المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق، وَهْمُ الدولة (26): الهروب من النقد والتصحيح

salim alhasani2أتفهم الى حد كبير، معاناة بعض المتابعين حين يقرأون مقالاتي في هذه السلسلة، فهم يجدون في سطورها طعناً مباشراً لثوابتهم التي عاشوا عليها طوال سنواتهم السابقة، فصارت جزءا من تركيبتهم العقلية والشخصية، مما يجعلهم يواجهون مشكلة كبرى فيما لو اكتشفوا أن الحقيقة خلاف ذلك، لأن هذا يعني انهيار جانب مهم من عقولهم وشخصياتهم، وسيشعرون بتصدع داخلي مخيف، وعليهم البدء من جديد لبناء المنهار وترميم المتصدع.

ولعل هذا الخوف غير الملموس، هو الذي جعل من شخصية الانسان الشرقي بشكل عام تميل الى العناد في النقاش، وتتصلب عند الرأي، وترفض الفكرة الأخرى رغم معرفة صحتها.

هاجس الخوف من البناء أو من إعادة البناء، يدفع صاحبه الى رفض عمليات المراجعة والنقد، لينجو من تبعاتها. لكنه لا يستطيع أن يصارح نفسه بذلك، فالمراجعة والنقد مما يقول به المنطق والعقل والتحضر، لذلك يلجأ الى اصطناع المبررات الوهمية لمنع اعتماد المراجعة والنقد، من قبيل خداع نفسه بأن هذا المنهج يتسبب في الفرقة والخلافات، وأن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا الكلام، وأن هذه المقالات تزيد الأمر سوءا.

وتتصاعد محاولة التبرير والالتفاف على العقل، لتصل الى مستوى أعلى، حين يتهم البعض الكاتب، بالانتماء لجهات أجنبية امبريالية وصهيونية وماسونية. وهذا ما سمعته وقرأته بالفعل، وأدركت وأنا اقرأ اتهامات هؤلاء الأشخاص، حجم المشكلة الداخلية عندهم. وأقولها صادقاً بأني اشعر بالحزن عليهم، وما كنت أريد ان أتسبب لهم بأي إزعاج، لذلك أتقبل منهم الطعن والتهمة والتشكيك في النوايا، لأنهم يجدون فيها خلاصاً من الخوف المجهول الذي يؤرق أيامهم عندما يكتشفون أن الفكرة التي ألفوها لسنوات طويلة معرضة للإهتزاز.

يتساوى الأمر هنا مع الفكرة والرمز، فهما يتحدان معاً في نفوس وعواطف هؤلاء، فالفكرة تلقوها من رمز مقدس لا يأتيه الباطل، والرمز منحهم الفكرة المقدسة التي لا شك فيها ولا ريب. وفي المحصلة يكون الشخص هو المصدر والأساس والهدف، يأخذون منه عقولهم، ويسلمون له إرادتهم ويدافعون عنه بأرواحهم.

 ...

عندما كتبت عدة حلقات عن خرافات السيد (الفالي) و (عبد الحميد المهاجر) وكثرة الاحلام التي يدعيانها عن الزهراء عليها السلام، اعترض بعض المتابعين مشككاً بصحة هذا الكلام عنهما، وكنت أظن أن هؤلاء يريدون الدليل ليغيروا قناعاتهم، لكنني بعد ان نشرت المزيد من الروابط، أثاروا اعتراضاً آخر، مفاده بأنك تروج لقناة صفا الوهابية. فلقد شاهدوا الفيديوهات وسمعوها، وهذا يعني أنهم صاروا بمواجهة الحقيقة، وعليهم أن يغيروا ما سمعوه منهما من قبل، وهي المهمة الصعبة التي تعني الهدم وإعادة البناء كما اسلفت قبل قليل، فلجأوا الى تهمة الترويج لقناة وهابية لينقذوا أنفسهم من عناء المراجعة والنقد والتصحيح، وهم يعرفون أن الإعتراض في غير محله، فطالما يتحدث الفالي والمهاجر بما يشوه سمعة الشيعة، فان من الطبيعي ان تستغلها الأجهزة الوهابية التي تريد النيل من الشيعة ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وتعرضها على قنواتها.

أكرر القول بأني حقاً أشعر بالأسى والحزن والشفقة على هؤلاء الأخوة، ولو كنت أملك طريقة أخرى لا أتسبب فيها بانزعاجهم لفعلت، لكنها الكتابة والمناقشة والنقد التي تتطلب ذلك، ولا سبيل سواها، لإكتشاف الخلل ومن ثم البحث عن الحل أو بعض مفرداته.

 ...

في حدود عام 1971 حضرت لأول مرة مجلس الشيخ عبد الحميد المهاجر في الصحن الكاظمي الشريف، وكان منبره على يمين الداخل من باب القبلة، وقد حضر جمع غفير من الناس عند الساعة التاسعة مساءً، فصعد بعمته البيضاء وبشبابه المتألق، فكان ذلك لوحده مثار إعجاب بعد ان تعودنا سماع الخطباء من كبار السن. وبدأ كلامه بحديث مختلف يتركز في العلم والنظريات العلمية في الفلك والفيزياء والكيمياء والتشريح والعلوم الطبيعية.

كنت أيامذاك في الصف الثاني المتوسط، وقد راقني الكلام عن العلوم الحديثة، وأعجبني قوله (إن العلم كان يقول بان الذرة تتكون من البروتون والالكترون والنيوترون، لكن العلم الحديث اكتشف بان الذرة تنقسم الى عشرين مليون جزئ) فتعالت الصلوات على محمد وآل محمد. وعدت الى البيت وأنا أشعر بنشوة المعلومة الجديدة وهذا المصدر العلمي والديني المتمثل بشخص الخطيب المهاجر.

وفي اليوم التالي، سألت مدرس الكيمياء الاستاذ (فاضل العكيلي) هل أن الذرة تنقسم الى جزيئات وكم عددها. أجابني بأن السؤال غير صحيح، لأن الجزيئة تتكون من مجموعة ذرات وليس العكس.

شعرت بصدمة الحزن، كنت أتمنى أن يكون أستاذ الكيمياء الطيب الوديع على خطأ. ثم شعرت بصدمة الحزن مرة أخرى على معلومة قالها الشيخ المهاجر عن الضوء والنجوم، فأجابني مدرس الفيزياء الاستاذ (حسين ياسين) بمثل ما أصابني في سؤال الكيمياء، وأيضاً تمنيت ان يكون الاستاذ الذي جعلني أحب الفيزياء على خطأ.

ربما لو لم أسأل وقتها اساتذتي في المتوسطة، لكانت أقوال (المهاجر) قد صارت عندي مع مرور الزمن ثوابت علمية، ثم تتبعها الثوابت العقائدية منه، حتى أصل الى تصديق أحلامه والإيمان بها، ووصف من يرفضها بالصهيونية والماسونية والموساد وغير ذلك.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3633 المصادف: 2016-08-16 01:34:42