارم وبأدواته التي يملكها ألا وهي فكره وقلمه .... العتب ليس على المثقف العراقي ... بل العتب على الشعب الذي تدجن منذ حكم البعث في عام 1963 وأكبر دليل على كلامي هذا هو دلني ونورني على ثورة شعبية أو أنتفاضة قام بها الشعب العراقي من عام 1963 ولحد تأريخ عام ألأحتلال ...عدا ألأنتفاضة الشعبانية في عام 1991... أما المظاهرات التي نجدها ألآن في شوارع المدن العراقية فهي تقتصر على المثقفين والطلبة الخريجون من الجامعات والعاطلين والمتقاعدين والكسبة والفقراء .... ولم يشارك فيها الشعب العراقي بكل عمومه ... وسيبقى الحال على ما هو الى أن يعرف الشعب العراقي بأن خلاصه في يديه وليس في يد المرجعية الدينية أو الساسة والقادة السياسيون الحاليين ولا السادة ولا الشيوخ المعممين ... ولا حتى ألأمريكان أو دول الجوار .... خلاصهم بيدهم ... وتوكلوا على الله ... والله من وراء القصد .

أبو أثير / بغداد
This comment was minimized by the moderator on the site

العنوان (سليم الحسني العراق.. وَهْمُ الدولة (24): إنتكاسة المثقف في زمن العملية السياسية)

انت ؛ سليم الحسني اوضح انموذج ومصداق حي للمثقف المعتاش (المنتكس)
فنحن نعرف توجهك وتاريخك وانتماءك الحزبي (النضالي= المرتزق) وليس تخفيفا (بالمعتاش)
قبل ان تدعي التحرر وتنقلب على حزبك 180 درجة بمقياس المنفعة الشخصية!!!!!!!!!!



ارجو ان يأخذ التعليق طريقه للنشر دون قمع

جعفر السلامي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3631 المصادف: 2016-08-14 04:42:25