المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق، وَهْمُ الدولة (32): الشيعة بين الخرافة والسياسة

salim alhasaniمنذ عشرات السنين والانسان الشيعي يجلس تحت المنبر يسمع عبارة الخطيب: (يا ليتنا كنا معكم سيدي ـ او سادتي ـ فنفوز فوزاً عظيماً)، لقد تغيرت الظروف والأحوال، لكن هذه العبارة ظلت متكررة، حتى صارت جزءً من العقل الشيعي، فهذه الأمنية المستحيلة التي لا تتحقق، وهي تعني أن البعد الزمني عن واقعة كربلاء، قد أعفته من المسؤولية، وأن الفوز العظيم قد ضاع منه، وان مدرسة أهل البيت وخطهم الرسالي قد توقف وصار من الماضي.

ربما ظهرت هذه العبارة في فترة كان لها ما يبررها، لكن بقاءها طوال هذه الفترة الطويلة، رغم تبدل الظروف، يحتاج الى اعادة النظر فيها.

 ...

إن استجابة الشيعة لفتوى المرجعية بالجهاد الكفائي، هو سير على خطى أهل البيت، وإحياء لجهادهم، وشهداؤهم يفوزون الفوز العظيم كل يوم. كما ان مجالات العمل على هدى مدرستهم واسعة مفتوحة، وهي تتطلب إحياءها وتعميقها في المجتمع، لبناء الدولة على أسس صحيحة، وهو أمر يحتاج الى مبادرة، وليس الى أمنية مستحيلة، تتمنى إعادة الزمن لقرون الى الوراء لنكون معهم.

تتضمن العبارة السابقة إيحاءً بأن أهل البيت قد انتهى دورهم من الحياة، وصاروا ذكرى بعيدة مغيبة في أعماق التاريخ. بينما دور أهل البيت لا ينتهي، لأنهم رسالة حياة، ومن يؤمن بنهجهم عليه أن يحيي أمرهم كما أرادوا، فيعيش وكأنه معهم وكأنهم معه في مواجهة الظلم والانحراف، وفي طريق الاصلاح والبناء.

 ...

إن المشكلة التي يعيشها الكثير من الشيعة في العراق، أنهم يتعاملون مع خط أهل البيت عليهم السلام باتجاه معكوس. فقد جعلوا الظلامة محصورة في نطاق التاريخ فقط، فأهملوا بذلك ظلامة الحاضر، ثم أمعنوا الاستغراق في مأساة الماضي لينسوا مأساة الواقع. وبذلك عكسوا اتجاه الثورة الحسينية من مصدر للتحرر ورفض الظلم والتمرد على الأخطاء، الى مناسبة لإطفاء الغضب وتبريد المشاعر وقبول الأمر الواقع في اليوم العاشر من محرم، ثم في زيارة الأربعين، حيث يسيرون بالشعارات الثورية، ويعودون بالصمت المطبق.

وقد استغل شيعة الخرافة والتجهيل، ظلامة أهل البيت، فحولوها الى تجارة مربحة، صادرت إرادة الكثير من الشيعة، وأسقطتهم في مفاهيم منحرفة بعيدة عن ذلك المنهج الاسلامي الأصيل. وفي الحقيقة فأنهم صادروا مضامين مدرسة الأئمة، واستبدلوها بشعائر وممارسات تقضي على مبادئهم وقيمهم ومفاهيمهم.

فالحديث الذي يحفظه كل شيعي عن الامام الصادق عليه السلام: (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا) جعله شيعة الخرافة، قتلاً لأمر أهل البيت، حين ابتدعوا له الممارسات الخرافية، فجردوه من معناه الحقيقي الذي يعني إحياء الدين والسنة المطهرة، وقيم الإسلام ورسالته التي جاهدوا واستشهدوا من أجلها. ولأن شيعة الخرافة يمتلكون ادوات السيطرة على الساحات الشيعية من أموال وامكانات ووسائل فقد انتشر تفسيرهم وغطى على هدف أهل البيت. ...

لقد مرت عقود طويلة من الزمن على الشيعة، يعيش على بساطتهم رجال الخرافة والتجهيل الذين يتضخمون ثراءً ورخاءً، بينما يزداد الشيعي فقراً وتخلفاً. وحين سقط نظام البعث وانتهت فترة ظلمه، كان الانسان الشيعي يتوقع أن يأخذه الوضع الجديد الى أحلامه المخزونة في صدره، لكنه صار ضحية لمبتزين جدد هم قادة الكتل السياسية.

ولم يكن سهلاً إقناع الكثير من الشيعة البسطاء بأن عليهم أن يعرفوا كيف يتصرفون وكيف يستخدمون إرادتهم، فلقد تم تعطيل هذه الأدوات الفاعلة على يد أقطاب الخرافة والتجهيل، وهذا ما جعل خداعهم سهلاً على يد القادة السياسيين، خصوصاً وأن بعض هؤلاء القادة راحوا يعمقون الخرافة لضمان سيطرتهم السياسية.

 ...

إن الانسان الشيعي ـ والكلام في العموم ـ مصاب بإرادته وطريقة تفكيره، وهذا ما يجعل من الصعوبة السير نحو بناء المجتمع والدولة، وسيبقى الوضع متجهاً نحو المزيد من التردي، ما لم تحدث عملية نهوض متمردة على الخرافة وتقديس الاشخاص ورفض الانحراف والفساد، استناداً الى وعي وفهم حقيقي لمدرسة أهل البيت وقيمهم الانسانية والاسلامية.

ومرة أخرى يتجه الكلام الى العالم والخطيب والمثقف الشيعي، ليمارس دوره في هذا الاتجاه، فلقد حرمت الظروف جماهير الشيعة من التعلم والحصول على الثقافة المطلوبة، وهذا دورهم في هذه المرحلة التي تطغى عليها الخرافة.

إنها بلا شك مهمة صعبة، لأن مجموعة من المعتاشين ممن يعتمرون العمامة وممن يحملون صفة مثقف، يجدون في الوعي تهديداً لوجودهم فيعلمون على مواجهته وإثارة الضجيج بوجهه، لكن ذلك لا يعفي المخلصين من العمل، ولا يعفي المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي من تسجيل مواقفهم للمساهمة في صناعة رأي عام يتجه نحو بناء الانسان والمجتمع والدولة.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3641 المصادف: 2016-08-24 04:11:01